
|
حكايات أمريكية غريبة
جماعة بوش لن يدخلوا النار!! |
 | |
د. خالد الغمري في الفترة من1999 حتي2004 كنت في بعثة إلي الولايات المتحدة الأمريكية للحصول علي الدكتوراه في مجال تكنولوجيا اللغة, وهو مجال يحاول تصميم برامج كمبيوتر للتعامل مع اللغات البشرية بنفس السلاسة التي يتعامل بها البشر مع اللغة فهما وتحليلا. وخلال هذه الفترة رأيت وسمعت ما جعلني أعرف عن الحياة الأمريكية عن قرب ما لم أكن أعرفه, وما لم أكن لأراه في فيلم أو مسلسل أمريكي أو أي وسيلة إعلام أخري, ورأيت أن أحكيها لكم زيادة في الاستفادة. وقد طلب مني بعض أساتذتي وأصدقائي هناك ألا أذكر أسماءهم تجنبا لأي مشاكل أو سوء فهم, فاحترمت رغبتهم. الحكاية الأولي: معاداة السامية خلف الأبواب المغلقة كنت أشارك أستاذي تدريس فصل دراسي عن العلاقة بين اللغة والدين. واعتدنا بعد كل محاضرة أن نسير معا من قاعة المحاضرات إلي مكتبه, وندردش في كل شيء. وكان من الطبيعي أن تأخذنا طبيعة المادة الدراسية وخلفيتي الشرق أوسطية إلي أحاديث شيقة عن العرب والإسلام وفلسطين وإسرائيل إلي آخر العنقود الشرق أوسطي. وفي إحدي المرات تطرق بنا الحديث العفوي إلي الوضع في الشرق الأوسط والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. كان تعاطف أستاذي مع الفلسطينيين واضحا وسخطه علي الحكومة الإسرائيلية أوضح. ووصلنا إلي مكتبه. وواصلنا حديثنا. وفجأة طلب مني أستاذي أن أغلق باب مكتبه.. فأغلقته. وتحول صوته إلي ما يقرب الهمس: - أقول لك بصراحة شارون هو الشيطان بعينه يعربد في فلسطين كالثور الهائج في محل للخزف للصيني ولك أن تتخيل كم الدمار الذي يمكن أن يحدثه, ولا أعرف لماذا نغفر له نحن الأمريكيين كل هذا, لقد خسرنا بسبب تدليلنا له الكثير! كنت بالطبع سعيدا ومندهشا في الوقت نفسه بما أسمعه من أستاذي. ولكن غطي علي هذا كله فضولي لأن أعرف لماذا طلب مني أن أغلق الباب قبل أن يقول ما قاله, فهذا رأيه الحر وعلي قدرعلمي حرية التعبير حق يكفله الدستور الأمريكي! وبدلا من أن أعلق علي ما قاله مؤيدا ومستفسرا عن تفاصيل أكثر, وجدتني أسأله بصوت كله فضول وتعبيرات وجه مستغربة: لماذا طلبت مني أن أغلق الباب؟ خالد ناطقا الخاء مثل الكاف, إن لم تكن تعرف, قسم اللغويات هنا يمتلئ بالمتحمسين والمدافعين عن إسرائيل وإن سمعوا مني ذلك فسوف أوصم بمعاداة إسرائيل ـ السامية ـ وسوف ينتشر الخبر في الجامعة كالنار في الهشيم وسوف أكون وجبة لذيذة لكل المتعاطفين مع إسرائيل والمدافعين عنها ليس في الجامعة هنا فحسب, بل في الصحف المحلية, وربما في جامعات وصحف أخري. وفي أيام قليلة أجد نفسي في دوامة لا نهاية لها محاولا الدفاع عن نفسي ضد تهمة معاداة السامية. سوف يطاردونني بكل طريقة ممكنة: البريد الإليكتروني والعادي والمكالمات التليفونية والشكاوي عند رئيس الجامعة وغيره من وسائل التخويف والابتزاز والإرهاب التي يجيدونها تماما, وساعتها قل علي وقتي وأبحاثي السلام, فلن يتركوا لي من الوقت مايكفي لأتناول وجبة غداء واحدة ناهيك عن التدريس وكتابة أبحاث للنشر أو الذهاب إلي مؤتمرات, وسوابق ذلك عديدة ومخيفة... وابتلعت لساني ولم أعلق بكلمة واحدة, واستأذنته وانصرفت! الحكاية الثانية: الانتخابات الأمريكية كان اليوم يوم الانتخابات الأمريكية عام2000, وكنت مدعوا علي العشاء في منزل عائلة أمريكية صديقة. ووصلت إلي هناك حسب الميعاد, وبعد ترحيبهم بي وشكري لهم علي دعوتهم لي, دعوني أن أنضم إليهم في مطبخهم الذي يتسع للجميع. ولاحظت أن الأسرة المكونة من أب وأم وبنت وولد كلها تشارك في إعداد العشاء, وفي نقاش حار ـ قطعه مؤقتا وصولي ـ عن الانتخابات الأمريكية. فهمت من كلامهم أنهم جميعا قد أدلوا يومها بأصواتهم في الانتخابات الرئاسية. واستعاد النقاش حرارته. كان من السهل علي أن أستنتج أن الأب جمهوري الميول فهو يدافع عن تخفيض الضرائب ويدافع عن الشركات الكبيرة, ويرفض الإجهاض وكل صور الجنسية المثلية, ويلوم أولاده من آن لآخر لعدم مواظبتهم علي الذهاب إلي الكنيسة كل أحد, ويري في أمريكا المثل الذي لابد أن يحتذيه العالم كله إذا أراد الازدهار والتقدم, إلي آخره من بنود أجندة الجمهوريين. وكان واضحا أيضا من ردود أفعال ومداخلات البنت والابن أنهما يميلان إلي الحزب الديمقراطي, فهما يختلفان مع ما يقوله الأب علي طول الخط. أما الأم فكانت قليلة الكلام فكان من الصعب معرفة موقفها بسرعة. وقطعت الابنة الحديث المسترسل بسؤال للأب: ـ واضح أنك صوت لجورج بوش الابن؟! ـ لن أخبرك! واستمرت الابنة في إلحاحها ولكن الأب يرفض أن يجيبها, ورد عليها بسؤال: ـ هل أعطيت صوتك لآل جور؟ ـ لن أخبرك! كنت أسمع وأري متعجبا: ليس هناك حاجة للسؤال عن من صوت لمن, فالآراء واضحة والميول لاتحتاج إلي مزيد من الاستجلاء! وعندما لاحظ الأب تعجبي من النقاش الدائر, التفت إلي وكأنه مقدم علي اعتراف خطير: ـ هل تعرف أنني علي مدي الثلاثين عاما الماضية هي عمر زواجنا لم أسأل زوجتي ولا مرة لمن صوتت في الانتخابات الرئاسية. وقاطعت الزوجة مبتسمة: ـ ولا أنا سألتك! وابتسمنا, واستأنف الأب كلامه: ـ لقد اتفقت أنا وزوجتي علي أن يكون ذلك تقليدا أسريا: ألا يسأل أحد الآخر لمن أعطي صوته, وعندما كبر الأولاد عودناهم علي ذلك. وهناك كثير من الأسر الأمريكية تفعل ذلك. فالنقاش أسهل بهذه الطريقة لأنه نقاش أفكار وليس مسميات.. ولعلمكم أنا أعطيت صوتي هذه المرة لآل جور مع أنني جمهوري, لكن بوش الابن لايعجبني!! وحذا حذوه الجميع, وفي ثوان قليلة تدافعت الاعترافات: الأم: ـ رالف نادر البنت: ـ بوش الابن: ـ آل جور وضحكنا بصوت عال, وتشعب الحديث إلي أمور أخري كثيرة ومختلفة.. واقتربت الساعة من الحادية عشرة مساء.. فشكرتهم علي حسن الضيافة والوقت الممتع..وتصبحو علي خير!! الحكاية الثالثة: خبراء الإسلام في أمريكا بعد أحداث سبتمبر كانت برامج التليفزيون الأمريكي مفتوحة علي مصراعيها لكل من يريد سب العرب والمسلمين سبا علنيا لا مواربة فيه. كان الأمر مستفزا إلي أبعد درجة يمكن تصورها لسببين. الأول هو أن هذه البرامج كلها مغالطات واقتباسات منقوصة وتطاول علي القرآن والرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ وعلي كل ما يرمز للإسلام والمسلمين من قريب أو بعيد. والسبب الثاني هو أنه في وسط كل هذا الشحن الإعلامي ضد الإسلام والمسلمين, كان من الصعب علي عربي مسلم مغترب أن يجد آذانا صاغية لصوت العقل والحقيقة. وذات مرة كنت أتابع حوارا علي محطة الـ سي.إن.إن مع ضيف اسمه' ألان كاروبا' قدمه المحاور علي أنه' خبير في الإسلام', ولم أكن مندهشا مما يقوله' الخبير' عن الإسلام والمسلمين حتي علت نبرة السخرية والاستهزاء في صوته: - الإسلام دين عنف, حتي عندما عاد محمد عليه الصلاة والسلام إلي مكة فاتحا منتصرا صرخ في أهلها إما أن تدخلوا الإسلام أو تقتلوا؟!! ولسبب ما استوقفني هذا الجزء من حديث الافتراء المستمر. فرحت أتجول في المواقع الخاصة بهذا الكاتب ـ الخبير في الإسلام ـ علي الإنترنت باحثا عن افتراءت أخري. وهذه هي المواقع لمن أراد http://www.caruba.com http://www.anxietycenter.com وأخذت أقرأ بعضا من كتاباته المنشورة في هذه المواقع عن العرب والمسلمين حتي استوقفتي عبارة له لاتخلو من سخرية, لكن خطؤها واضح ويمكن الرد عليها: ـ أنا لا أعرف لماذا يدعي العرب والمسلمون الحق في القدس, مع أن القرآن لم يشر إليها من قريب أو من بعيد! فأرسلت له بريدا إلكترونيا هذا نصه: ' السيد آلان كروبا: أود أن الفت نظركم إلي أن الادعاء بأن القرآن لم يشر إلي القدس من قريب أو بعيد هو ادعاء عار من الصحة وما عليك إلا أن تقرأ القرآن الكريم لتجد إشارة واضحة. ويسعدني أن أرسل لكم بنسخة هدية من القرآن مترجما باللغة الإنجليزية.' وجاء رده في اليوم التالي, وكان نصه كما يلي: 'السيد خالد: أريد أن أشكرك أولا علي ملاحظتك القيمة. لدي بالفعل نسخة إنجليزية من القرآن ويسعدني لو تفضلت بالإشارة إلي رقم السورة والآية وسوف ألقي نظرة عليها في القريب العاجل لأصحح الخطأ إذا ثبت, فأنا لم أقرأ القرآن من فترة طويلة, وأنا كنت معتمدا في هذا الأمر علي مصادر أخري عن القدس.' وتعجبت:' خبير في الإسلام' هذه ثقافته وتفتح له الـ سي.إن.إن أبوابها؟! وترددت في أن أضيع وقتي وأرسل له المعلومة التي طلبها.. لكن في النهاية أرسلت له رقم السورة(17) ورقم الآية1).) وشكرني علي المعلومة ولم أسمع منه أو عنه من يومها. وتذكرت مقولة حكيمة قرأتها ذات مرة: الخبير هو من يأخذ ساعتك ليخبرك بالوقت. ويبدو أن خبيرنا لم يراع فرق التوقيت بين أمريكا والشرق الأوسط. الحكاية الرابعة: المسيحيون الجدد ومن وقتها توقفت تماما عن مشاهدة التليفزيون الأمريكي, واتجهت إلي برامج الإذاعة ربما تقدم شيئا يمكن سماعه. وتجولت بين المحطات الإذاعية لبعض الوقت حتي استقر اختياري علي برنامج اسمه'FromCoasttoCoast من الشاطيء إلي الشاطيء' يبث علي موجة الـFM من إحدي المحطات في كاليفورنيا. كان البرنامج يستضيف في كل حلقة ضيفا له باع طويل في أحد المجالات ولديه مايقوله للمستمعين. وتنوعت الحلقات بين الحديث بأسلوب مبسط في الفيزياء والرياضيات والجان والسحر والآثار والدين والسياسة والاقتصاد. وكان البرنامج بصراحة مصدرا مثاليا لمعلومات شيقة ومفيدة في هذه المجالات. واستوقفتني حلقة كان الضيف فيها رجل دين يحب أن يعرف نفسه بأنه من المسيحيين الجدد(BornAgainChristians). وبدأ الضيف يتكلم عن تجربته في العودة إلي المسيح بعد موت ابنه الوحيد في حادث سيارة, وكيف أنه ـ الضيف ـ ولد من جديد ورأي نورالإيمان بعد ظلمة طويله وكيف أنه لن يدخل الجنة إلا من ولد من جديد. وقاطعته المحاورة: - تعني أنك سوف تدخل الجنة؟! - طبعا, فلقد ولدت من جديد, ولن يدخل الجنة إلا المسيحيون الذين ولدوا من جديد, فهذا ماقاله المسيح. - وماذا عن اليهود والمسلمين؟ - سوف يدخلون الجنة.. ولكن بعد أن أقنعهم بأن يولدوا من جديد وأن يدخلوا في المسيحية!! - تعني أن اليهود والمسلمين لن يدخلوا الجنة طالما بقوا علي دينهم؟ - كلامي واضح, لن يدخلوا الجنة إلا إذا تحولوا إلي المسيحية, هذه هي الطريقة الوحيدة للخلاص. - ألا تري أن ذلك سوف يغضب الكثيرين؟ - هل تريدينني أن أرضي الآخرين من غير المؤمنين علي حساب إيماني. المسيح قالها واضحة لا لبس فيها: لن يدخل مملكة الرب إلا من ولد من جديد. وانتهت الحلقة, وبقي محفورا في ذهني ما قاله الضيف, ورحت أقرأ عن هذه الطائفة وعرفت أنها تتركز بكثافة في الجنوب الأمريكي, وعرفت أيضا أن بوش الابن, ورامسفيلد, وآشكروفت من الأتباع المتحمسين لهذه الطائفة المسيحية!! وساعتها بدأت أفهم أمورا أخري كثيرة, ولكن بقي في ذهني سؤال طفولي: هل سيدخل بوش الجنة؟!!*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|