'سيسيل' فتاة جميلة مستهترة عمرها سبعة عشر عاما قضت طفولتها في مدرسة داخلية بعد وفاة والدتها و انتقلت منذ عامين للعيش مع والدها' ريمون' الذي أكمل لتوه أعوامه الأربعين. لم تكن' سيسيل' في ظل الحرية المطلقة التي تتمتع بها تجد أي غضاضة في رؤية والدها محاطا بعشرات العشيقات. عندما حل عليها فصل الصيف أخذها والدها مع عشيقته' إلزا' لقضاء بضعة أيام علي شواطئ الأزور ولكن قبل السفر يقرر أيضا دعوة الجميلة' آن' التي كانت إحدي صديقات زوجته الراحلة لكي تشغل وقت ابنته. وهناك تنشغل الزا مع الوالد وتبقي آن مع سيسيل في محاولة لتقويم سلوكها الذي انهار بوفاة الأم وانشغال الأب بملذاته وتحاول إقناعها بضرورة العمل ولكن المحاولة تبوء بالفشل خاصة مع رسوب سيسيل في المدرسة وتصاب آن بصدمة كبيرة بعد معرفتها بوجود علاقة عاطفية بين' سيسيل'و'سيريل' ذلك الطالب الذي جاء لقضاء إجازته الدراسية علي نفس الشاطئ. تضيق سيسيل بتدخل آن الشديد في حياتها وتكاد تجن عندما تعلم أن والدها بصدد الزواج منها وأنه مستعد لتغيير نمط حياته كلها من أجل آن. من هنا يبدأ الشر يتسرب لنفس الفتاة فهي خائفة من فقدان حريتها إذا حلت هذه ال' آن' محل والدتها. تقنع سيسيل صديقها' سيريل' بإقامة علاقة عاطفية مع عشيقة والدها الأولي' الزا' الأمر الذي يفقد' ريمون' الأب صوابه فمن غير المعقول أن تستبدله عشيقته بهذه السرعة وبهذا الفتي الصغير الذي كان يوما صديقا لابنته فيهرع ريمون إليها ويرتمي في أحضانها لاستعادتها في نفس الوقت الذي تضبطهما فيه' آن' بالمصادفة. تصاب آن بصدمة شديدة وتقرر العودة إلي بلدتها ولكن في طريق العودة تموت في حادث سيارة وتعود' سيسيل' مع والدها إلي بلدتهما وتتصور أنها حققت ما تريده و لكن ثمة شعورا جديدا ينتابها. إنه الحزن:'فقط عندما أكون وحيدة في فراشي وعندما تبدأ خيوط الفجر في إزاحة عتمة الليل ولا تصبح هناك أصوات في باريس سوي صوت السيارات تبدأ ذاكرتي في خيانتي حيث يعود الصيف بذكرياته وأجد نفسي أنادي طويلا آن..آن شئ ما يعتريني وأنا أنادي عليها مغمضة العينين وعندما أفتحهما أقول مرحبا أيها الحزن'. كانت تلك هي ملخص رواية' مرحبا أيها الحزن' للكاتبة الفرنسية المبدعة فرنسواز ساجان والتي رحلت عن عالمنا الأسبوع الماضي تاركة لنا كما هائلا من أروع الروايات الفرنسية. رواية' مرحبا أيها الحزن' هذه كانت قنبلة انطلاق ساجان فقد كتبتها عام1954 وهي في الثامنة عشر من عمرها وكانت أولي رواياتها ولكنها رغم ذلك حققت نجاحا منقطع النظير إذ بيع منها ملايين النسخ منها مليون نسخة في أمريكا وحدها وقد كان لهذه الرواية عظيم الأثر في فتح أبواب الشهرة علي مصراعيها لهذه الأديبة المبدعة التي لم تفارق السيجارة أصابعها ولا كأس الخمر شفتيها. فالمخدرات هي سعادتها والقيادة المتهورة هي حياتها أما السهرات فهي عشقها الأول. ورغم كل ذلك فهي أديبة مبدعة كتبت أكثر من خمسين عمل أدبي ما بين رواية ومسرحية طوال حياتها التي استمرت69 سنة عانت خلالها من الوحدة ذلك الشعور الذي أفردت له صفحات وصفحات في رواياتها إذ كانت تقول:' أنا أكتب خصيصا عن الوحدة وطريقة التخلص منها إن وجدت طريقة لذلك'. اعتبرت ساجان واحدة من الذين وضعوا أسس الرواية الحديثة في فرنسا وعندما ماتت قيل إنها آخر الكتاب الوجوديين.
كانت ساجان من أسرة برجوازية ثرية لا تعرف للجوع طعما ولا للفقر طريقا أما ميولها فكانت يسارية الأمر الذي قربها بشدة من الرئيسين الفرنسيين الراحلين جورج بومبيدو و فرنسوا ميتران. عشقت ساجان الكتابة واعتبرتها الملاذ الوحيد لإفراغ ما يجول في خاطرها من تناقضات قاتلة فحياتها الثقافية زاخرة بنشاط إبداعي دائم أما حياتها الاجتماعية فتعاني من فشل ذريع بعد تجربتين فاشلتين في الزواج أسفرت ثانيتهما عن ابنها الوحيد' دنيس' الأمر الذي جعلها تعاني من وحدة داخلية رهيبة كادت بالإضافة إلي الشهرة الواسعة التي تمتعت بها تقضيان عليها ولكنها استطاعت التغلب عليهما فهي لم تترك لنفسها فرصة للتفكير في كل ذلك إذ كانت تكتب بعدل رواية كل عام فبعد رائعتها الأدبية' مرحبا أيها الحزن كتبت رواية' بسمة ما' عام1955 ثم' هل تحبون برامس' عام1959 السحاب العجيب عام1961 واستمرت روايتها حتي جاءت رواية' مع أفضل ذكرياتي' عام1984 ثم رائعتها' وراء الكتف' عام1998 التي تعد سيرة ذاتية لها. كانت معظم أحداث روايات ساجان تدور حول قصص الحب في المجتمع المخملي الذي تنتمي إليه كما امتاز أسلوبها أيضا بالبساطة التي تنضح بالمرارة من جراء ما تتعرض له من إحباطات نفسية. استفادت ساجان أيما استفادة من بروست وبلزاك في الكتابة بشكل عام أما الكاتب المسرحي راسين فقد أخذت منه طريقة إدانته لكل أبطال مسرحياته في حين أخذت من بروست استغلال كل الأجواء المحيطة بأبطال العمل لإضافة شئ ما.
و يقال إن موهبة الكتابة عند ساجان تفجرت عندما كانت في المدرسة الثانوية وطلب منها موضوع تعبير عن أن المأساة تشبه الحياة فأعجبها الموضوع جدا وظلت طوال حياتها وهي تعالجه لدرجة أن كل من يقرأ روايات ساجان يشعر علي الفور بأنها تتحدث عن زاوية من حياتها فهي شخصية أصلية في كل الروايات الفارق الوحيد أنها تجيد الإمساك بالشخصية جيدا وتصقلها بمهارة والغريب أن ساجان لم تستطع أبدا تغيير ذلك فالمرة الوحيدة التي جعلت فيها أبطالها من الفقراء اتهمت بسرقة أعمال غيرها لذلك ظلت حياتها الشخصية البرجوازية مسيطرة علي كل أعمالها الأدبية ورغم ذلك فجميع شخوص رواياتها تمسنا بشكل واضح وقوي إذ نري فيها أنفسنا. كان بومبيدو يعشق قراءة مقاطع من رواياتها بصوت عال وخاصة رواية مرحبا أيها الحزن أما ميتران فكان يصطحبها معه في الكثير من زياراته ورحلاته الخارجية لدرجة أنه كثر الحديث عن وجود علاقة ما بينهما خاصة عندما أصر علي متابعة علاجها بنفسه بعدما أصيبت بأزمة قلبية في أكتوبر1985 عندما كانت بصحبته في زيارته لكولومبيا. لم تكن تلك هي المرة الأولي التي تتعرض فيها ساجان لمثل هذه النوعية من الحوادث فبسبب ثرائها الفاحش كانت تلعب الورق وتراهن علي الخيول, لم يكن يهمها شئ كانت تري أنها يجب أن تعيش حياة البذخ بما يليق مع مستواها المادي ولكنها ذات يوم تعرضت لحادث سيارة كاد يودي بحياتها ولكنها نجت منه بأعجوبة وكان السبب في وقوع الحادث هو بدء إدمانها للمخدرات الغريب أنه رغم حياتها المرفهة إلا أنها ظلت طوال عمرها مشتتة لا تعرف طريقا للاستقرار فهي تغير عنوان مسكنها كما تغير عناوين رواياتها. لم تذق يوما طعم الحب أو ربما ذاقته ولكن في أحيان قليلة جدا علي حد تعبيرها أما الذي رأته جديرا بالتكريم فهو الحزن الذي يظهر في كل رواياتها مثل' الاستسلام' عام1965 وقليل من الشمس في الماء البارد عام1969 والفراش المهدم عام1977 والمرأة الجميلة عام1981 وحزن السفر عام1994. لم تكتف ساجان بكتابة الرواية بل تعدتها إلي الكتابة المسرحية مثل مسرحية قصر في السويد التي كتبتها عام1960 والثوب البنفسجي لفالنتين عام1963. ورغم هذا الحزن الذي اتصفت به ساجان في كتاباتها إلا أنها توصف بأنها صاحبة شباب دائم وصوت أنثوي راق لذلك كانت تسعد بالتفاف العشاق حولها أكثر من سعادتها بتقييد نفسها بقيود الزواج. صحيح أنها لم تستقر علي نوع عشيق معين إلا أنها من الواضح أنها تحب الثري الذي يلبي لها كل طلباتها ولذلك لم تطل علاقتها بأي عشيق لأكثر من عدة أشهر يهرب بعدها بسبب بذخها الشديد وإفراطها في تناول الخمر والمخدرات لدرجة أنه تم القبض عليها ذات مرة بتهمة تعاطي الكوكايين وتم الحكم عليها بالسجن لمدة عام مع إيقاف التنفيذ الأمر الذي جعلها تتصور أنها فوق القانون لذلك لم تبال بعدم دفع الضرائب التي تراكمت عليها بعد إفلاسها واضطرارها لبيع منزلها وكل ممتلكاتها والذهاب للعيش لدي إحدي صديقاتها ولكن ظلت الضرائب تطاردها ولم تفلح مبيعات روايتها الجديدة عاصفة جامدة من الوفاء بالالتزامات الضرائبية خاصة بعدما أعلن وزير الداخلية الفرنسي شارل باسكوا أن الأدباء ليسوا فوق القانون في إشارة منه إلي إمكانية القبض عليها بتهمة التهرب الضريبي ولكن ها هي ساجان تودع العالم بأسره لتحقق مقولتها المشهورة أن الصمت الحقيقي هو صمت الموت. ماتت ساجان دون أن تحصل علي جائزة أدبية واحدة تكافئها علي ما أحدثته في الرواية الفرنسية الحديثة. ماتت ولكنها تركت لنا روحها لترفرف علينا من بين سطور رواياتها*