
|
مأزق الإعلام المصري وكارثته: لغة القمع ولغة الحرية |
 | |
نبيل عبد الفتاح هل يمكن للإعلام المرئي والمكتوب والمقروء الرسمي, أن يصطنع صورا للحياة المصرية السياسية والاجتماعية والثقافية, ذات طبيعة ريادية, وأن ينتج إنجازات سياسية وإصلاحات اقتصادية علي خلاف كل حقائق الواقع اليومي لحياة الناس. هل يمكن تطوير مضمون الرسالة الإعلامية لتعكس ريادة وثراء وتنوع الثقافة المصرية؟ هل يتحقق هذا التطوير, مع ضرورة أن تواكب هذه الرسالة توجهات القيادة السياسية وجهودها علي طريق الإصلاح, وتعميق الديمقراطية؟ كما يقال في لغة الوزراء, وكبار الموظفين في جهازي الإذاعة والتليفزيون, وهي لغة يعاد إنتاجها, وتوزيعها, وتخاطب بإلحاح القيادة السياسية, وكأن إبداع لغة جديدة لتعبير الوزير, أو الموظف الكبير, عن رأيه في الرسالة الإعلامية ومضمونها, إلي آخر هذه التعبيرات الاصطلاحية قد يعرضه لخطأ الخروج علي سياجات, وضوابط الصراط اللغوي والإنشائي الرسمي المستقيم؟ لماذا استقبلت عناصر عديدة في الجماعتين الثقافية والإعلامية المصرية, بعض شعارات النظام الإعلامية, بالسخرية واللامبالاة, كقول بعضهم سابقا, ولاحقا بالريادة الإعلامية, والمشروعات الإعلامية ضخمة التكاليف, وفيرة الإنتاج والرسالة الإعلامية التي يتحدثون كثيرا عن تطوير مضمونها!! لغة شعاراتية بائسة الشكل والمحتوي والبلاغة, وتعكس تدهورا وتراجعا عن متابعة التطور في مجال الدراسات الإعلامية, وحقولها المتعددة, وأبعادها المعرفية والاصطلاحية الجديدة. أخطر ما في هذه اللغة, هو مواردها المرجعية التي تتناسل من مفاهيم سلطوية, وإعلام التعبئة السياسية, والقمع المعنوي الذي يركز علي رسالة إعلامية واحدية, كأننا في عالم تنظيم وحزب الأخ الكبير الأورويلي ـ نسبة إلي جورج أورويل ـ وكوابيسه الوحشية!! رسالة إعلامية تتحدث عن ريادة وتنوع الثقافة المصرية, وتوجهات القيادة السياسية وجهودها علي طريق الإصلاح, وتعميق الديمقراطية, كيف يمكن تحقيق أمور لا توجد عليها دلائل ومؤشرات جدية, الشعار الأول عن ريادة تاريخية, يحفظه الجمهور العربي كشعار شوفيني, بل إن محاولة إبراز الثقافة المصرية في الخطابات الإعلامية الرسمية وقيامها بدور مركزي وريادي, شعار تصفه غالبية الجماعات الثقافية العربية, بالإمبريالية الثقافية المصرية, وبات كل خطاب يدور حول محورية ومركزية وريادة وطليعية الثقافة المصرية, يواجه بالسخرية والازدراء, لأن مؤشرات الحالة الثقافية المصرية, الاستعراضية لا تشير إلا إلي بعض الحضور الكمي الرسمي ـ مع استثناء الإنتاج الفردي ـ إزاء إنتاج ثقافي عربي, ينطوي علي إلماعات متميزة عن بعض نظائرها المصرية! الإنتاج الأكاديمي المدرسي, يتسم بالتدهور, والتراجع في بعض المجالات التي كانت مميزة, كالقانون والعلوم السياسية, وثمة اختراقات عربية مهمة في مجالات الفلسفة, والنقد الأدبي, وعلم الاجتماع, واللغات الشرقية! أما إنتاج الجامعات الريفية ـ أو الإقليمية وفق التعبير الذائع ـ يمثل بعضه كارثة علمية وأخلاقية, ويكاد يفلت من هذا التقويم الصارخ إلا بعض الإنتاج القانوني, بعض رجال الفقه القانوني في كلية الحقوق بجامعة المنصورة, عن أي ريادة إذن تتحدث الرسالة الإعلامية الرسمية؟ خذ مثلا علي تراجع المكانة الإقليمية الثقافية في ميدان تقليدي, هو الإنتاج الأزهري, والحقوقي في مجال العلوم الدينية, والإسلامية, كل دولة عربية, أصبح لها إنتاجها ووعاظها, فضلا عن محاولات دول عديدة منافسة ومزاحمة, وتوظيف مركز الإسلام السني العربي ـ الأزهر ـ من خلال نظم الإعارة ونشر الكتب, والعمل بالوعظ, والإدلاء بالأحاديث التلفازية والإذاعية, والفضائيات, والكتابة في الصحف والمجلات العربية.. إلخ. إن مقارنة بعض الدراسات العربية الصادرة في مجال العلوم الإسلامية الكلاسيكية في الفقه المقارن, والتاريخ الإسلامي, والمذاهب, تكشف عن إنتاج لامع, وتجديدي, في المغرب كدراسات محمد الخمليشي وصحبه, وبعض البحوث عن الفقه المقاصدي والمؤسسي علي المذهب المالكي وفقهائه, ودراسات محمد الشرفي وعبدالمجيد الشرفي, وصحبه وتلاميذه المجيدين بتونس كالزميلة ناجية الوريمي, ودراسات الحوار الديني الإسلامي ـ المسيحي في لبنان, وما قام به الصديق الكبير البروفيسور كمال الصليبي في المعهد الملكي للدراسات الدينية بالأردن, إنتاج يصعب أن تقارن به بعض الأعمال والأنشطة الدراسية, والبحثية داخل المؤسسة الرسمية, إلا فيما ندر من أعمال فردية. وهنا نطرح سؤالا: هل يمكن أن ننسب إنتاج الأفراد من المبدعين, والمفكرين والباحثين في الهوامش الإبداعية المصرية, إلي ثقافة المؤسسة وسياساتها؟ بالقطع لا, والتوهج الساطع لأصوات روائية وقصصية وشعرية وكتابية لأجيال عديدة, هي في غالبها خارج المؤسسة, وضدها حتي وإن تعامل بعضهم معها أحيانا! هي أعمال تنسب لمنتجيها, ولا يمكن أن توضع تحت الشعارات الصاخبة للمؤسسة. لا ينتبه بعض مرددي اللغة الخشبية المصرية إنهم يستخدمون بعض التعبيرات الكاشفة مثل طريق الإصلاح أي عن طريق غير محدد الزمان والمكان والعناوين! إنها لغة عماء سياسي وغموض دلالي مبين! وأين بدأ أو يبدأ الطريق؟ وأين نحن داخل هذا الطريق المتاهة؟ وما الذي تحقق داخل هذا الطريق؟ ومن الذي سار فيه سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا؟ أما تعميق الديمقراطية, فهو تعبير إنشائي, يستخدم كثيرا في لغة كتبة الخطابات الرسمية, ويردده بعض الكتبة الحكوميين الكبار ـ في السن طبعا ـ في الصحف, وأجهزة الإعلام المرئية والمسموعة؟ وهذا التعبير يشير إلي أن الخطب السياسية التي أصابتنا بالضجر من منتصف السبعينيات, وحتي الخطب الإنشائية في مؤتمر الحزب الوطني الثاني, لم تكن سوي لغو علي لغو في مجال الجد! ما يقرب من ثلاثة عقود, وحديث متكرر عن تعميق الديمقراطية؟ لا أحد يعرف ما هي هذه الديمقراطية, ولا المثال الذي تستلهمه نخبة الحكم السلطوية, وما هي الإجراءات والتدابير المطلوبة لإنجازها؟ وهل نغير الوثيقة الدستورية المهترأة لانفصالها عن الواقع وتطوراته؟ وهل سنستمر إلي الأبد حتي تتعمق هذه الديمقراطية المتخيلة مجهولة النسب؟! إنها لغة إنشائية, تبدو وكأنها محاولة لتجميل وجوه قبيحة وشائهة للنظام والحزب الحاكم! نعم من خلال الماكياج السياسي عبر أحدث الأنظمة الاتصالية والرقمية, لكن هذا التجميل لن يكون بديلا عن الواقع! إعلان الحزب بالتليفزيون ـ من دفع ثمن البث عبر التليفزيون؟ وكم ساعة بث وما كلفتها؟ والإخراج الماكياجي للافتتاح والختام؟ من الذي دفع ثمنه؟ هل تعطي نفس مساحات البث لأحزاب المعارضة والقوي السياسية الأخري, وفق مبدأ الحريات الإعلامية؟ بالطبع لا! إن أحد أبرز مشاكل اللغة السياسية المثقوبة لهذه الأجيال من العاملين بالسياسة الحكومية, هي أنها تعبير عن الاتباع لا الإبداع, وتخاطب رئيس الجمهورية ـ وهو ليس بحاجة لهذا اللغو قط! مع كل الاحترام والتقدير ـ ولا تخاطب جمهورا متعدد الانتماءات الاجتماعية والفكرية والقيمية والسياسية, إنها لغة القمع والتعبئة لا لغة الحرية والإبداع, والتنوع وعدم الادعاء!
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|