
|
ما بين الخوف والأمل يتأرجح الحلم
إلغاء عقوبة الزنا يفتح أبواب أوروبا للأتراك |
رسالة أنقرة ـ عبد الحليم غزالي عندما أقدم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان علي خوض مواجهة مع الاتحاد الأوروبي حول بند تجريم الزنا في مشرع قانون العقوبات الجديد, تحدث الكثير من المحللين السياسيين الأتراك عما اعتبروه تفتتا وسوء تصرف من أردوغان, لكن المتأمل للطريقة التي انتهت بها المواجهة يستطيع أن يدرك أن الرجل كان يمارس لعبة في إطار حرب الأعصاب مع الاتحاد الأوروبي مع اقتراب موعد السادس من أكتوبر الذي ستصدر فيه المفوضية الأوروبية تقريرها النهائي بشأن الإصلاحات في تركيا والذي سيحدد ما إذا كانت تستحق أن تنال موعدا لبدء مفاوضات انضمامها إلي الاتحاد خلال قمة دول الاتحاد التي ستنعقد في بروكسل في شهر ديسمبر المقبل. نجح أرودغان في نيل تعهد من الاتحاد ممثلا في رئيس المفوضية رومان برودي ومعه جونتر فيرهوجن مسئول توسيع الاتحاد بأنه لن تكون هناك شروط أخري تعوق منح تركيا الموعد الذي تريده بلا تأخير, ويبدو أن أردوغان خاض لعبة شد حبل مع الاتحاد وعندما أصر علي ضرورة تجريم الزنا في قانون العقوبات الجديد الذي يبدو متحفزا سيتشدد في مواقفه ومن يقبل بغير إلغاء البند بديلا, وبالفعل هذا ما حدث حيث أعلن فيرهوجن بوضوح أن تركيا لن تنال موعدا إلا بهذا الإلغاء. وذهب أردوغان إلي بروكسل يحمل في يده ورقة بند تجريم الزنا وألقاها علي المائدة وقبل التخلي عنها مقابل إنهاء شبح الشروط الجديدة وقد كان له ما أراد, واعترف فيرهوجن بأنه ليست هناك عقبة أمام منح تركيا موعدا لبدء مفاوضات الانضمام, وهذا هو الانتصار الحقيقي لأردوغان, خاصة أن أزمة مشروع قانون العقوبات جاءت وسط موجة شكوك متبادلة علي الجانبين وبدت تركيا في حرب الخوف والأمل, الخوف من ضياع الحلم الأوروبي والأمل في تحقيقه, خاصة بعد زيارة فيرهوجن لها حيث خلف وراءه إشارات متناقضة وتزامنت زيارته مع مواقف أوروبية سلبية مثيرة للجدل. فلقد جاء فيرهوجن إلي تركيا متلبسا شخصية المفتش العام الذي يريد أن يري كل شيء بنفسه فلم يكتف بزيارة أنقرة وإنما أصر علي التجول في جنوب شرق تركيا حيث تعيش الأقلية الكردية الكبيرة وفي ديار بكر كبري المدن هناك نزل فيرهوجن إلي الشوارع وتحدث إلي الناس وتذوق الطعام الكردي, وعقد اجتماعات مع قيادات المجتمع المدني واستمع إلي شكاواهم بشأن الإصلاحات التي أجرتها الحكومة التركية لمنح الأكراد حقوقهم الثقافية وكيف أنهم يرون أنه علي الورق حدثت تطورات كبيرة إيجابية شملت السماح للأكراد بالتعلم بلغتهم والبث الإذاعي والتليفزيوني بها ولكن في الواقع فإن التقدم الذي طرأ محدود للغاية, ومن هنا أطلق فيرهوجن تصريحه الملفت للنظر من ديار بكر:من الضروري أن تمنح تركيا الأكراد مزيدا من الحقوق الثقافية. وتوغل فيرهوجن أكثر في حقل الألغام الكردي بزيارة قرية توزلا القريبة من مدينة ديار بكر التي هجرها الكثير من أهلها أثناء اشتعال الحرب بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني المستمرة ومثل هذه القرية مئات أخري, فحث تركيا علي ضرورة العمل علي الإسراع بإعادة المهجرين الأكراد إلي منازلهم, خاصة أن منظمات حقوق الإنسان تقول إن السلطات لا تسمح بعودة أي كردي إلي بيته المهجور في هذه القري إلا بعد أن يوقع علي شهادة يتهم فيها حزب العمال الكردستاني بأنه المسئول عن تهجيره وتدمير بعض منازل القرية. وحزب العمال الكردستاني نفسه استغل زيارة فيرهوجن إلي ديار بكر في القيام بعملية عسكرية ضد الجيش وكأنه يبعث برسالة يقول فيها أنا موجود والمشكلة الكردية لم تحل والصراع العسكري لايزال قائما خاصة أنه صعد هجماته وعملياته في الأسابيع الأخيرة بعد أن أعلن إنهاء الهدنة التي كان قد أعلنها من جانب واحد قبل خمس سنوات إثر اعتقال زعيمه عبد الله أوجلان الذي صدر ضده حكم بالإعدام خفف إلي المؤبد نتيجة الإصلاحات المطلوبة أوروبيا والتي شملت إلغاء عقوبة الإعدام. وذهب فيرهوجن إلي مدينة أزمير النشطة اقتصاديا في غرب البلاد وهناك تحدث بلهجة سلبية مختلفة عما قاله لدي وصوله إلي أنقرة حيث أجري محادثات مع رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته عبد الله جول وكانت مانشيتات الصحف كلماته:جاءت ساعة الحقيقة بالنسبة لتركيا وقرأ الجميع هذا المعني بشكل إيجابي حيث أردفه بقوله بأن تقويم الإصلاحات التي أجرتها تركيا سيتم بشكل عادل ونزيه وأمين. ومشكلة تركيا أنها لا تري أن تعامل الاتحاد الأوروبي معها يتم وفقا لهذه المعاني إنما هي تخضع لمعايير مزدوجة وتواجه مواقف معلنة مختلفة عما يقال في الغرف المغلقة وهذا ما قاله رومان برودي رئيس المفوضية الأوروبية السابق بوضوح عندما اتهم الدول الأوروبية بالنفاق في التعامل مع تركيا وأن بعضها لا يريد لها أن تكون عضوا في الاتحاد أبدا في حين يدعي عكس ذلك! وهذا ما أقلق الأتراك من تصريحات فيرهوجن في أزمير حيث تحدث عن أوجه قصور في الإصلاحات وتدخل في قضية مثيرة للجدل والانقسام في البلاد هي تجريم الزنا في مشروع قانون العقوبات الجديد الذي يصر عليه حزب العدالة والتنمية الحاكم ذي الجذور الإسلامية ويرفضه حزب الشعب الجمهوري المعارض ذي التمثيل البرلماني الواسع والمنظمات النسائية وجمعيات حقوق الإنسان بحجة أنه يمثل توجها رجعيا ويفتح الباب أمام مزيد من الاضطهاد للمرأة, علي الرغم من أن النص الذي اقترحه الحزب الحاكم يقضي بمعاقبة الرجل أو المرأة في حالة ارتكاب أي منهما لجريمة الزنا وهما متزوجان, أي لا عقوبة لغير المتزوجين وهناك مساواة في العقوبة بين الجنسين وقد اعتبر أردوغان أن هذا النص يخدم النساء ويعاقب الرجال الخائنين وأنه تعبير عن خصوصية ثقافة تركيا وأخلاقها ورفضه غير مبرر. وبالطبع وقف فيرهوجن إلي جانب معارضي تجريم الزنا بدعوي أنه لا توجد قوانين مماثلة في دول الاتحاد الأوروبي وأنه قد يمثل عقبة أمام منح تركيا موعدا لبدء مفاوضات الانضمام له, مع أن الحزب الحاكم خضع لبعض ضغوط المعارضة ومنظمات المجتمع المدني وأدخل تعديلا علي المشروع ينص علي أن العقاب الذي يصل إلي ثلاثة أعوام سجنا لا يكون إلا بعد أن يقدم أحد الزوجين شكوي ضد الآخر وأن المتضرر فقط هو صاحب الدعوي بمعني أنه لا يجوز لجار مثلا أن يتهم جارته بالزنا باعتباره غير ذي صفة ولا حتي من حق الدولة ذاتها رفع قضية علي الزاني أو الزانية! وقد لمس فيرهوجن وترا حساسا بتدخله في هذه القضية التي أعطت البعض مؤشرا علي أن الاتحاد الأوروبي ربما يعمل علي تذويب خصوصية تركيا استغلالا لرغبتها في الانضمام إليه. غير أن فيرهوجن بعد أن غادر تركيا أطلق تصريحا مناقضا لما قاله خلال وجوده في أزمير حيث أعلن بصراحة ووضوح أن عدم منح تركيا موعدا لبدء مفاوضات انضمامها إلي الاتحاد الذي سبق أن قال إنها ستستغرق10 سنوات علي الأقل, سيقود إلي كارثة وقد يؤدي إلي خروج قطار الإصلاحات عن قضبانه, وهو أمر أثار ارتياحا في تركيا لكنه لم يغلق باب الهواجس والشكوك والجدل. فقد ألقي فرانز فيشر مفوض الاتحاد الأوروبي لشئون الزراعة قنبلة من العيار الثقيل علي حلم تركيا الأوروبي بإعلانه رفضه القاطع لأن تصبح عضوا في الاتحاد وأبدي دهشته لأنه لا أحد يجرؤ علي القول بأن مثل هذه العضوية ستلحق ضررا كبيرا بدوله, قائلا إن تركيا من الناحية الثقافية دولة شرقية وجغرافيا آسيوية ومن الناحية الجيوإستراتيجية أشبه بصندوق الشرور في الميثولوجيا الإغريقية, بل تحدث فيشر وهو نمساوي بلهجة عنصرية بقوله إن ضم تركيا إلي الاتحاد الأوروبي يعني أن صمود فينيا أمام الإمبراطورية العثمانية في القرن الخامس عشر الميلادي قد ذهب هباء! والأخطر من استدعاء التاريخ والأساطير ما قاله فيشر عن أن انضمام تركيا إلي الاتحاد الأوروبي سيكلف الاتحاد حوالي14 مليار دولار سنويا في صورة مساعدات ودعم لقطاع الزراعة الذي يحتاج إلي إصلاحات جوهرية وهذا نوع من التخويف العملي للأوروبيين من عضوية تركيا. لقد انتهت أزمة مشروع قانون العقوبات الذي أقره البرلمان يوم الأحد قبل الماضي بعد إسقاط بند تجريم الزنا وقبلها طويت زيارة فيرهوجن لكن تبقي حرب الأعصاب والمأزق الذي يواجهه الطرفان في علاقة تشبه الزواج غير المرغوب فيه علي الأقل من أطراف أوروبية كثيرة وإن كان هناك من يري أن لأوروبا مصلحة حقيقية في هذا الزواج لأن تركيا متماسة ومتداخلة مع القارة, ويبقي أن إعطاء موعد لبدء المفاوضات بين الطرفين ليس إلا أول بوابة أمل للحلم التركي لأن هذه المفاوضات ستدوم عشر سنوات علي الأقل ولابد لكل الدول الأعضاء في الاتحاد أن تقبل عضوية تركيا ولا أحد يدري ماذا سيجري في هذه السنوات ويبقي الحلم يصارعه الخوف!*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|