
|
الصدق من الكذاب |
ليس من الحكمة أن يقبل الصدق من أحد دون أحد, فالمسألة في الصدق ذاته بغض النظر عن قائلهحديث القرآن عن الصدق حديث عظيم, ونحن في حاجة إلي العظمة في كل شيء ومن جوانب هذا الحديث قول الله ـ عز وعلا ـ وقالت اليهود لست النصاري علي شيء وقالت النصاري ليست اليهود علي شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. وفي ذلك قال العلماء في درس التعليم لتلاميذهم: من الذين صدقوا ودخلوا النار, ومن الذين كذبوا ودخلوا الجنة؟ يقصدون اليهود والنصاري حيث قالوا ما سجله القرآن الكريم, فقد صدق اليهود حين قالوا: ليست النصاري علي شيء, وصدق النصاري حين قالوا: ليست اليهود علي شيء, مع أنهم يتلون الكتاب, فالتوراة تأمر بتصديق عيسي, والإنجيل يأمر بتصديق موسي, فمن كتم ما أنزل الله ليس علي شيء من الحق والصدق, قال المفسرون: وهذه أصدق مقالة قالتها اليهود والنصاري. ويقصدون بالذين كذبوا ودخلوا الجنة إخوة يوسف, حيث جاءوا علي قميصه بدم كذب, وقالوا لأبيهم: إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين, وقد تابوا وطلبوا من أبيهم بعد أن عفا عنهم أخوهم أن يستغفر لهم الله, وقد كان. والصدق بناء علي آية البقرة وقالت اليهود.... دليل علي أن الكذاب قد يخرج منه الصدق, وعلينا أن نؤمن بهذ ا الصدق متي ثبت, وعلي الكذاب وزره, وإثمه, ألا تري إلي سورة المنافقون في مطلعها, حيث يقول الله ـ عز وجل ـ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون. فهم حين قالوا: نشهد إنك لرسول الله كانوا كاذبين مع صدق العبارة, وفي حديث البخاري حين قال شيطان لأبي هريرة: اقرأ آية الكرسي لا يقربك شيطان, قال له النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ: صدقك وهو كذوب, إنه شيطان, وما أكثر الشياطين من الإنس الذين يصدقونك في القول وهم غير مؤمنين بما يقولون, وغير مصدقين بالصدق الذي عبروا عنه وصرحوا به, وفقه التدبر في آيات الله يرشدنا إلي أن نأخذ بالصدق حتي وإن كان صاحبه كذابا, وتلك قضية من القضايا المهمة في حياتنا, فلا نرد الصدق ونرفضه لأن صاحبه معلول كذاب, بدليل قوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ صدقك وهو كذوب. وذلك لأن الأخذ بالصدق فيه من الخير الكثير, وتفويته إضاعة لهذا الخير وليس من الحكمة التي هي مطلب كل مسلم أن يقبل الصدق من أحد دون أحد, فالمسألة في الصدق ذاته بغض النظر عن قائلة, وعلي قائله وزره وإثمه, لأنه صرح بما فيه منجاة له قبل غيره, وكان الأولي أن ينتفع به قبل أن يسربه إلي غيره, لكن طال بحث الناس في أحوال الصادق الكذوب, فبدل أن يأخذوا بصدقه لفظوا صدقه قائلين: لو كان صادقا لعمل بما يقول, تراه كذابا, وضيعوا الوقت في البحث عن ذلك, ومثال ذلك في حياتنا العملية المعاصرة مسألة الطبيب المدخن الذي يقول لمريض الصدر المدخن: حذار من التدخين, بينما يمسك السيجارة, ويشعلها من سيجارة أخري, يقول المريض: يا عم, ألا تري إلي يده وأثر التدخين في أصابعه, كيف ينهي مريضه عن التدخين وهو حريقة لقد ثبت ضرر التدخين والطبيب صادق في تحذيره, فإن كان ينصح غيره بالصدق وهو غير ملتزم به فليس في ذلك دليل علي أن التدخين نافع مفيد, فلو كان ضارا لامتنع عنه الطبيب. ونشأ بناء علي ذلك كلام كثير من القدوة, وقال الناس: إن الطبيب ينبغي أن يكون قدوة, والمعلم ينبغي أن يكون قدوة, وهذا شيء جميل في ذاته, لكنه صعب في تحقيقه, فلو كان كل ذي حرفة قدوة لما صرنا إلي ما صرنا إليه من ضعف وتخلف, ولو كان الصدق بالضرورة مرتبطا بصدق القائل لما قام علي الأرض بناء, ألا ترانا نقول باب النجار مخلع فهل معني ذلك أنه لا يجيد نجارة الأبواب المحكمة الجميلة, وهل لنا أن ننصرف عنه قائلين: ولماذا نستدعيه لعمل أبواب لنا مادام بابه مخلعا! لا يستقيم ذلك, فربما كان ذو الباب المخلع أمهر الناس في نجارة الأبواب, وهو حر في بابه. لقد وقف أحد الأساتذة عند محل ترزي, وقال لصاحبه الذي صحبه إلي ترزي أستاذ في حياكة الأثواب البلدي الجميلة وقال هنا! فقال صاحبه: وما هنا؟ قال: هنا أفصل ثيابي. قال صاحبه: لكنه ليس هذا الترزي الذي قلت لك عنه! قال: انظر إليه, إنه يرتدي ثوبا جميلا تفصيله, وهذا دليل علي أنه أستاذ, وأصر, وسلم الرجل القماش, ولما جاء يوم تسلمه وارتداه وجده غير صالح للاستعمال بالمرة, ضاع القماش, ولم يكن توب الترزي الجميل دليلا علي أستاذيته, واتضح له أن الترزي يلبس من تفصيل غيره, وقد تشتري سلعة من محل رفيع المستوي وتجدها دون المستوي, ظننت أن رفعة المكان دليل علي رفعة المكانة فما كان منك إلا أن لعنت الديكور والمظهر والموقع, وقد تدعي إلي شقة جميلة وتظن أنها ملك لصاحبها, وهي مستأجرة مفروش لمدة وجيزة, والصدق عنه بعيد, وقد تشتري سلعة من محل ضيق في حي شعبي, وتكون طيبة, ويكون بائعا صادقا, وإن بدا لك أنه لن يخرج من محله شيء عدل, فإذا بك تقر أن العدل كله عنده. فكم خدعت المظاهر الناس, في كل الأحوال, ومازال الناس يقولون الحكمة وهم عنها بعيدون, قالوا مايعجبكش الباب وتذويقه.. تلقاه من جوه ناشف ريقه, وهذه دعوة إلي التحقق والبحث والتحري, وعدم الأخذ بالمظاهر الكاذبة أو التي تحتمل الكذب, ومع ذلك يهرعون إلي الزينة والديكور, فإذا اكتشفوا أنهم وقعوا فريسة الشكل, وضحية الخداع التمسوا المعاذير, وقالوا: كانت بضاعته غالية, لأنه مسكين يدفع ضرائب, وأجور عمال, وتكييف, وغير ذلك حتي يخففوا من آلامهم.. ويشربوا حسرتهم بشيء من السكر, وقد قالت العرب قديما ما أقره الإسلام, حيث قالوا: أعط القوس باريها وهذا معني قولنا: إد العيش لخبازه والإسلام يقول كل ميسر لما خلق له, وتشجيع التخصص مبدأ من مباديء الدين, وما كان رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ في حاجة إلي براق ليلة الإسراء لكن أراد الحق ـ تعالي ـ أن يكون له سبب, مطية, ركوبة, وإن خرقت العادة, وتجاوزت حدود الزمن والمسافة لسرعته الفائقة بإرادة الله الذي يقول للشيء كن فيكون, والسبب: وسيلة نتوصل بها إلي غاية, ونحن أصحاب غاية في تلك الحياة, وليس من الإسلام تعطيل الغايات بالبحث في أشياء تعطلها, والإصرار علي أن يكون الصادق عاملا بما يقول, وصدق الله العظيم القائل: لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة فالقدوة الأم, والأساس إنما هي في رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ لأنه المعصوم, الذي يقول ويفعل, أما غيره ـ صلي الله عليه وسلم ـ فيؤخذ منه ويرد, ومناط الأمر ولبه تحقيق مايقال, ولا يؤخذ سلوك المرء دليل صدقه, فقد يصدق وهو كذوب, أنت تدخل المسجد وتصلي خلف إمام لا تعرف سلوكه, لكن الصلاة صحيحة لصحة أركانها وأعمالها, وهو أقرأ الناس ولقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: يؤم الناس أقرأهم وقد أجمع الفقهاء علي صحة الصلاة خلف إمام يؤخذ عليه في سلوكه مالا يليق, المهم ألا يكون بين الفساد, ظاهر الفسق, وذلك لشرف الإمامة, لكنه لا يشترط فيه الكمال الذي هو لله وحده* * د. مبروك عطية أستاذ ورئيس قسم اللغويات ــ كلية الدراسات الإسلامية ـ جامعة الأزهر |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|