395‏السنة 123-العدد2004اكتوبر16‏2 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

هامش
من خطاب الأزمة إلي خطاب الوحدة الوطنية‏(2/3)‏

نبيل عبدالفتاح


يمكن القول إن الخطاب البحثي ـ والأكاديمي ـ الذي أنتجه بعض الباحثين والمؤرخين المصريين ـ المسلمين والأقباط‏,‏ ظهر كجزء من الخطاب العلمي نحو دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية والرمزية للأديان في المجتمع المصري‏,‏ هذا الاتجاه يمثل نقلة موضوعية‏,‏ ويتسم بالنزاهة في التعامل مع القضايا والظواهر الدينية والسياسية الإسلامية والمسيحية‏,‏ وبروح الإنصاف‏,‏ والولاء للقيم الحداثية السياسية والدستورية والقانونية‏,‏ والأهم لتقاليد البحث العلمي الموضوعي‏.‏
إن نظرة تحليلية لوقائع‏,‏ ومواضعات‏,‏ وأسباب العنف السياسي ـ ذي الوجوه الدينية والطائفية ـ تكشف عن تحول المسكوت عنه قبطيا‏,‏ إلي حالة إفصاح داخلي أولا‏,‏ قبل أن يكون صدي للخطاب القبطي المهجري‏,‏ الذي برز خلال عقد ويزيد‏,‏ كجزء من ثورة الاتصالات والمرئيات والشبكات‏,‏ وعالم الديجتال‏,‏ وهو خطاب يتسم بنزعة راديكالية وطائفية لدي بعضهم‏,‏ بالتركيز علي بعض الوقائع التي تمثل انتهاكا لحقوق الأقباط بوصفهم الديني والمذهبي‏,‏ أكثر من كونهم مواطنين مصريين‏,‏ لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم بلا تحيز أو تمييز لأي سبب من الأسباب‏.‏ ثمة ملمح بارز في بعض الخطاب القبطي المهجري ـ وسأعود له في في مقال قادم ـ هو التركيز علي ظاهريات الوقائع الماسة ببعض المواطنين الأقباط‏,‏ دونما نفاذ إلي أسبابها وأطرافها ونتائجها أي إلي الجذور الوقائعية‏,‏ حتي يمكن الوصول إلي تقويمات موضوعية‏,‏ تتسم بعمق المعالجة والنزاهة‏,‏ الأمر الذي يرفع عنها التحيز الطائفي‏,‏ ويدخلها في نطاق الحوار حول الحالة المواطنية والسلوكيات المضادة لها وللقواعد القانونية الحديثة‏.‏
لا شك أن أكثر من ثلاثة عقود أدت إلي إنتاج خطابات عديدة حول أوضاع الأقباط‏,‏ بعضها ذو نزعة داخلية‏,‏ وأسطورية ـ تاريخيا وسياسيا ورمزيا ـ وترمي إلي التركيز علي تاريخ الاضطهاد والاستشهاد القبطي‏,‏ وعن المواطنين الأصليين ـ لاحظ التشابه والتخليط في وصف الأقباط مع الهنود الحمر‏,‏ والسكان الأصليين في أستراليا وغينيا الجديد‏..‏ إلخ‏!‏ ـ وإلي بروز إنتاج لاهوتي قديم ـ جديد سجالي حول الأديان الأخري‏,‏ يواجه بعض الخطابات الإسلامية السجالية إزاء العقائد المسيحية‏.‏ هذا النمط من الخطابات الميثولوجية حول الجذور والأصول والتمجيد الذاتي‏,‏ تلجأ إليه غالبا الجماعات الدينية والمذهبية ـ لاحظ وقارن مع المخيال الجمعي الشيعي‏,‏ والأباظي‏,‏ والخوارجي لدي بعض المسلمين في مناطق عديدة ـ في لحظات تاريخية‏,‏ كالأزمات والاحتقانات الدينية والطائفية والمذهبية والعرقية‏..‏ إلخ‏!‏ من ثم فهو خطاب ضمن خطابات أخري تمثل جزءا من مواريث وتراكمات الرأسمال الديني والمذهبي التاريخي لجماعة ما‏.‏ وتعتمد عمليات استدعاء هذا النمط من الرأسمال الديني والمهذبي التاريخي‏,‏ علي أوضاع هذه الجماعة‏,‏ أو تلك في مجتمع ودولة ما‏,‏ إذا تحسنت أوضاعها‏,‏ وتفاعلوا ضمن إطارها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي‏,‏ سرعان ما يتراجع هذا الرأسمال الديني التاريخي إلي خلفية الذاكرة والخيال الجماعي‏,‏ وتبرز عمليات الرأسمال الرمزي للاندماج القومي في حالة الدولة ـ الأمة‏.‏ الخطاب الميثولوجي التاريخي سالف السرد‏,‏ خطاب يستهلك ضمن آليات التنشئة الاجتماعية ـ المذهبية‏,‏ وهو يمثل عائقا إدراكيا إزاء التكامل الوطني‏,‏ ويماثل خطاب المساجلات العقائدية ضد المسيحيين وضد الشيعة لدي بعض غلاة الجماعات والوعاظ الإسلاميين‏,‏ كليهما يمثل حالة إعاقة لوحدة الأمة‏.‏
ثمة تنبه سياسي للخطابات المباشرة حول مشاكل وهموم الأقباط‏,‏ لأنها تبدو واضحة ولأنها تمس بعض سياسات الصفوة الحاكمة‏,‏ والصراع السياسي المباشر بين الحكم‏,‏ والمعارض الإسلامية‏.‏
من ناحية أخري‏,‏ لم تلتفت أغلب الصفوة الحاكمة‏,‏ ولا غالبية الجماعة الثقافية ـ علي اختلاف انتماءاتها الفكرية والسياسية ـ إلي خطورة توظيف الخطابات السجالية حول الأديان والمذاهب والتي تمس العقائد وإيمانات الجمهور‏,‏ في إستراتيجات وعمليات التنشئة الاجتماعية ـ الدينية‏,‏ وفي التعبئة السياسية‏,‏ وأيضا توظيفات الرأسمال الديني التاريخي في هذا الإطار‏,‏ ومن أبرز نتائج هذا النمط من الخطابات أنها أدت ولاتزال إلي بناء وعي منقسم علي ذاته‏,‏ في العلاقة مع تاريخ الجماعة الدينية المذهبية من ناحية‏,‏ والعلاقة مع المواطنين الآخرين المغايرين دينيا ومذهبيا والأخطر مع الإنتاج السياسي ـ الثقافي ـ الاجتماعي للحداثة‏,‏ كالدولة الحديثة‏,‏ والأمة المصرية‏.‏ أن غالبية الخطابات الدينية السجالية‏,‏ والتي تدور حول الرأسمال الديني ـ التاريخي ونظائرها‏,‏ تؤدي إلي انشطارات إدراكية‏,‏ وإلي بناء هويات انقسامية‏,‏ وإلي صراعات علي الهويات المختلفة أيا كانت‏.‏
أن الخطابات السابقة أدت إلي تراكمات سلبية في الوعي والإدراك‏,‏ وأسهمت في تآكل الرأسمال التاريخي للاندماج ا لقومي المصري الذي دار حول الدولة ـ الأمة الحديثة‏,‏ ومواريث الثورة المصرية الوطنية عام‏1919‏ ضد الاحتلال الأجنبي‏,‏ حيث شارك المصريون جميعا ـ مسلمين وأقباط ـ في الثورة‏,‏ وفي بناء المؤسسات الدستورية والسياسية والقانونية الحديثة‏.‏ لم تكن قيم وقواعد المواطنة منحة من أحد حاكما كان‏,‏ أم مستعمرا‏!!‏ إنما كانت جزءا من أرث وطني‏,‏ وجهد وكفاح مشترك للمصريين جميعا‏,‏ في بناء بلادهم ودولتهم الحديثة‏.‏ نشأت صفوة حديثة‏,‏ ذات تكوين وتعليم وتدريب سياسي‏,‏ وحقوقي رفيع في قلب عمليات الحداثة والتحديث القانوني والسياسي والإداري‏,‏ وكجزء من أسئلة كبري‏,‏ وإجابات‏,‏ ورويء ومشروعات حاولت إيجاد حلول لمشاكل التخلف السياسي والاجتماعي والثقافي للمصريين جميعا بلا تميز ولا تحيز‏,‏ والربط بين الاستقلال الوطني‏,‏ والتقدم وبناء الدولة والمؤسسات الحديثة‏,‏ والعلاقة مع الأمم المتدينة‏.‏
من هنا نستطيع أن نقول بلا مبالغة‏,‏ أن أرث الحركة الوطنية الدستورية المصرية المعادية للاستعمار البريطاني‏,‏ هو الذي ساعد علي استمرارية بقايا ما يطلق عليه بالوحدة الوطنية حتي اللحظة الراهنة‏,‏ وهو تعبير غامض‏,‏ وذو مورد ديني‏,‏ وأمني‏,‏ ويستخدم كجزء من مقولات قمعية تستدعي أثناء الأزمات لتبرير الرعونة السياسية للصفوة الحاكمة وعدم الحسم في معالجة المشكلات البنائية للدولة ومؤسساتها‏,‏ وبعض الظواهر الاجتماعية المضادة للقانون والاندماج القومي المصري‏.‏ أن بدايات مشكلات الاندماج القومي‏,‏ تعود إلي الأربعينيات من القرن الماضي‏,‏ إلا أنها تفاقمت لأسباب عديدة تتعلق بالصفوة الحاكمة التي جاءت بعد جمهورية يوليو ونظامها التسلطي‏,‏ واعتمدت علي شرعية جديدة‏,‏ هي الشرعية الثورية ثم الشرعية الدستورية الشعاراتية‏,‏ وفق مقولات الخبراء القانونيين السلطويين للرئيس السادات‏,‏ ومعها شرعية إنجاز السادات في حرب أكتوبر‏1973‏ والانفتاح علي الغرب والولايات المتحدة‏,‏ والتعددية السياسية الشكلية والمقيدة قانونية وسيايسا وأمنيا‏!‏
لم يكن غالب الصفوة السياسية ـ ومصادرها تجنيدها العسكرية والأمنية والتكنوقراطية ـ علي مستوي من التدريب والتكوين والثقافة والكفاءة والوعي ما يسمح بالالتفات إلي الاحتقانات الدينية والطائفية‏,‏ وعواملها البنائية‏,‏ وبما يسمح بمعالجتها في منابتها المختلفة‏.‏ ضعف مستوي الحكم‏,‏ بل سوء الحكم في مراحل عديدة ومستمرة منذ جمهورية يوليو الرئاسية التسلطية‏,‏ هو الذي فاقم من عمليات تآكل الرأسمال التاريخي للاندماج القومي في ظل الأمة المصرية‏.‏
ولا شك أيضا‏,‏ أن ثنائية الصراع السياسي حول الدين‏,‏ بين الحكم اليوليوي‏,‏ والأخوان والجماعات الإسلامية الراديكالية‏,‏ أسهمت في إنتاج مشاكل طائفية عديدة‏,‏ فضلا عن تسييس لعبة الصراع بالدين‏,‏ والأحري تأويلاته‏,‏ في السياسة بين أطراف اللعبة الاستقطابية في مصر‏.‏
إن نمط الثقافة السياسية العسكريتارية والسلطوية المركزية لدي قادة النظام منذ يوليو وإلي اللحظة الراهنة‏,‏ أدي إلي تغليب منطق التعامل مع طرف واحد داخل الأقباط المصريين‏,‏ ليسهل التعامل مع ملف معقد ـ شكلا لا مضمونا ـ وانتهي الأمر إلي استبعاد وجهاء الحياة العامة القبطية‏,‏ إلي التركيز علي المؤسة الدينية الأرثوذكسية‏,‏ والبابا شنودة الثالث‏,‏ وقد أدار هذا الملف بمهارة وذكاء مع جهاز الدولة‏.‏ ترتب علي هذا النمط في التعامل مع الملف القبطي‏,‏ آثارا سياسية سلبية عديدة نرصد بعضها فيما يلي‏:‏
أـ سيطرة الأكليروس علي الملف القبطي السياسي والاجتماعي‏,‏ الأمر الذي أدي إلي تننامي نفوذ رجال الدين‏,‏ بحيث يمكن القول إن ثمة عناصر أصولية دينية ضاغطة علي الأقباط‏,‏ وتبدو داعمة لأصولية إسلامية كما لوحظ أخيرا في تداعيات أزمة فيلم بحب السيما‏,‏ وتظاهراته التي حركها بعض غلاة رجال الأكليروس‏!‏
ب ـ تصفة دور رجال السياسة الأقباط‏,‏ والمثقفين العلمانيين ـ من هم خارج الأكليروس والكهنة ـ في السياسة والمجتمع‏,‏ وتواري بعضهم‏,‏ وضعف مكانتهم دخل المؤسسة‏,‏ وفي المجتمع عموما‏.‏
جـ ـ انحصار اختيارات الصفوة الحاكمة للأقباط في بعض أبناء العائلات من أغنياء الأقباط ذو الأصول القديمة‏,‏ أو بعض التكنوقراط الذين لم يعرف عنهم اهتمام قط بالسياسة‏.‏ أدي ذلك إلي استبعاد شبه كامل لأبناء الطبقة الوسطي من الأقباط من تولي المناصب والمواقع السياسية‏,‏ ومن الطبيعي أن يعتبر هؤلاء أن هذا الاستبعاد ذو طابع طائفي محض‏,‏ في حين أنها سياسة حمقاء ولا ديمقراطية‏,‏ وتمس المصريين جميعا المسلمين‏,‏ والأقباط معا‏!‏
د ـ بروز أقباط صناعة حكومية‏,‏ وهي مجموعة شخصيات عامة يتم استدعاؤهم كلما حدث توتر طائفي‏,‏ أو مشكلة ما ليقولوا بعض الشعارات العامة‏,‏ التي لا تجد ظلا من الصدقية لدي عموم الأقباط بالداخل أو في المهاجر‏.‏ وهي ظاهرة ناتجة عن غياب مشاركة سياسية فعالة للأقباط ـ ولا المسلمين عموما ـ في النظام السياسي‏,‏ لأن بعض هؤلاء حسن النية‏,‏ والبعض الآخر لن يجد سبيلا لعضوية المجلس النيابي‏,‏ أو حتي مجلس الشوري إلا عن هذا الطريق فقط‏!‏
بعضهم مضطر لذلك‏,‏ وآخرون يحاولون الحضور في المجال العام‏,‏ وفي المسرح السياسي والإعلامي عن طريق رفع الشعارات الحكومية حول الوحدة الوطنية‏,‏ ونقد الإصلاحات من الخارج‏,‏ دون أن يعلموا أن الصفوة الحاكمة والقادة الجدد يطبقون أجندة خاصة مفروضة عليهم من الولايات المتحدة والخارج أساسا‏!!‏
وهم محض أبواق لها في داخل ديارنا‏,‏ ويناورون بتطبيق سياسة بيع مصر ـ كما أعلن أخيرا عن بيع غالب شركات قطاع الأعمال للقطاع الخاص ـ بلا شفافية كما حدث أثناء المراحل الأولي من الخصخصة‏,‏ وتحرير سعر صرف الجنيه‏,‏ في مقابل إجراءات سياسية بسيطة وشكلية لتجميل النظام‏.‏ ثمة مأزق أخلاقي وسياسي يطال مواقف هؤلاء‏,‏ وأولئك جميعا‏,‏ ولكن بعض المثقفين المصريين الأقباط‏,‏ يربطون وبحق بين الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي الشامل‏,‏ وبين حل مشاكل الأقباط‏,‏ وبين ما للوطن والسياسة‏,‏ وما للأكليروس للأكليروس‏,‏ أي النطاق الديني والمذهبي المحض‏,‏ والسياسة والمجال العام فهو شأن المواطنيني جميعا مسلممين‏,‏ وأقباط لا شأن ولا تدخل من رجال الدين ـ مع كل الاحترام لهم ـ في شأن سياسي‏,‏ أو غيره من ممارسات تجري تحت ظلال المواطنة ودولة القانون الحديث وحقوق الإنسان‏.‏ أما الخطاب المهجري‏,‏ وظاهرة أقباط المهجر‏,‏ وبعض النشطاء فتحتاج إلي معالجة‏,‏ وتحليل موضوعي‏,‏ بعيدا عن الهجاءات والمبالغات العديدة التي تطرح كلما جاء ذكر الخطابات القبطية المهجرية‏,‏ وهذا ما سوف أعالجه في المقال القادم‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا