
|
جرجـس شكري لن يذهب إلي فرانكفورت وهو مترجم إلي الألمانية:
لا يوجد شيء اسمه جيل التسعــــينيات |
 | |
أجري الحديث ـ مصطفي عبادة تصوير ـ عماد عبدالهادي جرجس شكري واحد من شعراء القصيدة الجديدة التي تثير الكثير من الجدل والنقاش في الواقع الثقافي المصري, هذا الجدل يتعمق عندنا في مصر, ويلهينا عن السؤال الحقيقي حول الإنجاز الذي تحققه هذه القصيدة, وهو أيضا قد ترجم له ديوان كامل إلي اللغة الألمانية. امتاز ديوانه الجديد والأيدي عطلة رسمية بمجموعة من الأداءات الفنية الجديدة منها, الاستفادة من فنون الدراما المرئية, والاعتماد علي موسيقي المشهد, بالإضافة إلي تتابع الصور التي تجعل من القصيدة كلها استعارة كبري لموقف فكري وجمالي مختلف, حول عدم مشاركته في فرانكفورت وقضايا القصيدة الجديدة وديوانه الأخير كان الحوار:لم تثر حركة تجديدية في الأدب العربي, بعد حركة شعر التفعيلة, كل هذا الجدل الذي أثارته قصيدة النثر, منذ أن صارت مطية ركبها أغلب الشباب إلي أن انفجر النقاش في الآونة الأخيرة, مجددا, حول جيل التسعينيات, حيث تساءل البعض أين أبناء هذا الجيل الذي ملأ الدنيا ضجيجا حول تهميشه وإقصائه من المشهد الشعري الذي يرسم خطوطه كبار الشعراء والنقاد المحافظين. الأهرام العربي تفتح من جديد ملف قصيدة النثر بعد أن لاحظت أن الجدل حول الشعراء علي الشعر نفسه, وتحاور أبتدا من هذا العدد مجموعة من شعراء هذه القصيدة الجديدة حول: ما الذي أنجزته؟ وما دور الإيقاع فيها؟ وما علاقتها بتراثها الشعري علي مر العصور, ومستقبلها بعيدا عن ضجيج المعارك المفتعله. التي تثار دائما وتتهم شعراء هذا الجيل بأنهم سبب في انصراف الجمهور عن الشعر وهي تهم تحتاج منا إلي أن نمنح هؤلاء الشعراء الفرصة في إعلان شهادتهم عما يكتبونه في اللحظة الراهنة. ** أنت الشاعر المصري الوحيد من أبناء القصيدة الجديدة المترجم إلي الألمانية.. أليس غريبا ألا تذهب إلي فرانكفورت؟ نعم غريب, وليس غريبا في الوقت نفسه, غريب لأنني حاضر بشعري في ألمانيا ولا أذهب إلي فرانكفورت, وليس غريبا فحينما أرجع إلي الوراء أكتشف أنني لم أقرأ شعرا في ندوة أو مهرجان رسمي في مصر, رغم أنني قرأت شعري وتمت دعوتي إلي أهم مهرجانات الشعر في العالم, عدم مشاركتي في مهرجانات مصرية رسمية شرف لي في ظل الفساد العظيم لوزارة الثقافة المصرية, فأن أكون بعيدا عنها ولا أنتمي إليها مكسب لي. ** لكنك كنت تعمل في الوزارة وتركتها بعد أزمة الروايات الثلاث؟ أكيد.. أجمل حدث في حياتي هو ما يعرف بأزمة الروايات الثلاث حيث كان موقفي واضحا وصريحا وهذا ما كنت أتمناه منذ زمن طويل من هذه المؤسسة, لأن ما جري كان اختباري الشخصي لها, فلم أكن ضدها في البداية, لكنها فشلت في الاختبار فتركتها.. ** في تصورك من كان الأحق بتمثيل القصيدة الجديدة في فرانكفورت؟ صاحب الكتاب المترجم إلي الألمانية هو الأحق بالطبع. ** القصيدة لديك تهتم برؤية العالم من منظور الذات الشاعرة, هل هو موقف فكري من الواقع, هروب منه, أم عمل ضده؟ العمل الأدبي بشكل عام, إذا لم يطرح رؤية للعالم, فهو لا قيمة له, قرأت كثيرا خاصة في الفلسفة والتاريخ والأدب بالطبع, ودائما أحمل كل هذا وأتجول به في الشارع, وأقارن بين ما قرأت وما أكتب, وبين هذا الواقع. أرفض كلمة الهروب من الواقع لأنها أمر مستحيل, وفي الوقت نفسه, أرفض هذا الواقع, ودائما أتأمل ما يحدث, محاولا لن أقول فهمه, ولكن علي الأقل صياغته من خلال مجموعة من الأسئلة, لا أحلم بالإجابة, ولكن فقط أرغب في القدرة علي صياغة السؤال. أحيانا حين أتجول في شارع, أو أجلس علي مقهي وأتأمل ما يجري من تفاصيل الحياة اليومية, وبعض الشخصيات أراجع نفسي في كل ما أكتب, وهذا ليس عملا ضد الواقع, بل هو انتماء إليه. ** لكن وعيك تكون في الثمانينيات وبدأت الشعر في أوائل التسعينيات كيف تجاوزت هوة الوعي بين اللحظتين, وعي يتكون وانهيارات كبري؟ نشأت في مدينة بعيدة عن التغيرات التي حدثت في الواقع المصري, أو وصلت إليها هذه التغيرات متأخرة, كنت فقط أقرأ, ولحسن حظي أنني قرأت جيدا في هذه الفترة, وكانت لدي تصورات للعالم, هي في الحقيقة أحلام, وحينما تعاملت مع الواقع تأملت هذه اللحظة التي تتحدث عنها أنت, هذا الانهيار الكبير في كل شيء, كنت حينها قد نشرت مجموعة من القصائد التفعيلية في بعض المجلات, وفجأة توقفت عن الكتابة تماما, وعلي مدي ثلاث سنوات ظللت أبحث عن شيء واحد, كان يعتمل داخلي, وأعجزعن التعبير عنه, شعرت بأن ما كتبته فيما مضي علي المستوي التقني والفني, ربما يكون جيدا, كما قالوا لي, ولكنني أشعر بأن هناك هوة سحيقة بين ما أكتبه, وما يسكنني وأرغب في خروجه ولا أستطيع, لذا توقفت وقررت أنه إن لم أستطع التعبير عن هذا الشيء الذي يسكنني فلا داعي للكتابة بالمرة. بدأت بعد هذا التوقف في كتابة ديواني الأول بلا مقابل أسقط أسفل حذائي, وشعرت بأن هذه التجربة بالفعل هي نقطة البداية بالنسبة لي, وأنها تشبهني, فما مضي لم يكن يشبهني. ** لاحظ البعض أنك تميل إلي الغرائبية في اختيار عناوين دواوينك وبعض قصائدك؟ الشعر يختلف عن الكلام العادي, عن المألوف, وإن لم يحقق هذا فلن يكون شعرا, إذا فقد قدرته علي إدهاش من يقرأه ومن يكتبه أيضا فلا معني له, دائما أرغب في الثأر من الواقع, فقد فوجئت بأن الكثيرين كتبوا عن هذه الغرائبية, وأنا أري أنها من البديهيات, فلابد من الاختلاف, إنما كيف يكون الاختلاف هذا هو السؤال, هل لدي المرء رؤية مختلفة عن العالم, وطرح مختلف لهذه الرؤية أم لا, إذا لم يكن الأمر كذلك فإن الغرائبية تكون علامة عدم موهبة كما هي عند البعض ممن يكتبون قصيدة النثر, تلك القصيدة التي أغرت غير الموهوبين والجهلة بكتابتها, مع أنها من وجهة نظري أصعب من القصيدة العمودية, قدامة بن جعفر قال إن الشعر هو الكلام الموزون المقفي, فإذا ذهبت القواعد المتعارف عليها, إذا ذهب الوزن والقافية فما الذي يتبقي؟ يتبقي فقط الكلام, فكيف يكون هذا الكلام شعرا يدهش من يقرأه أو يسمعه, هذا هو التحدي الصعب لقصيدة النثر, لأنها أصعب من أن تحتمي بالوزن والقافية, أو تتجمل بهما لكي تنتمي للشعر, نحن أمام كلام عادي عليه وحده أن يكون شعرا, ولذلك ظن البعض أن الأمر سهل, فراحوا يكتبون كلاما لا معني له, ربما يكون غريبا, لكنه تافه وساذج لا أكثر, قصيدة النثر محك صعب للشاعر. ** بعد أربعة دواوين هل أنت مشغول بوضعك بين أبناء جيلك؟ فكرة الأجيال وهمية صنعتها السياسة في الستينيات, وبالنسبة لي هي شيء مضحك, فأنا لا أنتمي إلي أي جيل, مع تقديري للأصدقاء الذين يكتبون شعرا في هذه المرحلة, فكرة الأجيال نجحت لظروف سياسية في الستينيات, وفشلت فشلا ذريعا فيما بعد, الآن لا يوجد شيء اسمه جيل التسعينيات, وأنا لست مشغولا بوضعي مع أحد في هذا الجيل, ما يشغلني هو الشعر, كيف أكتب ولماذا. ** تبدو قصيدتك في حالة قطيعة مع التراث الشعري القديم.. ما علاقتك بهذا التراث؟ لا أوافق بالمرة علي هذا, وربما تكون أنت الوحيد الذي يطرح علي هذا السؤال, لنبدأ من الديوان الرابع الذي بين يديك وانظر إلي من أهديته, إلي طه حسين, الشعر هو الشعر يكتبه امرؤ القيس, أو المتنبي, أو محمود درويش أو جرجس شكري. التراث الشعري بالنسبة لي هو جنون لا أستطيع التخلص منه, ولا أرغب في ذلك بالمرة, فمنذ طفولتي وأنا أقرأ هذا التراث الشعري, هناك عامل استثنائي, أنني جرجس هذا القبطي ـ وأنت تعلم ماذا يعني هذا الوصف ـ الذي يكتب شعرا, بدأت في طفولتي, بحفظ الشعر القديم والقرآن الكريم محبة في اللغة لا أقل, وحتي الآن ربما تكون أجمل اللحظات هي أن أقرأ المتنبي, فكرة القطيعة مع التراث التي طرحها الجهلاء من هذا الجيل ومن سبقوهم لا تدل إلا علي الجهل, فسأقول لك وقد قلتها: الشعر هو الشعر, لكن تلك لحظة تاريخية تفرض مفرداتها وذائقتها الشعرية. ** كشاعر يكتب قصيدة النثر ما الذي يعنيه هذا الجدل المثار حولها من وجهة نظرك؟ قصيدة النثر كما ذكرت أغرت غير الموهوبين, فهناك شعراء كبار لهذه القصيدة مثل أنسي الحاج, وبول شاؤول, وعباس بيضون, وسركون بولص, ووديع سعادة, وسيف الرحبي وأمجد ناصر, ويلاحظ فعلا أنه عربيا هناك إنجاز لقصيدة النثر, هذا الإنجاز غيرموجود في مصر في الأجيال السابقة, وإن كان قد بدأ في ا لظهور منذ نهاية الثمانينيات, وأعترف بعيدا عن الشوفينية بأن قصيدة النثر هي تجربة بدأت في بيروت, وإن كانت لها بعض التجليات في مصر والعراق, ومعني هذا الجدل أيضا أن هناك أزمة وعي عامة يعانيها المجتمع المصري, ليس إزاء الشعر والأدب بشكل خاص, بل في كل مناحي الحياة, نحن مشغولون الآن كمثقفين بمحو الأمية وتحديد النسل وقصيدة النثر. ** يمثل الإيقاع في قصدة النثر أحد مشكلات التعامل معها, فكيف تري أنت المسألة؟ إذا وضعنا عنوانا لهذا العصر, فهو عصر الصورة, فكيف تكون الكتابة في عصر الصورة؟ أنا أحب موسيقي الشعر العربي القديم, ولكنه الحنين لزمن مضي, أستطيع الآن أن أتخيل أمروء القيس وأبا الطيب, كيف كانا يعيشان ويكتبان شعرا, في عصور لا يمكن إلا أن نسميها عصور الصمت, فكان الإيقاع يستطيع أن ينتصر علي هذا الصمت, ولكن ماذا يفعل ذلك الإيقاع في هذا العصر, علينا أن نخترع إيقاعا للعصر, لا يوجد شعر بغير إيقاع, ولقصيدة النثر إيقاع أيضا, ولكن من أين يأتي الإيقاع؟ من الواقع, فمن له القدرة علي أن يلتقط هذا الإيقاع؟ هذه هي المشكلة, حين أغرت قصيدة النثر غير الموهوبين, فبالتالي هم لا يعرفون الإيقاع من الأصل حتي يتخلوا عنه, أنا مثلا بدأت عموديا ثم تفعيليا, ثم كتبت قصيدة النثر, وحين أحسست بأن ايقاع التفعيله أضيق من تجربتي توقفت وأخذت أجوب الشوارع لتأمل الناس وسماع ضجيج الشوارع لأتعلم كيف يكون الإيقاع الآن. ** وكيف تنظر إلي مستقبل هذة القصيدة؟ مستقبل الأدب بشكل عام في مأزق, ليس فقط قصيدة النثر, المسرح له مأزقه, والسينما كذلك, وكذلك الرواية والموسيقي, ولكي يكون الكلام محددا: في العالم العربي لا مستقبل لشيء, وإن كنت لا أنحاز إلي أن يتحمل الجمهور عبء أزمة الوعي, وإن كانت هذه حقيقة, ولكن الكتاب والمبدعين لهم دور كبير في هذه الأزمة, ولا أفهم كيف أن روائيا لم يتجاوز الخمسين من عمره اسمه أورهان باموق تترجم رواياته إلي لغات العالم, وتطبع أكثر من نصف مليون نسخة, ويقرأه كل الشعب التركي ولا يحدث هذا عندنا.. ما تفسير ذلك؟*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|