
|
حسبى الله الرجل الطيب |
 | |
داود الفرحان لم يكن هناك مجال أوسع لضحكة ملأت وجه رئيس الوزراء العراقي المؤقت إياد علاوي وهو يشاهد وقوف أعضاء الكونجرس الأمريكي علي أقدامهم مصفقين له بحرارة في أول زيارة يقوم بها للولايات المتحدة بعد توليه المسئولية. كان تصفيق الأعضاء من النوع اللافت للنظر, وقد تم علي الطريقة العربية التي نعرفها جيدا في التصفيق للحكام والهتاف بأسمائهم. لم يكن ينقص المشهد الذي نقلته عشرات المحطات الفضائية العربية والأجنبية إلا وقوف نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني لإلقاء أبيات من شعر المديح وقيام الحضور بترديد الهتاف الشهير: بالروح بالدم. ذهب علاوي إلي الكونجرس لدعم حملة الرئيس بوش الانتخابية, فرد الكونجرس الجميل له بدعم حملة علاوي الانتخابية المقرر إجراؤها في يناير المقبل. إنه طريق باتجاهين أحدهما يؤدي إلي البيت الأبيض والثاني إلي المنطقة الخضراء. ولعل القارئ انتبه إلي استخدام الألوان في الحالتين رغم أن المشهد العراقي كله يشير إلي عمي ألوان شامل. كان رئيس الوزراء العراقي المؤقت كريما في توجيه الشكر إلي الأمريكيين الذين احتلوا العراق. قال لهم من علي منصة الكونجرس:' جئت إلي هنا لأشكركم وأعدكم أن تضحياتكم لن تذهب سدي. لا توجد تعابير تصف امتنان الأجيال المقبلة من العراقيين للأمريكيين'. وجاء رد الرئيس الأمريكي بوش سريعا بعد ساعة واحدة في مؤتمر صحفي مشترك وصف فيه إياد علاوي بأنه' رجل طيب'. والرجل الطيب يعني بالمفهوم العربي: أنه علي نياته. وبالمفهوم الخبيث: أنه ساذج. وبالمفهوم الأخبث: أنه مغفل.ولأننا نعرف أن رئيس الوزراء العراقي المؤقت ليس علي نياته, وليس ساذجا, وليس مغفلا, فلا يبقي أمامنا إلا التسليم بالمعني الذي يقصده بوش وهو أنه طيب إلي درجة يشكر فيها الأمريكيين علي احتلالهم العراق وتدميره والتنكيل بشعبه.وإلا فما معني أن يقول علاوي:' إننا في حال أفضل'؟ ماهو الحال الأفضل الذي يقصده المسئول العراقي وهو يتحدث بالإنجليزية في خطاب لم يسبق له مثيل؟ بالعربي والإنجليزي: الحال الأفضل هو وجود أكثر من150 ألف جندي أجنبي في العراق, وأكبر سفارة أمريكية في مقر القصر الجمهوري العراقي, ودولة بلا حدود ولا سيادة, ونفط منهوب, وأمن مفقود, وقانون غائب, ومعتقلات مليئة, وقصف يومي للمدن والشوارع, وميليشيات تزرع الرعب والعنف والحقد والثأر, ومحاصصات طائفية وعنصرية متخلفة, وفيدرالية انفصالية وعرقية, وجواسيس من كل الجنسيات, ووجود صهيوني متزايد, ومصافحة علنية بين علاوي ووزير الخارجية الإسرائيلي في الأمم المتحدة.ولعل هذه المصافحة هي السبب الرئيسي لكل هذا الترحيب والتصفيق الذي لقيه رئيس الوزراء المؤقت من قبل الكونجرس والرئيس الأمريكي. وهي المصافحة التي تؤكد أن زيارة مثال الألوسي, القيادي في حزب المؤتمر الوطني العراقي الذي يتزعمه الدكتور أحمد الجلبي ومسئول الارتباط بين رئاسة الجمهورية العراقية ومجلس الوزراء العراقي, لإسرائيل لم تكن مجرد فكرة طارئة خطرت علي بال شخص يدعي مثال الألوسي.. الذي أصبح أسوأ مثال للحكم الجديد في بغداد. هل الحال الأفضل هو احتجاز رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء وبيوت كبار المسئولين, ومعها السفارتان الأمريكية والبريطانية, خلف الأسوار الكونكريتية العالية في المنطقة الخضراء؟ هل الحال الأفضل هو معاناة الشعب العراقي من الاحتلال والعنف والدمار والقتل المجاني والإذلال والعذاب؟ هل الحال الأفضل هو مجئ إياد علاوي وذهاب صدام حسين؟ لقد تفاخر علاوي, ثم الرئيس الأمريكي, بأنه تم في العام الدراسي الجديد في العراق توزيع مليون كتاب علي التلاميذ. إلا أن أعضاء الكونجرس لا يعلمون أن صدام حسين, الديكتاتور السابق, كان يوزع أكثر من عشرين مليون كتاب مدرسي مجاني سنويا علي طلبة المدارس وبضمنهم الطلبة الأكراد في شمالي العراق. أما المدارس والمستشفيات والعيادات الشعبية التي يتباهي الاثنان بإعادة إعمارها فقد دمرتها الغارات الأمريكية في الحرب العدوانية وليس النظام السابق. ثبت في ذلك الاحتفال الاستثنائي أن علاوي لم يكن' الرجل الطيب' الوحيد. كان كل أعضاء الكونجرس' طيبين' لأنهم صدقوا تلك الخطب والتصريحات, مثلما صدقوا من قبل أن الحرب علي العراق هي حرب تحرير. ويريد منا اليوم رئيس الورزاء العراقي المؤقت أن نصدق ما قاله من' أن المقاومة العراقية ليست إلا مجموعة من القتلة لا تمثل إلا نسبة صغيرة من أصل27 مليون نسمة', أما المحتلون الأمريكيون فهم مجموعة من الملائكة.
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|