395‏السنة 123-العدد2004اكتوبر16‏2 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

أول الكلام
بيت الحكمة‏..‏ وجريمة طابا

أسامة سرايا


العملية المروعة التي أصابت ثلاث مناطق سياحية في جنوب سيناء‏,‏ وفي مقدمتها فندق طابا الشهير مساء‏7‏ أكتوبر‏,‏ لم تكن عملية إرهابية عادية‏,‏ ولم تستهدف أفرادا أو جنسيات بعينهم‏,‏ ولكنها كانت سياسية وإرهابية ونوعية معا‏.‏
فقد خططت بدقة وإحكام لكي تعيد التأكيد علي أن التطرف بأشكاله المختلفة‏,‏ يقف ضد السياسات المصرية الحكيمة‏,‏ خاصة عندما تتحرك هذه السياسة بفاعلية‏,‏ وتصبح لها نتائج مؤثرة‏.‏
ويجب أن نلاحظ أنها عمليات متكررة‏,‏ وتجيء دائما لإحباط أي نجاحات تقوم بها مصر‏,‏ ولكي نمسك الخيط من بدايته فالعملية رغم أنها أصابت إسرائيليين أو سائحين لهذه المنطقة الخلابة‏,‏ فإن المستهدف هنا ليس سائحا بعينه‏,‏ ولكن المستهدف هو سياسة اقتصادية‏,‏ من جانبها السياحي‏.‏
بعد أن استطاعت مصر القيام بعمل مكثف تلافت به الآثار السلبية الحادة التي ضربت السياحة و حركة الاستثمار في جنوب وشمال سيناء‏,‏ وأصابت المنشآت فيها بالركود‏,‏ في سنوات الانتفاضة الفلسطينية الأربع‏,‏ فتوقف العمل وأفلست الشركات وتم طرد العاملين‏,‏ ولكن بعد هذا الإنجاز يجيء هذا الحادث ـ وقبل بداية الموسم الشتوي الذي شهد إقبالا من السائحين ـ لإجهاض هذا العمل المنظم والمحكم‏,‏ هذا من ناحية الأثر المباشر‏.‏
لكن من ناحية العمق‏,‏ فإن المتطرفين علي الجانبين قد ساءهم أن تصبح مصر مقصدا للجميع‏,‏ وبيت الحكمة‏,‏ ومنها تصدر السياسة السليمة للقضية الخطيرة‏,‏ ليس لمستقبل الشرق الأوسط وحده‏,‏ إنما للعالم كله‏,‏ وأقصد الصراع العربي ـ الإسرائيلي‏.‏
فإذا نظرنا للقاهرة سنجدها أصبحت تحتضن الرأي العام الفلسطيني‏,‏ كما صارت مركز ثقل ومحط اهتمام من الرأي العام الإسرائيلي‏,‏ وهما الورقتان المتحكمتان في مستقبل السلام الإقليمي‏,‏ فالحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني لا يمضي في مسيرته إلا إذا أدارته مصر‏.‏
فالسياسة المصرية تخلت عن الأسلوب التقليدي الذي كان يقوم في السابق علي دعم الفلسطينيين عبر سلطتهم الرسمية فقط‏,‏ وأصبحت تقدم رعاية شاملة للقضية الفلسطينية‏,‏ فعندما تخطيء السلطة ورئيسها‏,‏ وتبتعد عن جادة الصواب‏,‏ تقول القاهرة رأيها بصراحة‏,‏ ولا تقف عند ذلك‏,‏ وحده‏,‏ بل تقوم بالمساعدة في تصحيح المسار‏,‏ وتحديث المؤسسات الفلسطينية‏,‏ والتي علي أكتافها سوف تقوم دولة بلا فوضي أو تحت سيطرة المتطرفين‏.‏
وصارت مصر تخاطب كل المنظمات بلغة واحدة‏,‏ وتريد أن تصل إلي القاسم المشترك بينهم‏,‏ لتمنع الصراع فيما بينهم عبر حوار خلاق‏,‏ يوحد شعبا يعيش في ظل أزمة وكارثة وعدوان بغيض‏,‏ استهدف كيانه وأراد رسم صورة غير حقيقية عن منظماته‏,‏ مستغلا أحداث‏11‏ سبتمبر‏2001,‏ خالطا بأسلوب متعمد ومجحف بين الإرهاب وبين المقاومة المشروعة للاحتلال‏.‏
لكن السياسة المصرية نجحت‏,‏ بشق الأنفس‏,‏ في إبراز الحقيقة الغائبة وإبعاد الصورة المغلوطة التي سادت في الذهن العالمي لمجرد أن بعض المقاومين يستفيد من الطاقة الحيوية للإسلام‏.‏
وأصبح الآن الأوروبيون وكثير من الأمريكيين يدركون هذه الحقيقة‏,‏ حتي الرأي العام الإسرائيلي نفسه بدأ يعيد فهم أبعاد القضية بالكامل‏,‏ مطالبا بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة‏.‏
وسوف يحسب‏,‏ في التاريخ الحديث‏,‏ أن المصريين في ظل حكمة وقيادة رئيسهم حسني مبارك‏,‏ حافظوا علي القضية الفلسطينية في زمن صعب‏,‏ واستمروا في شرح أهمية حصول الفلسطينيين علي حقوقهم ودولتهم للمجتمع الدولي وقواه الفاعلة‏,‏ وتأثير هذا الحل علي تجفيف منابع الإرهاب‏,‏ وتصحيح أوضاع منطقة الشرق الأوسط المقلوبة‏.‏
وهذا النجاح الذي حققته السياسة المصرية لايزال غائبا بسبب المروجين‏,‏ الذين يتخذون من الدعاية أسلوبا‏,‏ وهو أسلوب لا يجدي في هذا الزمن الذي تغيرت فيه القوانين الحاكمة للسياسة الإقليمية والعالمية‏,‏ وسوف تكتب قصة هذا الدور المصري في حل القضية الفلسطينية بعد سنوات‏,‏ لأنه يتم في أوقات بالغة الصعوبة عبر عملية متراكمة ودقيقة‏,‏ تعرفها العقول الراجحة والمتابعة‏,‏ دون غوغائية‏,‏ وسوف تصب‏,‏ في النهاية‏,‏ في صالح تقرير مصير الشعب الفلسطيني‏,‏ ورد حقوقه المشروعة وتعويضه عن سنوات الطرد والتشريد‏,‏ بحصوله علي اعتراف بالدولة والحقوق من المجتمع الدولي خاصة من أمريكا وإسرائيل معا‏.‏
لكن عندما تقترب مصر من النجاح تترصد قوي التطرف بالغوغائية‏,‏ أو بالفعل الإرهابي المباشر‏,‏ حتي يتوقف الدور الحيوي للمصير العربي ككل‏.‏
وعملية طابا القذرة هي جزء من هذا المسلسل المخيف للتطرف والإرهاب‏,‏ الذي يترصد مصر وحركتها بشقيها السياسي والاقتصادي‏,‏ ولعل الدرس الذي يجب أن ندركه هو أنه من الضروري ألا تتوقف السياسة المصرية بفعل هذه القوي الضارة‏.‏
فعمليات البناء الداخلي والتغيير الاقتصادي والانفتاح جميعا‏,‏ يجب ألا تتوقف لأن ذلك يبني القوة الداخلية‏,‏ ويحصن الوطن بنمو اقتصاده وطبقته الوسطي‏,‏ المؤهلة للوقوف ضدالتطرف‏,‏ والتي تدفع نحو استمرار النمو والتحديث بأسلوب التغيير المصري المبتكر المتدرج والعلمي‏.‏
أما السياسة الخارجية والقائمة علي فتح أبواب التعايش الإقليمي‏,‏ وإقامة السلام في المنطقةجميعا‏,‏ فهي الأداة السحرية التي تجعل للرأي المصري مكانة في مخاطبة الرأي العام عالميا وإقليميا‏,‏ وتكسبه القوة والمناعة اللتين تجعلانه قادرا علي كشف المتطرفين في كل مكان‏,‏ ومنهم جماعات المحافظين الجدد في أمريكا التي توسع من نطاق الحروب في العالم‏,‏ والمتطرفون في إسرائيل‏,‏ الذين قتلوا إسحاق رابين‏,‏ ووقفوا ضد السلام والاستقرار الإقليمي‏,‏ وباتوا يدفعون المنطقة إلي مصير مجهول‏.‏
والاعتدال المصري‏,‏ والواقعية في هذه السياسة يحتاجان إلي دعم داخلي‏,‏ والتفاف جماهيري من الشعب المصري والعربي‏,‏ حتي نستطيع أن نحقق أهدافنا المشروعة في التنمية والتحول الداخلي‏,‏ وحل المشكلة الفلسطينية‏,‏ واجتياز مخاطر الإرهاب وتداعياتها‏,‏ ومنع انزلاق المنطقة إلي حروب متتابعة من أفغانستان إلي العراق‏,‏ فالقائمة القادمة طويلة ومخيفة‏.‏
وإذا كان حادث طابا مؤثرا فإنه يجب أن يكون بداية لليقظة‏,‏ لكي ندرك أن القوي المتربصة بنا لن تتوقف‏,‏ وسوف تنتهز الفرصة وراء الأخري‏,‏ فهي كامنة‏,‏ لمهاجمتنا في أي لحظة تراها مناسبة لها‏.‏
لكن الأهم أن تماسك الرؤية المصرية في مواجهة الإرهاب والتطرف‏,‏ محليا وإقليميا وعالميا‏,‏ في حاجة إلي تفهم عالمي ودعم إقليمي من القوي صاحبة المصلحة‏,‏ حتي يمكن لعالمنا المعاصر أن يتخطي هذه المرحلة الدقيقة والحساسة‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا