
|
سؤال فرض نفسه في مباراة ليبيا ومصر:
متي تنتهي الحساسيات العربية في اللقاءات الرياضية؟ |
 | |
طرابلس- أشرف محمود باتت الحساسية العربية في اللقاءات الرياضية مرضا مزمنا يجب التوقف عنه, وبحث أسبابه, ووضع طريقة علاجه لاجتثاثه من جذوره. وباتت المباريات الرياضية بين الفرق العربية أشبه بمواقع حربية منها إلي تنافس رياضي. ولعبت وسائل الإعلام غير المسئولة, خصوصا الفضائيات في البلدان العربية دورا سلبيا في المنافسات الرياضية, وباتت عنصر تباعد لا تقارب بين الشعوب والرياضيين العرب. وآخر المباريات التي شهدت خروجا علي الروح الرياضية كانت مباراة مصر وليبيا, ما طرح العديد من علامات الاستفهام حول مستقبل اللقاءات الرياضية بين البلدين. ولأن الأزمة ليست مقصورة علي ما جري في مباراة ليبيا ومصر في تصفيات كأس العالم, وإنما تمتد إلي كل اللقاءات الرياضية العربية, فإن تساؤلا طرح نفسه بقوة ويجب ألا نغفل عن إيجاد إجابة شافية له: متي تنتهي الحساسيات العربية من الملاعب الرياضية في اللقاءات العربية- العربية؟ وقبل الغوص في تفاصيل الإجابة عن هذا السؤال, نرصد لقراء الأهرام العربي ما حدث في مباراة ليبيا ومصر في الجولة الخامسة من تصفيات كأس العالم2006, وللإنصاف نذكر أن مسئولي الاتحاد الليبي لكرة القدم لم يدخروا جهدا من أجل راحة البعثة المصرية, وقدموا كل العون لها, لكن الأزمة ليست في المسئولين والرسميين, وإنما في الجمهور الذي يضم فئات مختلفة الثقافات تتأثر بما يدور حولها من حديث عن المباريات, وهي مستعدة دوما للخروج عن طورها الطبيعي, وتلغي عقلها البشري بفعل مشكلات أخري تنفس عنها عبر انفعالاتها خلال المباريات.
|
 | | الحساسية باتت أزمة تهدد اللقاءات الرياضية العربية |
وكانت بداية التصادم مع الجمهور للبعثة المصرية ما حدث في تدريب اليوم الأول لوصول البعثة مساء الأربعاء قبل الماضي, إذ زحف نحو ألفين من الجمهور الليبي إلي الملعب, وتابعوا المران وهتفوا ضد اللاعبين وجهازهم الفني دون مبرر يذكر طيلة زمن التدريب, مما ترك أثرا سلبيا في نفوس الجهاز الفني الذي استنكر ما حدث. وكما كان المسئولون الليبيون علي مستوي المسئولية, كانت الصحافة الرياضية الليبية كذلك, وقدمت المباراة بموضوعية منحت المنتخب المصري حقه ونشرت الصحف تاريخ لقاءات الفريقين التي تمنح الأفضلية للمنتخب المصري الذي حقق الفوز9 مرات مقابل مرة واحدة لليبيا, وتعادل الفريقان مرة واحدة, وسجل المصريون37 هدفا مقابل12 هدفا لليبيا, وكان تعامل الصحافة الليبية مع الحدث هادئا, لكنها توقفت عند تصريحات إعلامية أحدها جاء علي لسان الإيطالي تارديللي المدير الفني للمنتخب المصري, قال فيه إنه يعرف المنتخب الليبي جيدا ويراه كتابا مفتوحا, وعلقت الصحف علي هذا التصريح بسخرية مقبولة, إذ ذكرت في صفحاتها بأي اللغات ستقرأ كتاب المنتخب الليبي يا سنيور تارديللي؟. أما التصريح الثاني الذي توقفت عنده الصحف والجماهير طويلا, وكان سببا رئيسيا في توتر الموقف فكان علي لسان فضائية مصرية خاصة أن مباراة ليبيا تمثل نقطة عبور للمنتخب المصري في طريق التصفيات, وعلقت بعض الصحف علي كلمة عبور التي أسيئ فهمها تماما, إذ فهمها الأشقاء في ليبيا علي أنهم أصبحوا مثل الكوبري الذي سيعبر عليه المصريون, وباتت كلمتا عبور وكوبري تترددان في كل مكان, ورغم تفهم البعض للمعني الحقيقي الذي كان يقصده محللو القناة الفضائية, إلا أن كثيرين جدا وجدوا فيها ضالتهم لإشعال الموقف وإثارة الجماهير المستعدة للإثارة. وبدا واضحا أن الأشقاء العرب ورغم معرفتهم التامة باللهجة المصرية, ومعاني كلماتها تماما, يتوقفون عند نقاط بعينها ويرفضون التسليم بمبدأ حسن النية, وجاءت المباراة ليحتشد فيها سبعون ألف متفرج ليبي, و300 متفرج مصري من بين أربعة آلاف كانوا قد توجهوا إلي الملعب ولم يتمكنوا من الدخول إلي المدرج المخصص لهم بسبب وجود الجمهور الليبي فيه, ومنذ اللحظة الأولي لدخول لاعبي المنتخب المصري, بدأ إطلاق الألعاب النارية والصواريخ النارية, وهي محرمة في الملاعب الرياضية, إلي جانب قوارير الماء وهي أيضا باتت ممنوعة, ولم يلتفت الحكم الجزائري جمال حميداوي لأي منها, وانطلقت المباراة ولم تتوقف الجماهير عن توجيه سباب للاعبين المصريين وقوارير باتجاه البدلاء والجهاز الفني, ولم يقتصر الأمر علي القوارير وإنما امتد إلي الحجارة وللأمانة نؤكد أن مسئولي الأمن بذلوا جهدا غير عادي من أجل السيطرة علي الموقف والحيلولة دون تفاقم الأمور, وأسهم هدف السبق لليبيا في اشتعال حماسة الجماهير التي لم تتوقف رغم تقدم فريقها عن ممارسة الخروج علي الروح الرياضية, ولم يسلم الصحفيون المصريون ولا الجمهور القليل من الجمهور, رغم ما سبق المباراة من تصرف مسئول وناضج قام به المهندس محمد معمر القذافي, رئيس اللجنة الأوليمبية الليبية الذي حضر المباراة وهو يتوشح علما مصر وليبيا, لكن هذه اللفتة الطيبة لم يلتفت إليها الجمهور الذي كان عازما علي ما فعل, وعقب المباراة اختلط الحابل بالنابل بعد نزول عشرات الجماهير إلي أرض الملعب وخروجهم من ذات الباب الذي يدخل منه اللاعبون إلي غرفة تبديل الملابس وبذل رجال الأمن الليبيين جهدا كبير ا من أجل إبعاد الجمهور عن الفريق المصري الذي انتظر نحو ساعة بعد المباراة ليعود إلي الفندق. تلك كانت أجواء المباراة التي تحتم علي كل عشاق ومسئولي الرياضة العربية سرعة التدخل لاجتثاث هذه الظاهرة من جذورها وحسنا فعلت جامعة الدول العربية قبل عامين, حين نظمت مع الاتحاد العربي للصحافة الرياضية ندوة مهمة تناولت موضوع الحساسيات العربية- العربية في اللقاءات الرياضية وأصدرت توصيات وميثاق شرف, لكن يبدو أن الإعلام العربي عموما والخاص منه خصوصا, لايزال مصرا علي إتباع أسلوب الإثارة الرخيص وغير المسئول في التعرض للمباريات الرياضية التي تجمع الفرق العربية, وهي أشبه بالنار تحت الرماد, ينتظر من ينفخ فيه ليشتعل من جديد. ونعود إلي المباراة فنيا وما آلت إليه من نتيجة منحت النقاط الثلاث لليبيا ومنحتها فوزها الثاني علي التوالي رسميا علي مصر في تاريخ لقاءاتهما, غير أن النتيجة لا تعكس سير المباراة التي دانت سيادتها في معظم الوقت للمنتخب المصري, فيما كانت الخطورة للمنتخب الليبي بفضل تألق اللاعب طارق التائب المحترف في صفوف جازينتاب التركي, وكان يلعب للصفاقسي التونسي العام الماضي, ووضح أن التائب صاحب المهارات العالية يمثل فريقا بمفرده, فمستواه يفوق كل أقرانه في ليبيا, حتي إن أحد الزملاء الصحفيين وصف مستواه بما يفوق مستوي الكرة الليبية بعشرين عاما, أما الوصف الذي يستحقه التائب فهو الساحر, لأن لمساته ساحرة ومهاراته قادرة علي منح فريقه التفوق, لكن التائب ما كان ليظهر بالمستوي الكبير لولا تجاهل تارديللي له, إذ لم يكلف لاعبا معينا برقابته كظله للحد من خطورته, فترك له المجال ليتحرك في كل مكان, ويفعل كل ما يحلو له, ويمثل خطورة علي مرمي مصر, ويصنع الهدفين لبلاده, وكاد أن يحرز هدفا بعد أن راوغ أكثر من مدافع, وسدد في يدي نادر السيد. وإذا كان حكم المباراة الجزائري حميداوي تغاضي عن احتساب ركلة جزاء صحيحة لعمرو زكي في الدقيقة قبل الأخيرة من زمن المباراة, فإن المسئول عن خسارة المنتخب المصري كان المدرب تارديللي الذي ثبت أنه عنيد ولا يستمع لمشورة أقرب مساعديه حتي مواطنه جانيني خالفه الرأي في تشكيلة الفريق, إذ أصر جانيني علي إشراك إسلام الشاطر وعبدالظاهر السقا, وأصر تارديللي علي اللعب بتشكيلة مباراة الكاميرون, وكأنه يبحث عن التفاؤل, ورفض الاستماع لنصيحة إسماعيل يوسف وأحمدسليمان برقابة التائب, واستشهد المدربان بما حدث في مباراة الإسماعيلي والصفاقسي التونسي في نهائي دوري زبطال العرب, عندما راقب أحدم فتحي التائب وأبطل مفعوله. وبدا واضحا أن تارديللي المدرب يفكر بفكر تارديللي اللاعب, فهو لا يري لاعبا منذ اعتزاله وصل إلي مستواه كلاعب, وبالتالي لا يري لاعبا يستحق أن يراقب, هكذا فعل مع دروجبا الإيفواري وصنع اللاعب هدفا وسجل آخر في مباراة مصر وكوت ديفوار في الإسكندرية, رغم زن كل المصريين كانوا يخشون خطورة دروجبا, والحال تكرر في مباراة ليبيا مع التائب, والغريب أن اللاعبين المصريين أكدوا أن تارديللي لم يكلف أحدا منهم برقابة التائب, في حين أكد تارديللي أنه كان يراقب التائب, ولما طلب منه الصحفيون تحديد اسم اللاعب الذي كلفه برقابته, أجاب بأنه طلب من رباعي الدفاع أن يتعامل معه حسب موقع التائب منهم, بمعني أن يراقبه اللاعب الأقرب إليه, وهذا ما منح التائب حرية الحركة والتفوق علي المدافعين, مستغلا مهارته الفائقة التي تفوق مهارتهم. وبخسارة المنتخب المصري تحول حلم التأهل إلي المونديال المقبل إلي وهم, وأصبح المصريون مطالبين بالصبر حتي تصفيات مونديال2010, لعل وعسي, لكن جرس الإنذار الذي دق في طرابلس عقب الإخفاق يحتاج لتدخل سريع وإنقاذ الموقف قبل فوات الأوان, خصوصا بعدما تحول تارديللي من صانع لحلم منتظر إلي كابوس يجثم علي صدور المصريين الذين لم يقتنعوا به يوما وعمق الهوة بتكرار أسفاره وأخطائه في المباريات بينه وبينهم, وهكذا تدخل الكرة المصرية من جديد النفق المظلم الذي اعتادت دخوله عقب كل إخفاق ولا أحد يدري متي وكيف ستخرج منه؟ |
|
|
 |
|
|
 |
|
|