393‏السنة 123-العدد2004اكتوبر2‏18 شعبان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مأزق الإعلام المصري وكارثته‏:‏
لغة القمع ولغة الحرية

نبيل عبد الفتاح


هل يمكن للإعلام المرئي والمكتوب والمقروء الرسمي‏,‏ أن يصطنع صورا للحياة المصرية السياسية والاجتماعية والثقافية‏,‏ ذات طبيعة ريادية‏,‏ وأن ينتج إنجازات سياسية وإصلاحات اقتصادية علي خلاف كل حقائق الواقع اليومي لحياة الناس‏.‏
هل يمكن تطوير مضمون الرسالة الإعلامية لتعكس ريادة وثراء وتنوع الثقافة المصرية؟
هل يتحقق هذا التطوير‏,‏ مع ضرورة أن تواكب هذه الرسالة توجهات القيادة السياسية وجهودها علي طريق الإصلاح‏,‏ وتعميق الديمقراطية؟ كما يقال في لغة الوزراء‏,‏ وكبار الموظفين في جهازي الإذاعة والتليفزيون‏,‏ وهي لغة يعاد إنتاجها‏,‏ وتوزيعها‏,‏ وتخاطب بإلحاح القيادة السياسية‏,‏ وكأن إبداع لغة جديدة لتعبير الوزير‏,‏ أو الموظف الكبير‏,‏ عن رأيه في الرسالة الإعلامية ومضمونها‏,‏ إلي آخر هذه التعبيرات الاصطلاحية قد يعرضه لخطأ الخروج علي سياجات‏,‏ وضوابط الصراط اللغوي والإنشائي الرسمي المستقيم؟
لماذا استقبلت عناصر عديدة في الجماعتين الثقافية والإعلامية المصرية‏,‏ بعض شعارات النظام الإعلامية‏,‏ بالسخرية واللامبالاة‏,‏ كقول بعضهم سابقا‏,‏ ولاحقا بالريادة الإعلامية‏,‏ والمشروعات الإعلامية ضخمة التكاليف‏,‏ وفيرة الإنتاج والرسالة الإعلامية التي يتحدثون كثيرا عن تطوير مضمونها‏!!‏
لغة شعاراتية بائسة الشكل والمحتوي والبلاغة‏,‏ وتعكس تدهورا وتراجعا عن متابعة التطور في مجال الدراسات الإعلامية‏,‏ وحقولها المتعددة‏,‏ وأبعادها المعرفية والاصطلاحية الجديدة‏.‏
أخطر ما في هذه اللغة‏,‏ هو مواردها المرجعية التي تتناسل من مفاهيم سلطوية‏,‏ وإعلام التعبئة السياسية‏,‏ والقمع المعنوي الذي يركز علي رسالة إعلامية واحدية‏,‏ كأننا في عالم تنظيم وحزب الأخ الكبير الأورويلي ـ نسبة إلي جورج أورويل ـ وكوابيسه الوحشية‏!!‏ رسالة إعلامية تتحدث عن ريادة وتنوع الثقافة المصرية‏,‏ وتوجهات القيادة السياسية وجهودها علي طريق الإصلاح‏,‏ وتعميق الديمقراطية‏,‏ كيف يمكن تحقيق أمور لا توجد عليها دلائل ومؤشرات جدية‏,‏ الشعار الأول عن ريادة تاريخية‏,‏ يحفظه الجمهور العربي كشعار شوفيني‏,‏ بل إن محاولة إبراز الثقافة المصرية في الخطابات الإعلامية الرسمية وقيامها بدور مركزي وريادي‏,‏ شعار تصفه غالبية الجماعات الثقافية العربية‏,‏ بالإمبريالية الثقافية المصرية‏,‏ وبات كل خطاب يدور حول محورية ومركزية وريادة وطليعية الثقافة المصرية‏,‏ يواجه بالسخرية والازدراء‏,‏ لأن مؤشرات الحالة الثقافية المصرية‏,‏ الاستعراضية لا تشير إلا إلي بعض الحضور الكمي الرسمي ـ مع استثناء الإنتاج الفردي ـ إزاء إنتاج ثقافي عربي‏,‏ ينطوي علي إلماعات متميزة عن بعض نظائرها المصرية‏!‏ الإنتاج الأكاديمي المدرسي‏,‏ يتسم بالتدهور‏,‏ والتراجع في بعض المجالات التي كانت مميزة‏,‏ كالقانون والعلوم السياسية‏,‏ وثمة اختراقات عربية مهمة في مجالات الفلسفة‏,‏ والنقد الأدبي‏,‏ وعلم الاجتماع‏,‏ واللغات الشرقية‏!‏ أما إنتاج الجامعات الريفية ـ أو الإقليمية وفق التعبير الذائع ـ يمثل بعضه كارثة علمية وأخلاقية‏,‏ ويكاد يفلت من هذا التقويم الصارخ إلا بعض الإنتاج القانوني‏,‏ بعض رجال الفقه القانوني في كلية الحقوق بجامعة المنصورة‏,‏ عن أي ريادة إذن تتحدث الرسالة الإعلامية الرسمية؟ خذ مثلا علي تراجع المكانة الإقليمية الثقافية في ميدان تقليدي‏,‏ هو الإنتاج الأزهري‏,‏ والحقوقي في مجال العلوم الدينية‏,‏ والإسلامية‏,‏ كل دولة عربية‏,‏ أصبح لها إنتاجها ووعاظها‏,‏ فضلا عن محاولات دول عديدة منافسة ومزاحمة‏,‏ وتوظيف مركز الإسلام السني العربي ـ الأزهر ـ من خلال نظم الإعارة ونشر الكتب‏,‏ والعمل بالوعظ‏,‏ والإدلاء بالأحاديث التلفازية والإذاعية‏,‏ والفضائيات‏,‏ والكتابة في الصحف والمجلات العربية‏..‏ إلخ‏.‏
إن مقارنة بعض الدراسات العربية الصادرة في مجال العلوم الإسلامية الكلاسيكية في الفقه المقارن‏,‏ والتاريخ الإسلامي‏,‏ والمذاهب‏,‏ تكشف عن إنتاج لامع‏,‏ وتجديدي‏,‏ في المغرب كدراسات محمد الخمليشي وصحبه‏,‏ وبعض البحوث عن الفقه المقاصدي والمؤسسي علي المذهب المالكي وفقهائه‏,‏ ودراسات محمد الشرفي وعبدالمجيد الشرفي‏,‏ وصحبه وتلاميذه المجيدين بتونس كالزميلة ناجية الوريمي‏,‏ ودراسات الحوار الديني الإسلامي ـ المسيحي في لبنان‏,‏ وما قام به الصديق الكبير البروفيسور كمال الصليبي في المعهد الملكي للدراسات الدينية بالأردن‏,‏ إنتاج يصعب أن تقارن به بعض الأعمال والأنشطة الدراسية‏,‏ والبحثية داخل المؤسسة الرسمية‏,‏ إلا فيما ندر من أعمال فردية‏.‏
وهنا نطرح سؤالا‏:‏ هل يمكن أن ننسب إنتاج الأفراد من المبدعين‏,‏ والمفكرين والباحثين في الهوامش الإبداعية المصرية‏,‏ إلي ثقافة المؤسسة وسياساتها؟
بالقطع لا‏,‏ والتوهج الساطع لأصوات روائية وقصصية وشعرية وكتابية لأجيال عديدة‏,‏ هي في غالبها خارج المؤسسة‏,‏ وضدها حتي وإن تعامل بعضهم معها أحيانا‏!‏ هي أعمال تنسب لمنتجيها‏,‏ ولا يمكن أن توضع تحت الشعارات الصاخبة للمؤسسة‏.‏
لا ينتبه بعض مرددي اللغة الخشبية المصرية إنهم يستخدمون بعض التعبيرات الكاشفة مثل طريق الإصلاح أي عن طريق غير محدد الزمان والمكان والعناوين‏!‏ إنها لغة عماء سياسي وغموض دلالي مبين‏!‏ وأين بدأ أو يبدأ الطريق؟ وأين نحن داخل هذا الطريق المتاهة؟ وما الذي تحقق داخل هذا الطريق؟ ومن الذي سار فيه سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا؟ أما تعميق الديمقراطية‏,‏ فهو تعبير إنشائي‏,‏ يستخدم كثيرا في لغة كتبة الخطابات الرسمية‏,‏ ويردده بعض الكتبة الحكوميين الكبار ـ في السن طبعا ـ في الصحف‏,‏ وأجهزة الإعلام المرئية والمسموعة؟ وهذا التعبير يشير إلي أن الخطب السياسية التي أصابتنا بالضجر من منتصف السبعينيات‏,‏ وحتي الخطب الإنشائية في مؤتمر الحزب الوطني الثاني‏,‏ لم تكن سوي لغو علي لغو في مجال الجد‏!‏ ما يقرب من ثلاثة عقود‏,‏ وحديث متكرر عن تعميق الديمقراطية؟ لا أحد يعرف ما هي هذه الديمقراطية‏,‏ ولا المثال الذي تستلهمه نخبة الحكم السلطوية‏,‏ وما هي الإجراءات والتدابير المطلوبة لإنجازها؟ وهل نغير الوثيقة الدستورية المهترأة لانفصالها عن الواقع وتطوراته؟ وهل سنستمر إلي الأبد حتي تتعمق هذه الديمقراطية المتخيلة مجهولة النسب؟‏!‏ إنها لغة إنشائية‏,‏ تبدو وكأنها محاولة لتجميل وجوه قبيحة وشائهة للنظام والحزب الحاكم‏!‏ نعم من خلال الماكياج السياسي عبر أحدث الأنظمة الاتصالية والرقمية‏,‏ لكن هذا التجميل لن يكون بديلا عن الواقع‏!‏ إعلان الحزب بالتليفزيون ـ من دفع ثمن البث عبر التليفزيون؟ وكم ساعة بث وما كلفتها؟ والإخراج الماكياجي للافتتاح والختام؟ من الذي دفع ثمنه؟ هل تعطي نفس مساحات البث لأحزاب المعارضة والقوي السياسية الأخري‏,‏ وفق مبدأ الحريات الإعلامية؟ بالطبع لا‏!‏ إن أحد أبرز مشاكل اللغة السياسية المثقوبة لهذه الأجيال من العاملين بالسياسة الحكومية‏,‏ هي أنها تعبير عن الاتباع لا الإبداع‏,‏ وتخاطب رئيس الجمهورية ـ وهو ليس بحاجة لهذا اللغو قط‏!‏ مع كل الاحترام والتقدير ـ ولا تخاطب جمهورا متعدد الانتماءات الاجتماعية والفكرية والقيمية والسياسية‏,‏ إنها لغة القمع والتعبئة لا لغة الحرية والإبداع‏,‏ والتنوع وعدم الادعاء‏!‏


للرد على المقال أضغط هنا