395‏السنة 123-العدد2004اكتوبر16‏2 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الرجل نصف المجتمع

فاطمة يوسف العلي


ساد عرف في المجتمع الحديث يقول بأن المرأة نصف المجتمع‏..‏
وساد هذا العرف أو هذه القاعدة أو هذه المقولة وانتشرت في كل الأدبيات والمحافل النسوية أوتلك التي تتصل بالمرأة وتساق لتأكيد حقوق المرأة أو شمولها بالمساواة مع الرجل‏.‏ بمعني أنها مقولة لـ صالح المرأة ولكنني ومن باب البوح المسموع أو من باب كشف مخابيء الذات الصامتة سرحت كثيرا في هذه المقولة ورحت بصمت أحللها حتي جاء وقت البوح‏..‏ وهذا هو وقت البوح وهذه الورقة هي مكان البوح المسموع والمسموح أيضا‏.‏
لماذا لم يقل‏..‏ إن الرجل نصف المجتمع هل لأن الرجل مسلمة من مسلمات الحياة والمجتمعات والمرأة عكس ذلك؟‏!‏ وإلا لماذا خصت المرأة بتلك القسمة النصفية؟‏!‏
ثم‏..‏ما هو المقصود بكون المرأة نصف المجتمع؟ هل هو تقرير مادي يعني بالعدد فقط؟ وبالقسمة العددية لا غير؟‏!‏
بالتأكيد ليس هذا هو المقصود‏,‏ وليس العدد هو المقصود‏,‏ وليست القسمة العديدة هي المقصودة‏,‏ لأنه ليس من مجتمع من المجتمعات علي وجه البسيطة يتساوي فيه عدد النساء بالرجال‏,‏ ولا العكس أيضا‏,‏ ولكن الأغلب والأعم أن النسب العددية بين النساء والرجال في المجتمعات كلها تكاد تكون متقاربة لا متساوية‏,‏ وإن كانت النسبة العددية في أكثر المجتمعات هي لصالح المرأة‏,‏ لكون الرجل أكثر عرضة للموت بسبب مشاركاته في المهن الشاقة والحروب والمناجم والمهن الخطيرة التي تعرض ممتهنها للموت‏.‏
إذن هل المقصود بمقولة المرأة نصف المجتمع هو بالمشاركة المتساوية في الإنجاز؟ أم أنها لمجرد تطييب خاطر المرأة لتبلع هذا الطعم وتفرح به كونها تساوت مع الرجل؟‏!‏
‏في اعتقادي أن الاحتمال الأخير هو الحقيقي أي أن المقصود بالمقولة رفع معنويات المرأة وتطييب خاطرها ليس إلا‏!!‏
تلك مقدمة طالت قليلا وغلبت عليها الفلسفة نوعا ما‏,‏ ولكنني وجدتها ضرورية لا من باب مزاحمة الرجل والتنغيص عليه ومنكافته‏,‏ بل من باب طرق الأبواب المغلقة للولوج إلي مناطق يعشش فوقها النسيان حتي نسيها الزمن أو أقام علي بابها شعار ممنوع التفكير أو ممنوع الاقتراب‏!!‏ ولأدخل من ذلك كله إلي لب الموضوع‏,‏ وهو المتصل بما أنجزته المرأة الكويتية قديما وحديثا‏,‏ أو ماضيا وحاضرا‏.‏
في قديم المجتمع الكويتي الذي كان يميل إلي البساطة ويركن إلي الهدوء وتغشاه السكينة والبطء في حركته اليومية والقدرة علي التقاط الرزق‏,‏ فضلا عن خلو هذا المجتمع الهاديء الوادع الساكن من مصادر الرزق‏,‏ ضرب الرجال عرض البحر غوصا وأسفارا بحثا عن الرزق البعيد والذي قد يجيء أو لا يجيء‏,‏ وقد تصيب رحلة الارتزاق أو تخيب‏!!‏ في ذلك المجتمع القديم الذي يكاد يخلو من الرجال كانت المرأة الكويتية هي أشبه ما تكون بعامود الخيمة‏,‏ وهي عماد المجتمع في خلوه من الشريك أو الابن أو الأخ أو الأب‏,‏ فكانت هي التي تدير شئون البيت الصغير لتدير بذلك شئون البيت الكبير ـ المجتمع ـ والمرأة الكويتية آنذاك كانت امرأة منتجة ولم تكن خاملة أو كسولا تنسج الليل بخيوط النهار‏,‏ بل كانت امرأة عاملة تحلب وتخبز وتحيك وتبيع وتوفر الموارد الاقتصادية للبيئة وتساهم في تحريك عجلة المجتمع الاقتصادية‏.‏ وكان من مظاهر ذلك الوقت الذي يدعم نظريتي هذه‏,‏ هو ما يسمي بـ سوق واجب والذي تقتصر حركة البيع فيه علي النساء‏,‏ ومازال هذا السوق قائما في الكويت حتي يومنا هذا وإن كان قد لحقه شيء كبير من التحديث والتمدين‏.‏
إذن فإن المرأة الكويتية القديمة وحسب ما تقدم هي امرأة عاملة فاعلة منتجة لم تضع يدها علي خد الزمن صبرا أو انتظارا للرجل الضارب عرض البحر بعيدا التقاطا للرزق‏,‏ فكم كانت تلك المرأة في ذلك المجتمع؟‏!!‏ هل كانت نصفه؟ أم أكثر؟ أم أقل؟‏!‏
‏والمرأة الكويتية واكبت حركة المجتمع الكويتي حينما ابتدأت عجلة التنمية بالدوران بفعل العامل النفطي‏,‏ فكانت المدرسة القبلية للبنات وهي أول مدرسة نظامية لتعليم البنات في الكويت اللبنة الأولي في الصرح الكبير الذي سنراه لاحقا شامخا‏.‏ وما إن أعلنت المدرسة فتح أبوابها حتي تهافتت عليها فتيات الكويت شغفا بالتعليم الذي سيحملهن رسالة بناء المجتمع‏.‏
انعكست حركة التعليم في الكويت علي الجنسين الذكور والإناث‏,‏ فشهد المجتمع الكويتي البعثات التعليمية الجامعية إلي أغلب مطارح الأرض وجهاتها‏,‏ تضم الفتيات والشبان دونما تمييزجنسي‏,‏ وابتدأت تلك البعثات تطرح ثمارها علي شكل عقول ناضجة مثقفة‏,‏ وكان للمرأة نصيب كبير في ذلك الطرح الناضج‏,‏ ومن ثم في الانخراط في خدمة المجتمع في مختلف القطاعات المهنية فكانت المدرسات والطبيبات والمهندسات والخبيرات في القطاعات جميعا حتي تولت المرأة الكويتية مقاليد وظائف دولية كبيرة سواء في اليونسكو أم في منظمة الزراعة والأغذية الدولية الفاو أم غير ذلك‏!!‏ كما أنها علي مستوي الكويت تقلدت وظيفة سفيرة وعملت كذلك مندوبا دائما للكويت في هيئة الأمم المتحدة ووكيلة تقود التعليم العالي نحو العالمي‏.‏
ولا ننسي دور المرأة الكويتية أو أدوارها في معظم ـ إن لم نقل كل القطاعات المهنية سواء في الفن أم في الأدب أم المسرح أم الموسيقي وكذلك في الرياضة الدولية وفيما أقيم من مسابقات أحرزت فيها المرأة الكويتية أبرز المراكز وحصدت أكبر الجوائز‏.‏
والمرأة الكويتية كانت لها مساهماتها المبكرة في إنشاء صحافة نسائية كويتية حيث أصدرت السيدة غنيمة المرزوق مجلة أسرتي في بواكير عهد الاستقلال‏,‏ لتؤكد أن المرأة حاضرة في كل القطاعات حتي أصعبها‏.‏
وكذلك نتذكر مساهمات المرحومة هداية سلطان السالم في إنشاء مؤسسة صحفية كبيرة بقيت حتي بعد فناء الجسد الباني وارتحال الروح وترأست بيبي المرزوق تحرير جريدة يومية وبادرت المرأة الكويتية مبكرا لرفد حركة المسرح الكويتي حيث كسرت الفنانتان مريم الصالح والمرحومة مريم الغضبان طوق التقاليد لتدلفا إلي عالم المسرح مؤكدتين بتلك الخطوة الناجحة ديناميكية المرأة الكويتية وحيويتها ونزوعها إلي بناء مجتمعها في قطاعاته جميعا‏.‏
ذلك ليس جردا أو حتي رصدا لوجود المرأة الكويتية في خارطة المجتمع الكويتي ولكنها كلمة أملتها المناسبة‏,‏ إحقاقا لحق المرأة الكويتية لا تنازع الرجل دوره أو إسهامه في بناء الكويت‏,‏ ولكن للتأكيد علي أن المجتمعات لا تقوم بعنصر بشري واحد وليس من مجتمع قام بعنصر دون الآخر‏.‏
هنا أعود لتساؤلي هل مقولة المرأة نصف المجتمع منصفة؟‏!‏ أم هي مسلمة من المسلمات لا تحتاج إلي نقاش؟‏!‏
هل يرضي الرجل أن نبتدع مقولة الرجل نصف المجتمع‏..‏
كاتبة وأديبة كويتية