
|
ضابط حرس الحدود: العراق مريض.. أعلنوا وفاته لترحموه
فوضي وموت مجــــاني في بلاد الرافدين! |
رسالة العراق: أشرف العشري يقولون إن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة, لكن طريق الذهاب إلي العراق امتد لأكثر من1600 كيلومتر خلال الأربعة أيام الأولي متجولا في غالبية محافظات ومدن شمال العراق, ابتداء من دهوك ومرورا بأربيل والسليمانية, وصولا إلي كركوك والموصل أشد مدن الشمال خطورة, حيث لاتزال بعض أعمال التفجيرات تدوي صباح مساء وتطالعك أسراب سيارات ودبابات القوات الأمريكية وناقلات الجنود علي مشارف المدينتين وداخلها في حركة مرورية لا تهدأ بحثا عن قادة ومنفذي التفجيرات. وتعقب الخاطفين الذين يفاجأون قوات الاحتلال والشرطة العراقية بعملية أو اثنتين كل عدة أيام من العيار الثقيل الذي يهز هدوء الشمال دوما, ويذكر أهله بأحداث الفلوجة والرمادي وبعقوبة, وبعض مدن الجنوب التي أطلق عليها العراقيون تورا بورا العراق لسخونة العمليات وحصيلة الضحايا ومفاجآت ضربات التوحيد والجهاد التي يقودها أبو مصعب الزرقاوي, الذي أصبح أشبه بالأسطورة في خيال العراقيين البسطاء, وبالحقيقة المؤكدة في عقول السياسيين والمسئولين العراقيين الذين باتوا يجمعون علي تزكيته بأنه قدر العراق الجديد بعد نهاية أسطورة صدام حسين آملين ألا تستمر خمسة وثلاثين عاما أخري كما سبق وفعلها صدام. ولا أنسي أنه سبق وصولي إلي العراق مأساة جعلتني حبيس مركز الحدود السورية لمدة ثماني ساعات متواصلة, أشبه بشخصية عبدالودود في رائعة الحدود للسوري دريد لحام, عندما احتجزتني قوات الحدود السورية ضمن وفد صحفي مصري مصغر بعد قطع طرق وعرة لأكثر من خمس ساعات من مطار حلب إلي عدة مدن سورية, وصولا إلي حدود مد ينة القامشلي آخر نقطة سورية علي حدود العراق. وعندما وصلنا إلي أول متر في الحدود العراقية في الشمال العر اقي عند مدينة ربيعة استوقفتنا القوات السورية بحجة أنه لم يعد يسمح بالمرور إلي العراق إلا لحاملي الجنسية العراقية, أما بقية الجنسيات العربية الأخري فهم ممنوعون بعد اليوم من المرور إلي العراق, بسبب كثرة عمليات الاختطاف والقتل, وبناء علي طلبات الحكومات للسلطات السورية بمنع مرور أبنائها, وبالتالي ففي حالتنا لابد من الحصول علي إذن كتابي من السفارة المصرية في دمشق كحل وسط, وظلت المناقشات والاتصالات قائمة بيننا وبين وزارة الخارجية في القاهرة ومقر السفارة المصرية في دمشق حتي حدثت الانفراجة واستطاعت الخارجية التدخل لدي مصلحة الجوازات السورية لإقناعها بالسماح لنا بالمرور إلي العراق مع تقديم الضمانات الكافية. وكان لافتا أن الضغوط الأمريكية علي سوريا بشأن منع دخول وتسلل متطرفين عرب إلي العراق عبر الحدود السورية مع الشمال العراقي التي تمتد لأكثر من600 كيلومتر قد بدأت تؤتي ثمارها, حيث كان التشدد السوري بالفعل قد بلغ مداه, لكننا سرعان ما استوعبنا الرسالة السورية مبكرا عندما حملت أخبار إذاعة الـ بي بي سي في السيارة التي كانت تحملنا علي الحدود السورية انتظارا لدخول العراق نبأ تصريحات كولين باول وزير الخارجية الأمريكي والتي يثني فيها علي موقف سوريا بشأن ضبط الحدود واستعداد دمشق للتعاون الكامل مع الإدارة الأمريكية فيما يخص القضية العراقية وعندها أدرك الجميع لماذا انتظروا الساعات الثماني علي الحدود السورية- العراقية. وبعد أن جاء الفرج من القاهرة وسمح لنا بالدخول إلي منفذ العبور العراقي الذي لا يفصل بينه وبين المنفذ السوري سوي ثلاثة أمتار يقطعها طريق ترابي, تلقفني ضابط عراقي برتبة رائد في حجرة متهالكة تلفها القذارة في كل ركن, وبعد أن تسلم جواز السفر وتفحصه لمدة دقيقتين, وكان يبدو عليه العبوس وإمارات اليأس والقنوط, بادرني بعبارة واحدة وهو يسمح لي بالمرور, العراق مريض وأنتم العرب تركتموه ينزف كل هذا الوقت ويحتضر, وقد شارف علي الموت, ولم يعد أمامكم سوي أن تعلنوا شهادة وفاته لترحموه وتستريحوا أنتم أيضا. وبعد وصولي إلي منطقة ربيعة أول نقطة حدود عر اقية أشرت علي اثنين من المرافقين العراقيين من السيارة التي كانت بانتظارنا بضرورة الذهاب إلي الموصل وكركوك, لكن الدهشة لجمت الألسن وطالبوا بضرورة الانتظار والترتيب لبعض الوقت, وبضرورة تجنب الذهاب إلي الموصل لعدة أيام, حيث الحالة الأمنية تسوء وأصوات الانفجارات تتعالي, وبالتالي ظروف التأمين للقادمين المصريين ستكون صعبة وشبه مستحيلة, وبالتالي كان علينا حسب نصيحة المرافقين أن نبدأ ر حلة الشمال العراقي من دهوك وأربيل والسليمانية, حيث إنها مناطق آمنة وأقل خطورة حتي يتم تأمين السفر إلي خطوط النار والتفجيرات في كركوك والموصل, وبالفعل تغير مسار الرحلة, ونهبت السيارات طرقا وعرة وسط مجموعة من الجبال في صحراء قاحلة بعيدة عن أعين أمراء جماعات المقاومة, وإن كان الخوف قد تملك الجميع خاصة أن قصص القتل وقطع الرءوس وتفجير السيارات التي رواها ضابط الحدود السوري والتي وقعت لبعض العرب منذ ساعات قبل وصولنا إلي شمال العراق وعلي مقربة من منفذ الحدود السوري, أدخلت الرعب في القلوب خاصة ذلك الشاب السوري الذي رأيته يطلب الرحمة والمساعدة والحماية من ضابط القوات السورية علي الحدود, لأن جماعة عراقية خطفت سيارته وهددته بقطع الرأس مثل زميله خلال ساعات إذا هو عاد مرة أخري إلي العراق.
|
 | |
وروي المرافقون العراقيون أن هذا التهديد ونوعية حوادث قطع الرءوس لهذا السائق السوري وغيره لأنهم كانوا يحملون خمورا للقوات الأمريكية في العراق, ولكل من يتعاون معهم, حيث إن الجميع مرصود فور دخوله الحدودالعراقية, وعندما استفسرت عن الكيفية التي تحصل بها تلك الجماعات في شمال وغرب ووسط العراق عن نوعية القادمين وما تحمله السيارات التي تقطع الطرق وتعد بالآلاف في اليوم. بادرني سائق السيارة العراقية: من خلال عيونهم علي منافذ الحدود فهم يراقبون حركة القادمين بكل دقة, ويجرون الاتصالات علي الفور وبعدها يحدث ما يحدث لكل سائق وقادم, وهم في الغالب لا ينفذون أحكام الخطف أو الإعدام أو التفجير إلا للمتعاونين مع القوات الأمريكية وفي الطريق إلي مدن كردستان العراق التي تبعد لأكثر من500 كيلومتر قطعتها السيارة وسط الجبال الوعرة لأكثر من ست ساعات كانت الحياة علي أطراف تلك المدن تبدو قاسية, حيث القري متقطعة الأوصال ذات البيوت المهدمة من الطين الخالية من مرافق المياه والكهرباء, وعلمت أنها القري التي بناها صدام حسين طيلة فترة الثمانينيات لنقل الأكراد إليها بعد عمليات التهجير القسري بهدف خلق توازن طائفي بعد أن سلم منازلهم الأصلية لمئات الآلاف من العرب الذين حلوا محلهم بهدف كسر شوكة الأكراد في الشمال, وذكرنا المرافقون العراقيون بعمليات الأنفال التي أقدم عليها صدام في الثمانينيات وأعدم خلالها182 ألف كردي بجانب كارثة حلبجة التي جري خلالها قصف قرية حلبجة لمدة ثلاثة أيام في16 مارس عام1988 وراح ضحيتها5 آلاف جراء قصف قنابل النابالم والأسلحة الكيماوية وجرح خلالها عشرة آلاف مازال أغلبهم مصابا بالسرطان في أنحاء متفرقة من الجسد, بجانب مائة ألف استطاعوا الفرار إلي الحدود الإيرانية, ومازالوا يعيشون في خيام داخل مدن الحدود الإيرانية- العراقية, واستمرت هذه المآسي حتي انتفاضة الشمال في عام1991, لكن عندما فاجأت جلال طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني الذي التقيته بعد يومين من وصولي إلي السليمانية بمبالغة الأكراد في العمليات التي قادها صدام حسين وأرقام الضحايا أجابني بواقعة حدثت لمفاوضي الاتحاد الوطني خلال المفاوضات مع الحكومة العراقية في بداية التسعينيات بأن الوفد الكردي في بداية الاجتماع مع عزة الدوري وطارق عزيز وبقية القيادات العراقية اشتكي من حجم القتلي والمفقودين الذين بلغوا أكثر من182 ألف كردي صاح علي حسن المجيد غاضبا وضرب مائدة المفاوضات بيديه أنكم تبالغون, فالعدد الحقيقي للقتلي لا يتجاوز102 ألف فقط, وهذا مسجل بصوته في محاضر الاجتماعات بيننا. لكن عدت أسأل جلال طالباني كيف وصلت الحال بالعراق إلي هذا البؤس, حيث الحياة معدومة, وعاد العراق إلي القرون الوسطي, ومتي تنتهي دوامة العنف والقتل والخطف؟ رد بابتسامة تكسو الوجه وتعبر عن راحة البال التي أصابت أكراد الشمال برحيل صدام الذي كان يفاجئ البعض حتي المنام كما رويت لي سيدة كردية, وقال طالباني اسأل صدام حسين الذي تولي الحكم في عام79 وكان هناك فائض في خزينة الدولة يبلغ46 مليار دينار عراقي, وكان العراق يتربع علي عرش مملكة البترول, حيث كان أكبر منتج ومصدر, لكن ها هي حروب إيران وغزوه الكويت أطاحت أرضا بالعراق حتي وصل إلي الحالة التي رأيته عليها الآن ويجب عليك ألا تقارن الشمال بالجنوب أو العاصمة بغداد نفسها, فالحياة هنا أفضل مئات المرات ولا تنسي أننا نتولي أمور مدن الشمال بأنفسنا منذ الحصول علي الحكم الذاتي, أما بقية المدن والأراضي العراقية فحدث ولا حرج, لكن هناك اتفاقا مع الحكومة الجديدة علي تجاوز كل هذه المآسي والحفاظ علي العراق الموحد في إطار فيدرالية يتفق عليها في الشمال, وهذا ما توصلنا إليه بتفاهم جماعي إليه سقوط صدام حسين. وعدت أسأل أي عراق بعد اليوم في ظل الانتهاكات والدمار الذي تقوده القوات الأمريكية؟ بالفعل والكلام لزعيم الاتحاد الوطني الكردستاني, القوات الأمريكية ارتكبت فظائع في العراق وجرائم لا تنسي وهم أخطأوا كثيرا في حق العراقيين, وذلك بسبب عدم وجود خطة لديهم لإعادة الأمور في العراق, وكان همهم الأول والأخير هو إسقاط صدام, لكننا أبلغناهم في مرات عديدة بصعوبة الوضع في العراق بعد سقوط صدام حسين, لكنهم صموا آذانهم فوصل الحال إلي ما وصل إليه الآن. إذن تقر بجرائم القوات الأمريكية وتري الانتخابات في موعدها مجرد وهم لحكومة علاوي؟ نعم أقر بقسوة الجرائم الأمريكية وقد أبلغتهم مرات عديدة بخطورة هذه الجرائم والنتائج التي يمكن أن يحصدوها من جراء هذه الممارسات, وتبقي بالفعل فرصة إجراء الانتخابات العراقية في موعدها حتي برغم بعض التوتر في بعض المناطق الرئيسية في العراق ولا سبيل للخروج من هذه الدوامة إلا بالانتخابات وتفعيل قبضة الحكومة العراقية للسيطرة واسترداد السلطة الكاملة, وهذا بالفعل يحتاج إلي بعض الوقت, ولن نخدع أنفسنا ونتحدث عن الصورة الوردية في العراق, فمازلت أؤمن بأن الحقيقة نبراس نضال الشعوب. أما الدكتور نوشيروان مصطفي وهو من أبرز الشخصيات الكردية وعضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني, فهو يري الصورة غير الزعيم طالباني, فالوضع مازال وسيظل مأساويا لفترة طويلة, فجرائم الأمريكيين ضدالعراقيين كانت مروعة, حيث إنهم كانوا يقتلون النساء والأطفال بدون جريرة, ويقبضون علي الشباب العراقي في الطرقات, ويمضون في إذلاله بوضع أقدام الجنود علي رقاب الشباب والتنكيل بهم دوما وغيرها من الجرائم التي ستجلب الويلات للأمريكيين في العراق, ولا تنسي أن معركة القاعدة مع الولايات المتحدة قد نقلت إلي العراق حاليا, فبدلا من ذهاب عناصر القاعدة وغيرها من أنصار الإسلام إلي واشنطن ونيويورك لضرب البرجين أو البيت الأبيض, فها هم الأمريكيون قد جاءوا بأنفسهم إليهم في العراق, وهذا ما كان يخطط له قيادات التنظيمات الإسلامية من نوعية بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي, وبالتالي فلا يتوقع أحد أن تكون بقية المعركة سهلة ونزهة للقوات الأمريكية, بل علي العكس, ستكون طويلة ويصعب التكهن بوقت معين حتي تنتهي المعركة أو يتعافي العراق صحيا وبدنيا وأمنيا. وعاد الدكتور نوشير وان ويذكرني بقوة وبطش وبؤس تنظيم أنصار الإسلام, حيث إنه ليس تنظيما واحدا فقط, بل هو ثلاثة تنظيمات في بعض يقودها الزرقاوي بحرفية ودقة لا متناهية, وهم الجماعة الإسلامية السلفية التي تضم قيادات الملا كلايكار الذي كان يسكن جبال كردستان العراق, وهو الآن في النرويج, لكن قيادات تنظيمه تحت إمرة أبومصعب الزرقاوي بجانب فريق لا بأس به من عناصر الجيش العراقي السابق ورجال الاستخبارات العراقية الذين علي دراية جيدة بخصائص المقاومة ونوعية الضربات, كلهم يعملون تحت راية أنصار الإسلام, وهم يسكنون مناطق محافظة الأنبار التي تضم الرمادي, الفلوجة, وغيرها, حيث تشكل هذه المنطقة ثلث مساحة العراق, وبالتالي سيواجه الأمريكيون متاعب كثيرة ولا حصر لها, وربما يؤدي الأمر بها في نهاية المطاف إلي الخروج المبكر والهروب من ساحة المواجهة مع أنصار الإسلام ولا تنسي أن فرصة السيطرة أمام القوات الأمريكية كانت قائمة حتي الثلاثة أشهر الأولي لدخولهم العراق, أما الآن فالوضع اختلف, وضربات الزرقاوي وأنصاره ستلاحقهم, لذا ستكون مهمة الحكومة العراقية صعبة. ** لكن عدت أسأل: الانتخابات علي الأبواب وماذا سيكون الحل؟ أغادر في طريقي إلي كركوك, والقيادي نوشروان يؤكد علي صعوبة إن لم يكن استحالة هذه العملية الآن, وعندما أدركت حدود كركوك وصولا إلي الموصل عرفت السبب مباشرة, حيث مدرعات ودبابات الجيش الأمريكي وعناصر وحدات المارينز والقوات الهجومية تجوب الشوارع والطرقات وهم يغطون وجوههم ويتمترسون خلف سيارات المدرعات السوداء بالعقال العربي بسرعة البرق قبل أن تصطادهم قذائف أنهار الزرقاوي وتفجيرات أبوطلحة, ناهيك عن الخوف والذعر اللذين يتملكان العقول والقلوب معا, لتدرك أن المعركة في العراق ستتوالي فصولا في الأيام والأسابيع القادمة* |
|
|
 |
|
|
 |
|
|