393‏السنة 123-العدد2004اكتوبر2‏18 شعبان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

حديث العالم
أسطورة كيرك كيركوريان‏...!‏

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


قلت ذات مرة شرفت فيها بالحديث مع الأستاذ محمد حسنين هيكل إن كتاباته دائما تشير إلي ما قالته شخصيات سياسية تاريخية في القرن التاسع عشر‏,‏ أو في الأغلب في القرن العشرين خاصة تشرشل وديجول وخروشوف ومونتجمري وأمثالهم‏.‏ وتساءلت لماذا لا يجرب مرة الحديث عن نجوم العصر الحديث من أمثال بيل جيتس وتيرنر وأياكوكا ومردوخ وغيرهم ممن يقررون مصير العالم المعاصر بطريقة مختلفة تماما‏.‏ وساعتها بانت الحيرة علي وجه الأستاذ وقال أين توجد السياسة فيما يفعلون‏,‏ وكما أعتقد أنه كان يقصد بالسياسة وسائل استخدام القوة لتغيير مصائر وخرائط وأقاليم‏.‏ وساعتها لم أعلق كثيرا فعندما تكون في حضرة الأستاذ فإن الاستماع واجب لتيار متدفق من المعلومات والتحليلات النافذة والناقدة‏.‏
ولكن عالم اليوم لا يقرره الساسة والجنرالات وحدهم‏,‏ وربما كان ذلك هو الحال في كل العصور‏,‏ فربما كانت أدوار علماء من أمثال كوبرنيكس وابن سينا وجاليليو ونيوتن وإنشتين وأحمد زويل‏,‏ وأدوار شركات من أمثال شركة الهند الشرقية وميكروسوفت و‏CNN‏ لها من التأثير علي تشكيل التاريخ بأكثر بكثير من حركة الدبلوماسيين وتحركات الفرق والفيالق‏.‏ وفي عالم اليوم فربما كانت أدوات ـ من الأفراد والشركات والمنظمات الأهلية ـ غير سياسية في الظاهر هي التي تركب وتشكل السياسة في عالم اليوم‏.‏ وربما كانت مشكلتنا في العالم العربي أننا نركز أكثر من اللازم علي بوش وكيري‏,‏ وشرودر وبلير‏,‏ وعلي العلاقات الجيو سياسية والجيوستراتيجية‏,‏ بأكثر مما نعطي اهتماما لعلاقات الاعتماد المتبادل والتحالفات الجيو اقتصادية‏,‏ والجيو ثقافية التي تجري في دنيانا‏.‏ وأسباب ذلك معروفة فنحن دول حديثة‏,‏ والفضيلة السياسية الأساسية لدينا هي مقاومة الاستعمار‏,‏ والطبقة السياسية منشغلة بالسيادة وأساليب تثبيت الهوية القومية‏.‏
مناسبة الحديث المباشرة هي خبر جاء سريعا بين الأخبار يقول بأن شركة سوني العالمية قامت بشراء شركة مترو ـ جولدن ـ ماير الأمريكية‏,‏ ولكن الخبر ليس عملية تجارية واستثمارية‏,‏ وإنما تعبير عن تيار للاندماج والتركيز في شركات التسلية العالمية أو ما يقال عنه باللغة الإنجليزية‏Entertainment‏ والتي تشمل مجالات ثقافية وإعلامية ومعلوماتية عديدة‏.‏ وهو تيار لا يختلف عما يجري حاليا في مجالات متعددة‏.‏ فمن يراقب عالم صناعة السيارات سوف يجد اتجاها مماثلا نحو تركيز الصناعة في عدد محدود من الشركات العظمي‏,‏ ومن يراقب عالم الطيران سوف يجد اتجاها بالتحالفات والملكية والدمج لكي تبقي مجموعات محدودة من الشركات‏.‏ وفي عالم السيارات تبدو الشركات المرشحة جنرال موتورز وفورد الأمريكيتان‏,‏ مرسيدس بنز الألمانية التي اشترت كريزلر الأمريكية ومعها فولكس واجن الألمانية أيضا وربما بيجو الفرنسية من أوروبا‏,‏ وتويوتا أو هوندا اليابانية ومعها دايو الكورية‏.‏ وهكذا في مجالات الإلكترونيات‏(‏ سوني وتوشيبا وباناسونيك وسامسونج‏),‏ والفنادق وغيرها‏,‏ وفي جميع الأحوال فإن الشركات الجديدة العملاقة تكون فيه شركة أو شركتان من أمريكا الشمالية‏,‏ وواحدة أو اثنتان من أوروبا‏,‏ وواحدة من اليابان‏,‏ وبعد ذلك واحدة أو اثنتان من بقية العالم علي الأرجح من كوريا الجنوبية أو الهند أو الصين‏.‏
ولكن كما يبدو فإن علاقات الشركات‏,‏ وتنافساتها‏,‏ لا تعكس بالضرورة علاقات وتنافسات الدول‏,‏ وعندما تحدث البعض منا عن بيع نسبة‏40%‏ من شركة مصر للطيران بدا الأمر كما لو كان بيعا للسيادة‏,‏ وعندما قامت شركة عربية بشراء عدد من الأفلام وإنتاج مطربين مصريين جري القول عن اغتيال الفن المصري بيد أجنبية‏.‏ مثل ذلك يتآكل بسرعة مخيفة في الساحة الاقتصادية العالمية‏,‏ فشراء شركة سوني لشركة مترو ـ جولدن ـ ماير لم يعتبر غزوا ثقافيا يابانيا لأمريكا‏,‏ وتكريسا لهيمنة شركة هوندا للسيارات علي سوق السيارات الأمريكية‏.‏
مثل هذا العالم من التحالفات والصفقات والأسواق الجديدة يقام بفضل شخصيات تاريخية تعرف جيدا أبعاد العولمة وحركة الفضاء الكونية للسلع والبضائع والأفكار وحتي المشاعر‏,‏ ومنها كيرك كيركوريان الذي اشتري شركة مترو ـ جولدن ـ ماير وباعها ثلاث مرات‏.‏ وبغض النظر عن الثروة التي كونها قبل صفقته الأخيرة وقدرها خمسة مليارات دولار‏,‏ أو حتي العائد الذي سوف يعود عليه من صفقة البيع الجديدة والمقدرة بثلاثة مليارات ونصف المليار دولار إضافية فإن القضية هي التأثير الذي يقوم به مثل هذا الرجل في تشكيل العالم من جديد‏.‏ وفي هذه المرة فإن التشكيل لا يخص سلعة مثل سيارات الركوب‏,‏ أو خدمة مثل طائرات النقل‏,‏ ولكنه يخص صناعة الثقافة ذاتها‏.‏
وفي السبعينيات ظهر فيلم أمريكي عنوانه الشبكة التليفزيونية أو‏Network‏ ـ بطولة وليم هولدن وفاي دوناوي ـ وكان الفيلم احتجاجا علي قيام العرب بشراء أمريكا‏,‏ واستهجانا للرأسمالية الأمريكية التي تبيع الدولة لأمراء النفط‏.‏ في هذه المرة فإن هذا الاحتجاج لم يحدث إطلاقا‏,‏ ومن المدهش أن الاحتجاج جاء ضد العرب مرة أخري علي يد المخرج مايكل مور ـ فهرنهايت‏9/11‏ ـ الذي وجد أن‏800‏ مليار من الاستثمارات السعودية في أمريكا ربما كانت السبب في حدوث ما حدث في‏11‏ سبتمبر‏.2001‏ ولكن مايكل مور الذي أعجب الكثير من العرب لأنه ينتقد الرئيس الأمريكي جورج بوش لم يقل كلمة واحدة عن الاستثمارات اليابانية والكورية والهولندية والألمانية وحتي الفرنسية في أمريكا‏,‏ لأنه لم يعد هناك سبب للاحتجاج عليها في إطار عملية الاندماج العالمية التي تجري بين الدول الصناعية المتقدمة‏.‏
وربما يعجب بعضنا بأن كيرك كيركوريان قد حقق ما حققه من مكاسب في صفقة سوني وهو في سن السابعة والثمانين‏,‏ وربما يعجب أكثر بدوره في تنمية الشركة التي كانت قبله وبعده واحدة من العلامات الأمريكية مثلها مثل السروال الجينز وشطيرة الهامبورجر وفطيرة التفاح‏,‏ وربما يعجب أكثر عندما يري الصفقة مع سوني سبيلا ليس لتغيير الثقافة الأمريكية وإنما سبيل لها إلي عوالم أخري بطريقة أكثر كفاءة وتكنولوجيا متقدمة جاءت بها شركة سوني‏.‏ ولكن كان هناك سبب إضافي للإعجاب بصاحب المليارات وهي حياته المتقشفة تماما‏,‏ وهو الذي توجد في حياته حفلات استقبال مثيرة‏,‏ أو أساطيل من السيارات الفارهة فيما عدا عربته البسيطة التي كان آخرها جراند شيروكي‏,‏ وحتي عندما كانت شركته تنتج فيلما‏,‏ فقد كان يذهب لمشاهدته في واحدة من دور السينما القريبة بعد دفع ثمن التذكرة‏.‏
مثل هذه التجارب والأساطير من البشر هي التي تشكل عالم اليوم‏,‏ وربما تبدو العراق وأحداثها وفواجعها وحتي تأثيراتها علي الانتخابات الأمريكية جزءا مهما من حركة التاريخ‏,‏ ولكن ما لا يقل أهمية عن عمليات المقاومة والذبح في بغداد‏,‏ فإن التكنولوجيا الجديدة التي أتت بها شركة سوني إلي مترو ـ جولدن ـ ماير والمعروفة بالشعاع الأزرق ربما كانت تأثيراتها التاريخية لا تقل عمقا‏.‏ وربما آن الأوان لرؤية أكثر توازنا للعالم‏!.‏


للرد على المقال أضغط هنا