393‏السنة 123-العدد2004اكتوبر2‏18 شعبان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

بوش والتلمذة علي معاوية

وكأني بالعرب‏,‏ قد استمرأوا أن يكونوا آخر من يعلم‏,‏ حتي في أخص خصوصياتهم‏,‏ ولندع التنقيب عن آثارنا‏,‏ وتفسيرها بما يتواءم مع أهداف الغرب‏,‏ أي احتكار ماضي شرقنا القديم‏,‏ وأيضا دائرة المعارف الإسلامية التي لم ننجح حتي اليوم‏,‏ بوضع مثيل لها‏,‏ والدراسات البحثية الشاملة التي تناولت تراثنا في جميع جوانبه‏,‏ لندع ذلك كله جانبا‏,‏ ونتحدث حول احتكار الغرب لتاريخ قبائلنا العربية وامتداداتها عبر الزمان والمكان‏,‏ إنه مجهود يفوق التصور‏,‏ مقابل ما تحتويه المكتبة العربية من دراسات في غاية التسطيح‏.‏والمهم في الأمر‏,‏ أن الصهيونية قد أدركت مبكرا خطورة الموضوع‏,‏ فركبت الموجة ومن ثم توالت نجاحاتها بما يخص فصل الدروز وبعض القبائل العربية عن جسد الأمة الفلسطينية‏,‏ هذا إذا علمنا‏,‏ أن أكثر من ثماني عشرة رسالة جامعية‏,‏ قد نوقشت في الجامعة العبرية‏,‏ فيما يخص تغريبة بني هلال‏,‏ بهدف استخلاص العبر‏.‏فلا غرابة إذن‏,‏ أن تعرف الإدارة الأمريكية عن قبيلة شمر‏,‏ أكثر بكثير مما يعرفه أبناء القبيلة نفسها‏,‏ وعليه قس بالنسبة إلي قبائلنا العربية جمعاء‏,‏ بيد أن الأكثر غرابة جهلنا بأن المسرحية التي مثلتها الإدارة الأمريكية في العراق أخيرا‏,‏ إنما هي عربية الأصول‏,‏ وظفها بوش لأغراضه‏,‏ مع تغيير طفيف في الأدوار والشخصوص‏.‏
أصل الحكاية
إن أخطر ما وقع في سلسلة تجاذب أنساب القبائل لدواعي العصبية‏,‏ ما كان من شأن قبيلة قضاعة‏,‏ تلك القبيلة الضخمة‏,‏ ذات البطون المتعددة من‏:‏ كلب وبلي وجهينة وبهراء وسليح وتنوخ ونهد وغيرها‏,‏ والتي كانت تنتشر في بقاع واسعة من أرجاء الشام في الحضر والبوادي‏,‏ وقد حرص بنوأمية منذ زمن عثمان رضي الله عنه علي الارتباط بصلة النسب في قبيلة كلب‏,‏ أقوي قبائل قضاعة وأكثرها عددا حينئذ استظهارا بها‏,‏ فتزوج منها عثمان ومعاوية ويزيد ومروان بن الحكم‏,‏ وسعيد بن العاص‏.‏ولما آل الأمر لبني أمية‏,‏ كان انحياز قضاعة بزعامة كلب إلي أي من الجهتين العدناني أو القطحانية‏,‏ كفيلا بترجيح كفتها‏,‏ فحرصت كل منها علي ادعاء نسبة قضاعة إليها‏,‏ ومما ساعد علي ذلك‏,‏ أن قضاعة بكل بطونها‏,‏ كانت تسكن شمال الجزيرة العربية والشام قبل الإسلام‏,‏ مجاورة للقبائل العدنانية في منازلها‏,‏ فقام نزاع بين نسابي عدنان وقحطان وإخبارييهم مع بداية العصر الأموي واستمر حتي منتصف العصر العباسي بذلت فيه المحاولات من كلا الجانبين لضم قضاعة إلي أصلهم‏.‏
وعلي أية حال‏,‏ فأول من بدأ ذلك معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد‏,‏ فيزعم النسابة‏(‏ نشوان الحميري‏)‏ أنهما بذلا الأموال لرؤساء قضاعة لقاء الانتفاء من اليمن والانتساب إلي معد‏,‏ وأن نفرا منهم أجابوهم إلي ذلك‏,‏ وأشاعوا القول بانتساب قضاعة إلي معد بن عدنان‏,‏ وقد لخص هذا الأمر بجلاء العلامة‏(‏ جواد علي‏)‏ بقوله‏:‏ ومرد هذا إلي عوامل سياسية‏,‏ أثرت تأثيرا كبيرا في تصنيف الأنساب‏,‏ ولاسيما أيام معاوية وابنه يزيد‏.‏
وأيا كان الأمر‏,‏ فلما شاع الأمر‏,‏ غضبت معظم بطون قضاعة‏,‏ وتمسكوا بانتمائهم إلي قحطان‏,‏ وأتت جموعهم مسجد دمشق الكبير في يوم الجمعة‏,‏ ودخلوا علي يزيد بن معاوية وشاعرهم عمرو بن مرة الجهني يقول‏:‏
يا أيها الداعي أدعنا وبشر
وكن قضاعيا ولا تنزر
نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر
قضاعة بن مالك بن حمير
النسب المعروف غير المنكر
في الحجر المنقوش تحت المنبر
وإزاء ما بدا من قضاعة من غضبها لما قيل عنها‏,‏ فقد أقر لها يزيد ما ذهب إليه أبناؤها‏,‏ من تمسكهم بانتمائهم‏,‏ وهكذا فوتوا عليه أي فرصة من أجل توظيفهم في تحقيق مكاسب سياسية للأمويين‏.‏
وتمضي السنون وتتعاقب الأجيال‏,‏ ولا يكاد إلا القليل منا يتذكر ما فعله معاوية‏,‏ أما الإدارة الأمريكية فتتذكرها جيدا‏,‏ بل وتحسن استخدامها‏,‏ وأول ما استخدمتها حين وضعت أفغانستان ضمن مشروعها التوسعي‏,‏ ولم يكن ذلك ليتم‏,‏ دون النجاح في شراء ولاء بعض القبائل الأفغانية‏.‏ونفس اللعبة أعيد تكرارها أخيرا في العراق‏,‏ بعد أن أعد لها إعدادا جيدا في سبيله فكم من الجهود بذلت‏,‏ وكم من الأموال الأمريكية أهدرت‏,‏ وتم اختيار أحد أبناء شمر رئيسا للعراق‏,‏ وذهبت كل توقعات المحللين السياسيين في مهب الريح‏,‏ لقد أثبت بوش حقا بأنه تلميذ معاوية النجيب‏.‏
فبالإضافة إلي أن قبيلة شمر‏,‏ أقوي الكتل القبلية في العراق‏,‏ ولها امتداد في كل من السعودية وسوريا وغيرها من البلاد العربية‏.‏ يبدو أن أمريكا جادة في سعيها من أجل إيقاظ الفتن النائمة‏.‏ وقد عبر عن ذلك بجلاء مستشار الأمن القومي السابق‏(‏ بريجنسكي‏),‏ حين طرح فكرة إعادة الأمور في الشرق العربي‏,‏ إلي ما كانت عليه إبان العهد العثماني‏.‏والباحث المدقق في فترة الحكم العثماني يتبين له أن قبيلة شمر ممثلة في أحد فروعها‏(‏ آل رشيد‏)‏ قد حكمت بعض نواحي الحجاز‏,‏ إلي أن انتزعها منهم آل سعود‏,‏ مما أدي إلي الهجرة الجماعية لشمر إلي العراق‏.‏ومن الجدير بالملاحظة هنا‏,‏ أن العهد العثماني‏,‏ كان العهد الذهبي للزعامات القبلية‏,‏ التي تمت مباركتها علي يد الباب العالي‏,‏ واعتمد عليها في حكم بعض النواحي التابعة له في كل من سوريا والعراق والحجاز ونجد وغيرها‏.‏
هكذا لم تأل أمريكا جهدا في سبيل استغلال الأكراد والشيعة والتركمان والقبائل العربية علي حد سواء فما أحوجنا اليوم أكثر من أي وقت مضي إلي متابعة تاريخ وامتدادات القبائل العربية في أقطار عالمنا العربي‏,‏ علي مستوي الزمان والمكان‏,‏ بعيون عربية ومداد عربي لأن التاريخ كما يعرف العقلاء‏,‏ هو صانع الوعي بالذات‏,‏ ومنبع الوعي للمستقبل‏,‏ وبه ومن خلاله تتحدد القسمات القومية والسياسية والحضارية‏,‏ لأفراد الأمة جيلا بعد جيل‏,‏ وبالتالي‏,‏ فإن أي تزوير عفوي أو مقصود لتاريخ أي شعب‏,‏ إنما هو في النتيجة تشويه لشكل وجوده القومي‏,‏ ولشخصية كل فرد من أبنائه علي حدة‏.‏
فيصل صالح الخيري
رئيس مركز التراث الفلسطيني