393‏السنة 123-العدد2004اكتوبر2‏18 شعبان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

شكري‏..‏ الضاحك الجميل

عبده جبير


في الرابع عشر من أغسطس عام‏1989‏ منحني محمد شكري لقب جاسوس عالمي خطير يعمل علي الدس والوقيعة‏,‏ خاصة بين الكتاب العرب‏,‏ وأيضا ضرب المنظمات والأحزاب وحتي الدول و الأحلاف العالمية بعضها ببعض‏.‏
والغريب أن هذه النبوءة تحققت جزئيا وإن كانت قد فشلت عمليا بفضل الله ودعاء الوالدين‏.‏
في ذلك التاريخ كنت قد دعيت من محمد بن عيسي وزير خارجية المغرب حاليا ورئيس جمعية المحيط ومقرها قرية أصيلة المغربية المطلة علي المحيط الأطلسي في حينه للقدوم لمهرجان أصيلة لقضاء أسبوعين في ضيافة المهرجان الشهير الذي لا يحتاج الآن إلي تعريف بعد أن أضحي مؤسسة ناجحة قدمت الكثير للمكان والناس وأضحي المثال الناجع لكيفية قيام الثقافة بحركة تنموية تقلب حياة الناس وتغير أحوالهم من العدم تقريبا إلي بشر حقيقيين لهم أعمالهم التي خلقها هذا النشاط الثقافي‏,‏ فارتفعت مدخولاتهم بعد أن كانت البطالة تتفشي بينهم وارتفع مستواهم الثقافي بحيث أضحي الصغير منهم علي علاقة شخصية بمئات الكتاب والفنانين والصحفيين العرب والأجانب‏,‏ فأضحي يعرف عن قرب ما لا يعرفه المختصون عن بعد‏.‏
ولمن لا يعرف فإن قرية أصيلة هذه صاحبة المهرجان تقع علي بعد أربعين كيلومترا من مدينة طنجة‏,‏ حيث عاش عدد كبير من كتاب العالم المشاهير مثل جان جينيه وبول بولز وتنيسي وليامز وغيرهم‏,‏ كما أنها مقر إقامة الكاتب المغربي الشحرور محمد شكري‏.‏
في الحقيقة إنني في مرة سابقة كنت في زيارة إلي الدار البيضاء بصحبة الصديقين القاص إبراهيم أصلان والناقد صبري حافظ بدعوة من اتحاد كتاب المغرب قد أبديت للناقد الصديق محمد برادة وكنا في منزله‏,‏ رغبتي في زيارة محمد شكري‏,‏ وكنت أعرف ما بين الاثنين من صداقة وعلاقة مكاتبة أسفرت عن كتاب يضم مراسلاتهما معا‏,‏ لكن برادة وبحضور أصلان وحافظ وإدريس الخوري حكي لي حكاية رهيبة لا أستطيع في الحقيقة ذكرها الآن‏,‏ وربما في أي وقت آخر جعلتني أصرف النظر عن زيارة شكري في ذلك الوقت‏.‏
لكن وأنا في أصيلة فوجئت بالصديق الكاتب المغربي إدريس علوش الذي هو من سكان طنجة أو نواحيها كما أذكر‏,‏ أبلغني بأن محمد شكري وقد علم بقدومي لأصيلة أبدي رغبته في رؤيتي‏,‏ ولأنه لم يكن يغادر طنجة طلب بأن يكون اللقاء في بيته أو مقهاه في طنجة‏.‏
الحقيقة إنني كنت قد نسيت ما حكاه محمد برادة وأبديت فرحة باللقاء‏,‏ خاصة أنني كنت قد فوجئت بمحمد شكري يرسل لي كتابا من كتبه إلي عنواني في القاهرة وعليه إهداء يقول فيه تذكار إلي العزيز عبده جبير مع المحبة والتقدير فوجدت أنه من الواجب أن أرد التحية بأحسن منها‏.‏
لم أكن المدعو الوحيد من الكتاب المصريين لحضور مهرجان أصيلة في ذلك العام‏,‏ بل كان هناك عدد آخر من الكتاب وأساتذة الجامعة والصحفيين‏,‏ وكان بيني وبين أحد هؤلاء ما صنع الحداد‏,‏ إلا أن الرجل كان يتحامل علي نفسه ويتحدث معي بمعسول الكلام‏,‏ وإن لم أكن قد صدقته أبدا‏,‏ بل كنت أري حقدا غريبا منه تجاهي أحسه كلهب يلفح روحي كلما تحدث إلي بابتسامة باهتة‏,‏ وأحسست بهذا اللهب يتحول إلي نار محرقة وهو يري صورتي الشخصية معلقة في مقهي المثقفين في وسط أصيلة ضمن عدد مختار من الكتاب العرب العالميين الذين يكن أهل المغرب لهم حبا من نوع خاص‏.‏
وأعترف الآن بلحظة ضعف إنسانية‏:‏ أنني حين رأيت صورتي معلقة هناك نزلت الدموع من عيني مدرارا‏.‏
كان من المخطط أن تتم زيارتي لمحمد شكري بعد أن طلب رؤيتي صباح اليوم التالي فبكر علوش بالمجئ للفندق وقال بأن شكري اعتذر عن استقبالنا بسبب سفره‏,‏ لكنني رأيت أمارات عدم التصديق علي وجه الكاتب المصري الذي كان يرافقني ولزيادة التمويه بقي علوش مع هذا الكاتب ولازمه طوال النهار في الوقت الذي وجدت شخصا آخر للأسف لا أذكر اسمه الآن‏,‏ يأخذني من ذراعي ويتسلل بي خارج الفندق وأخذ يجول بي علي كورنيش أصيلة تمويها حتي تأكدنا من خلو الجو وهربنا إلي طنجة‏.‏
الغريب في الأمر أننا في اللحظة التي وصلنا فيها إلي طنجة ورأينا شكري كنا لانزال نضحك ملء أشداقنا‏,‏ وإذا بشكري ينضم إلينا بالضحك وكأنه كان معنا في مغامرة هروبنا من ذلك الكاتب وقدومنا إليه متسللين‏,‏ لكن الحقيقة أنه كان يضحك لسبب آخر اعتاد عليه‏.‏
فقد كان شكري يستقبل محبيه بالضحك‏,‏ الأمر الذي كان يدفع محبيه أيضا للضحك‏,‏ وهكذا اندمجنا في أطول وصلة ضحك مررت بها في حياتي‏,‏ ولم ينته الضحك حتي خطرت ببال شكري هذه الفكرة الشريرة حيث قال لا فض فوه‏:‏
أنا متأكد بأن علوش سيصرح لفلان بالموضوع‏,‏ فعلوش لا يستطيع الإبقاء علي مثل هذا السر‏,‏ قلت‏:‏
تبقي مصيبة
صمت شكري ثم قال‏:‏
وأنا متأكد بأن فلان هذا سينقم عليك
ثم بعد لحظات نطبق بالنبوءة
وسيتهمك بأنك جاسوس خطير تعمل علي التفريق بين الكتاب العرب وربما تشيع الفرقة بين دول العالم ومنظماته وأحلافه‏.‏
قال هذا ضاحكا طبعا‏,‏ وأنا عن نفسي ضحكت‏,‏ لكن ضحكي لم يطل حتي ما بعد عودتي بأيام للقاهرة‏,‏ فإذا بصديق يقول إن فلان بدأ يشيع عني بأنني ذلك الجاسوس العالمي‏,‏ فتعجبت من قدرة شكري علي التنبؤ بما يعتمل في نفوس البشر من أمراض مستحكمة تجعل قراءة نفوسهم أمرا سهلا علي كاتب نبيه مثل محمد شكري حتي ولو لم يرهم ولا مرة واحدة في حياته‏.‏ رحم الله محمد شكري ذلك الضاحك الجميل من زمن الحب الذي كان‏.‏
كاتب وأديب مصري