395‏السنة 123-العدد2004اكتوبر16‏2 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

سؤال فرض نفسه في مباراة ليبيا ومصر‏:‏

متي تنتهي الحساسيات العربية في اللقاءات الرياضية؟

طرابلس‏-‏ أشرف محمود


باتت الحساسية العربية في اللقاءات الرياضية مرضا مزمنا يجب التوقف عنه‏,‏ وبحث أسبابه‏,‏ ووضع طريقة علاجه لاجتثاثه من جذوره‏.‏
وباتت المباريات الرياضية بين الفرق العربية أشبه بمواقع حربية منها إلي تنافس رياضي‏.‏
ولعبت وسائل الإعلام غير المسئولة‏,‏ خصوصا الفضائيات في البلدان العربية دورا سلبيا في المنافسات الرياضية‏,‏ وباتت عنصر تباعد لا تقارب بين الشعوب والرياضيين العرب‏.‏
وآخر المباريات التي شهدت خروجا علي الروح الرياضية كانت مباراة مصر وليبيا‏,‏ ما طرح العديد من علامات الاستفهام حول مستقبل اللقاءات الرياضية بين البلدين‏.‏
ولأن الأزمة ليست مقصورة علي ما جري في مباراة ليبيا ومصر في تصفيات كأس العالم‏,‏ وإنما تمتد إلي كل اللقاءات الرياضية العربية‏,‏ فإن تساؤلا طرح نفسه بقوة ويجب ألا نغفل عن إيجاد إجابة شافية له‏:‏ متي تنتهي الحساسيات العربية من الملاعب الرياضية في اللقاءات العربية‏-‏ العربية؟
وقبل الغوص في تفاصيل الإجابة عن هذا السؤال‏,‏ نرصد لقراء الأهرام العربي ما حدث في مباراة ليبيا ومصر في الجولة الخامسة من تصفيات كأس العالم‏2006,‏ وللإنصاف نذكر أن مسئولي الاتحاد الليبي لكرة القدم لم يدخروا جهدا من أجل راحة البعثة المصرية‏,‏ وقدموا كل العون لها‏,‏ لكن الأزمة ليست في المسئولين والرسميين‏,‏ وإنما في الجمهور الذي يضم فئات مختلفة الثقافات تتأثر بما يدور حولها من حديث عن المباريات‏,‏ وهي مستعدة دوما للخروج عن طورها الطبيعي‏,‏ وتلغي عقلها البشري بفعل مشكلات أخري تنفس عنها عبر انفعالاتها خلال المباريات‏.‏
الحساسية باتت أزمة تهدد اللقاءات الرياضية العربية
وكانت بداية التصادم مع الجمهور للبعثة المصرية ما حدث في تدريب اليوم الأول لوصول البعثة مساء الأربعاء قبل الماضي‏,‏ إذ زحف نحو ألفين من الجمهور الليبي إلي الملعب‏,‏ وتابعوا المران وهتفوا ضد اللاعبين وجهازهم الفني دون مبرر يذكر طيلة زمن التدريب‏,‏ مما ترك أثرا سلبيا في نفوس الجهاز الفني الذي استنكر ما حدث‏.‏
وكما كان المسئولون الليبيون علي مستوي المسئولية‏,‏ كانت الصحافة الرياضية الليبية كذلك‏,‏ وقدمت المباراة بموضوعية منحت المنتخب المصري حقه ونشرت الصحف تاريخ لقاءات الفريقين التي تمنح الأفضلية للمنتخب المصري الذي حقق الفوز‏9‏ مرات مقابل مرة واحدة لليبيا‏,‏ وتعادل الفريقان مرة واحدة‏,‏ وسجل المصريون‏37‏ هدفا مقابل‏12‏ هدفا لليبيا‏,‏ وكان تعامل الصحافة الليبية مع الحدث هادئا‏,‏ لكنها توقفت عند تصريحات إعلامية أحدها جاء علي لسان الإيطالي تارديللي المدير الفني للمنتخب المصري‏,‏ قال فيه إنه يعرف المنتخب الليبي جيدا ويراه كتابا مفتوحا‏,‏ وعلقت الصحف علي هذا التصريح بسخرية مقبولة‏,‏ إذ ذكرت في صفحاتها بأي اللغات ستقرأ كتاب المنتخب الليبي يا سنيور تارديللي؟‏.‏
أما التصريح الثاني الذي توقفت عنده الصحف والجماهير طويلا‏,‏ وكان سببا رئيسيا في توتر الموقف فكان علي لسان فضائية مصرية خاصة أن مباراة ليبيا تمثل نقطة عبور للمنتخب المصري في طريق التصفيات‏,‏ وعلقت بعض الصحف علي كلمة عبور التي أسيئ فهمها تماما‏,‏ إذ فهمها الأشقاء في ليبيا علي أنهم أصبحوا مثل الكوبري الذي سيعبر عليه المصريون‏,‏ وباتت كلمتا عبور وكوبري تترددان في كل مكان‏,‏ ورغم تفهم البعض للمعني الحقيقي الذي كان يقصده محللو القناة الفضائية‏,‏ إلا أن كثيرين جدا وجدوا فيها ضالتهم لإشعال الموقف وإثارة الجماهير المستعدة للإثارة‏.‏
وبدا واضحا أن الأشقاء العرب ورغم معرفتهم التامة باللهجة المصرية‏,‏ ومعاني كلماتها تماما‏,‏ يتوقفون عند نقاط بعينها ويرفضون التسليم بمبدأ حسن النية‏,‏ وجاءت المباراة ليحتشد فيها سبعون ألف متفرج ليبي‏,‏ و‏300‏ متفرج مصري من بين أربعة آلاف كانوا قد توجهوا إلي الملعب ولم يتمكنوا من الدخول إلي المدرج المخصص لهم بسبب وجود الجمهور الليبي فيه‏,‏ ومنذ اللحظة الأولي لدخول لاعبي المنتخب المصري‏,‏ بدأ إطلاق الألعاب النارية والصواريخ النارية‏,‏ وهي محرمة في الملاعب الرياضية‏,‏ إلي جانب قوارير الماء وهي أيضا باتت ممنوعة‏,‏ ولم يلتفت الحكم الجزائري جمال حميداوي لأي منها‏,‏ وانطلقت المباراة ولم تتوقف الجماهير عن توجيه سباب للاعبين المصريين وقوارير باتجاه البدلاء والجهاز الفني‏,‏ ولم يقتصر الأمر علي القوارير وإنما امتد إلي الحجارة وللأمانة نؤكد أن مسئولي الأمن بذلوا جهدا غير عادي من أجل السيطرة علي الموقف والحيلولة دون تفاقم الأمور‏,‏ وأسهم هدف السبق لليبيا في اشتعال حماسة الجماهير التي لم تتوقف رغم تقدم فريقها عن ممارسة الخروج علي الروح الرياضية‏,‏ ولم يسلم الصحفيون المصريون ولا الجمهور القليل من الجمهور‏,‏ رغم ما سبق المباراة من تصرف مسئول وناضج قام به المهندس محمد معمر القذافي‏,‏ رئيس اللجنة الأوليمبية الليبية الذي حضر المباراة وهو يتوشح علما مصر وليبيا‏,‏ لكن هذه اللفتة الطيبة لم يلتفت إليها الجمهور الذي كان عازما علي ما فعل‏,‏ وعقب المباراة اختلط الحابل بالنابل بعد نزول عشرات الجماهير إلي أرض الملعب وخروجهم من ذات الباب الذي يدخل منه اللاعبون إلي غرفة تبديل الملابس وبذل رجال الأمن الليبيين جهدا كبير ا من أجل إبعاد الجمهور عن الفريق المصري الذي انتظر نحو ساعة بعد المباراة ليعود إلي الفندق‏.‏
تلك كانت أجواء المباراة التي تحتم علي كل عشاق ومسئولي الرياضة العربية سرعة التدخل لاجتثاث هذه الظاهرة من جذورها وحسنا فعلت جامعة الدول العربية قبل عامين‏,‏ حين نظمت مع الاتحاد العربي للصحافة الرياضية ندوة مهمة تناولت موضوع الحساسيات العربية‏-‏ العربية في اللقاءات الرياضية وأصدرت توصيات وميثاق شرف‏,‏ لكن يبدو أن الإعلام العربي عموما والخاص منه خصوصا‏,‏ لايزال مصرا علي إتباع أسلوب الإثارة الرخيص وغير المسئول في التعرض للمباريات الرياضية التي تجمع الفرق العربية‏,‏ وهي أشبه بالنار تحت الرماد‏,‏ ينتظر من ينفخ فيه ليشتعل من جديد‏.‏
ونعود إلي المباراة فنيا وما آلت إليه من نتيجة منحت النقاط الثلاث لليبيا ومنحتها فوزها الثاني علي التوالي رسميا علي مصر في تاريخ لقاءاتهما‏,‏ غير أن النتيجة لا تعكس سير المباراة التي دانت سيادتها في معظم الوقت للمنتخب المصري‏,‏ فيما كانت الخطورة للمنتخب الليبي بفضل تألق اللاعب طارق التائب المحترف في صفوف جازينتاب التركي‏,‏ وكان يلعب للصفاقسي التونسي العام الماضي‏,‏ ووضح أن التائب صاحب المهارات العالية يمثل فريقا بمفرده‏,‏ فمستواه يفوق كل أقرانه في ليبيا‏,‏ حتي إن أحد الزملاء الصحفيين وصف مستواه بما يفوق مستوي الكرة الليبية بعشرين عاما‏,‏ أما الوصف الذي يستحقه التائب فهو الساحر‏,‏ لأن لمساته ساحرة ومهاراته قادرة علي منح فريقه التفوق‏,‏ لكن التائب ما كان ليظهر بالمستوي الكبير لولا تجاهل تارديللي له‏,‏ إذ لم يكلف لاعبا معينا برقابته كظله للحد من خطورته‏,‏ فترك له المجال ليتحرك في كل مكان‏,‏ ويفعل كل ما يحلو له‏,‏ ويمثل خطورة علي مرمي مصر‏,‏ ويصنع الهدفين لبلاده‏,‏ وكاد أن يحرز هدفا بعد أن راوغ أكثر من مدافع‏,‏ وسدد في يدي نادر السيد‏.‏
وإذا كان حكم المباراة الجزائري حميداوي تغاضي عن احتساب ركلة جزاء صحيحة لعمرو زكي في الدقيقة قبل الأخيرة من زمن المباراة‏,‏ فإن المسئول عن خسارة المنتخب المصري كان المدرب تارديللي الذي ثبت أنه عنيد ولا يستمع لمشورة أقرب مساعديه حتي مواطنه جانيني خالفه الرأي في تشكيلة الفريق‏,‏ إذ أصر جانيني علي إشراك إسلام الشاطر وعبدالظاهر السقا‏,‏ وأصر تارديللي علي اللعب بتشكيلة مباراة الكاميرون‏,‏ وكأنه يبحث عن التفاؤل‏,‏ ورفض الاستماع لنصيحة إسماعيل يوسف وأحمدسليمان برقابة التائب‏,‏ واستشهد المدربان بما حدث في مباراة الإسماعيلي والصفاقسي التونسي في نهائي دوري زبطال العرب‏,‏ عندما راقب أحدم فتحي التائب وأبطل مفعوله‏.‏
وبدا واضحا أن تارديللي المدرب يفكر بفكر تارديللي اللاعب‏,‏ فهو لا يري لاعبا منذ اعتزاله وصل إلي مستواه كلاعب‏,‏ وبالتالي لا يري لاعبا يستحق أن يراقب‏,‏ هكذا فعل مع دروجبا الإيفواري وصنع اللاعب هدفا وسجل آخر في مباراة مصر وكوت ديفوار في الإسكندرية‏,‏ رغم زن كل المصريين كانوا يخشون خطورة دروجبا‏,‏ والحال تكرر في مباراة ليبيا مع التائب‏,‏ والغريب أن اللاعبين المصريين أكدوا أن تارديللي لم يكلف أحدا منهم برقابة التائب‏,‏ في حين أكد تارديللي أنه كان يراقب التائب‏,‏ ولما طلب منه الصحفيون تحديد اسم اللاعب الذي كلفه برقابته‏,‏ أجاب بأنه طلب من رباعي الدفاع أن يتعامل معه حسب موقع التائب منهم‏,‏ بمعني أن يراقبه اللاعب الأقرب إليه‏,‏ وهذا ما منح التائب حرية الحركة والتفوق علي المدافعين‏,‏ مستغلا مهارته الفائقة التي تفوق مهارتهم‏.‏
وبخسارة المنتخب المصري تحول حلم التأهل إلي المونديال المقبل إلي وهم‏,‏ وأصبح المصريون مطالبين بالصبر حتي تصفيات مونديال‏2010,‏ لعل وعسي‏,‏ لكن جرس الإنذار الذي دق في طرابلس عقب الإخفاق يحتاج لتدخل سريع وإنقاذ الموقف قبل فوات الأوان‏,‏ خصوصا بعدما تحول تارديللي من صانع لحلم منتظر إلي كابوس يجثم علي صدور المصريين الذين لم يقتنعوا به يوما وعمق الهوة بتكرار أسفاره وأخطائه في المباريات بينه وبينهم‏,‏ وهكذا تدخل الكرة المصرية من جديد النفق المظلم الذي اعتادت دخوله عقب كل إخفاق ولا أحد يدري متي وكيف ستخرج منه؟