395‏السنة 123-العدد2004اكتوبر16‏2 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

نافذة
أسطورة الشهيد طلبة

محمد حبوشة


ولقد حملناه عائدين دون أن نذرف دمعة واحدة فقد نال شرفا لم نحظ به بعد‏.‏
هذه العبارة جاءت علي لسان ضابط المخابرات المصري ماهر عبدالحميد رحمه الله في ختام ملحمة بطولية رائعة كان بطلها الحقيقي الشهيد البطل عمرو طلبة الذي يحمل الرمز الكودي‏:1001‏ والاسم المستعار‏:‏ موشي زكي رافيء‏.‏الذي ربما لا يعرفه الكثيرون منا الآن‏,‏ لذا آثرت أن أروي بعضا من سيرته العطرة في ثنايا سطوري المتواضعة‏.‏
بدأ الضابط المصري عمرو طلبة عمله في عام‏1969,‏ عندما زرعته المخابرات العامة المصرية في عملية تدل علي البراعة داخل المجتمع الإسرائيلي في أعقاب نكسة يونيو حزيران‏67‏ ضمن العديد من العمليات الناجحة التي جرت في هذا الوقت للحصول علي معلومات عن الجيش والمجتمع الإسرائيلي في إطار الاستعداد لحرب أكتوبر المجيد‏.‏
سافر عمرو مودعا أهله‏(‏ والده ووالدته وخطيبته‏)‏ علي اعتبار أنه ذاهب في مهمة أو بعثة عسكرية في موسكو‏,‏ لكن واقع الحال كان أن يتجه إلي اليونان في بداية رحلة درامية طويلة تنسج خيوط هذه البطولة‏,‏ وضعتها أجهزة المخابرات المصرية في إطار متقن ومحكم‏,‏ وظل الشاب المصري الذي يمتليء صدره بهواء الحماسة ـ نحو تحقيق حلم النصر والحرية ـ يبحث عن عمل في اليونان حتي ساقه القدر نحو بحار يهودي سهل له العمل علي السفينة التي يعمل عليها ويقنعه في ذات الوقت بتقديم طلب هجرة إلي إسرائيل باعتبارها جنة اليهود في الأرض كما يرجون لها‏.‏
ومثله مثل كل يهودي تظاهر بتصديق دعاية أرض الميعاد‏,‏ وهذا بالطبع قابله الكثير من العقبات علي الرغم من سمو الهدف المزعوم‏,‏ فلقد عاني الأمرين في معسكرات المهاجرين جراء ذلك العذاب المسلط علي رقاب الذين يتوقون إلي شرف مساس تراب أرض الميعاد المزعومة‏.‏
في أحد المستشفيات يتعرف علي أحد الأطباء ولأنه يتمتع بقدر من اللباقة والوسامة‏,‏ فقد تعاطف الطبيب معه لدرجة الإقامة معه في نفس البيت‏,‏ وفور انتقال الطبيب الصديق إلي ضاحية جديدة بعيدا عن القدس انتقل عمرو إلي تل أبيب في مغامرة جديدة حيث عمل سكرتيرا بمكتبة مستغلا وسامته في السيطرة علي قلب وعقل العجوز المتصابية التي تملك المكتبة‏,‏ فتسلمه كل شيء‏,‏ إلي أن تعرف علي عضوة الكنيست سوناتا التي تقع في هوي الفتي المصري صاحب الابتسامة المشرقة‏,‏ وهنا تحدث مفارقات غير متوقعة نتاج هذه العلاقة الجديدة‏,‏ فقد تمكنت سوناتا التي خلصته من يد المخابرات الإسرائيلية من تعيينه في أحد المواقع القريبة من تل أبيب كمراجع للخطابات التي يرسلها المجندون داخل الجيش باعتباره يجيد اللغة العربية‏.‏
سرعان ما تعرف الضابط الشاب علي أحوال الجيش‏,‏ وأدرك حجم التعبئة داخل الشارع الإسرائيلي الذي جاء إليه باحثا عن الحقائق والأرقام التي تثري ملف خدماته البطولية و سرعان ما تضخم بفعل المعلومات عن المجتمع الإسرائيلي وقدرات الجيش‏,‏ وظل يتدرج في الوظائف داخل جيش العدو الأمر الذي جعله يطلع علي أدق المعلومات وهنا أدركت العقول المصرية الخلاقة ضروة وجود وسيلة اتصال سريعة‏,‏ و بدقة شديدة التعقيد والأمان تم إرسال جهاز لاسلكي إليه ليستخدمه في إيصال معلوماته إلي القيادة المصرية‏.‏
ومع اقتراب العد التنازلي لحرب أكتوبر العظيم وحاجة القيادة إلي معلومات دقيقة حول منصات الصواريخ والكتائب‏,‏ تصاعدت أحداث الدراما‏,‏ فصدرت لعمرو الأوامر بافتعال مشكلة مع عضوة الكنيست سوناتا التي دفعتها الغيرة القاتلة إلي نقله إلي منطقة مرجانة في سيناء‏,‏ لتبدأ مرحلتي الذورة والنهاية في آن واحد‏,‏ فقد قام بإرسال معلومات شديدة الأهمية والخطورة عن مواقع الرادار والصواريخ المضادة للطائرات ومخازن الزخيرة‏,‏ ومواقع الكتائب الإسرائيلية‏,‏ الأمر الذي كان له الأثر الأكبر في قلب موازين القوي لصالح قيادته وقرب نهايته‏.‏
قامت الحرب وإنهارت التحصينات التي كان يقال إنها لا تقهر‏,‏ وحدثت أكبر المفاجآت عندما انتقلت كتيبة عمرو إلي خط المواجهة ويحصل علي جهاز إرسال صوتي يمكن ضبطه علي موجة القيادة بالقاهرة ويأتي الصوت مصحوبا بطلقات المدافع وقذائف الطائرات‏,‏ لكن جهاز إرسال الصوت نفسه صم إذن عمرو عن الرجال الذين يطلبون منه تحديد مكانه فقد فضل الشهادة في ساحة المعركة مفضلا ايقاع أكبر الخسائر للعدو وبالفعل دوي انفجار هائل توقف علي إثره صوت الشهيد‏.‏ فارقت روح عمرو طلبة الطاهرة جسده المسجي علي رمل سيناء بمنطقة القنطرة في الأيام الأولي لحرب أكتوبر‏73‏ ليسطر لنا أسطورة في الفداء بالروح أغلي مايملك من أجل تراب الوطن‏,‏ لقد قال ذات يوم‏:‏ وهبت روحي وحياتي كلها مقابل تحرير تراب وطني‏..‏ وقد صدق‏.‏
إنها قصة من البطولات المصرية التي نعيدها أو ربما نحكيها لأول مرة لمن فاته شرف المعرفة في أيام أكتوبر المجيد‏,‏ كي تكون عبرة ومثل لنا جميعا‏,‏ خاصة شبابنا من جيل الفيديو كليب عسي أن يدركوا قيمة التضحية من أجل الوطن‏,‏ تحية لروح الشهيد البطل عمرو طلبة‏,‏ وتحية تقدير إلي رجال المخابرات المصرية الذين يمثلون صمام الأمان الوحيد والأخير لهذا الوطن‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا