393‏السنة 123-العدد2004اكتوبر2‏18 شعبان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

أول الكلام
الصراع علي الشرق الأوسط

أسامة سرايا


تشابكت الخطوط وأصبحت كلها في حزمة واحدة في العراق وفلسطين‏,‏ وحروب الإرهاب المتتابعة‏,‏ بل إن الأزمة الأخيرة بين أمريكا وسوريا حول لبنان أو حتي في غرب وجنوب السودان دخلت نطاق هذه البوتقة الموحدة‏,‏ ولا نبالغ إذا قلنا إن هذه الخطوط راحت تتتابع في تزامن مع عمليات الإصلاح الداخلي في بلداننا العربية‏.‏
وكانت الصورة في البداية أمريكيا ممهدة بخطوة إستراتيجية محورها أنها‏,‏ أي أمريكا‏,‏ وسوف تقفز إلي العراق‏,‏ مستغلة أوضاعا داخلية‏,‏ سيئة‏,‏ ورغبة جامحة لدي العراقيين في الخارج والداخل لإزاحة صدام حسين وجماعته عن السلطة‏,‏ مستهدفة العراق كنقطة بداية لتدشين سياسة أمريكية إمبراطورية مختلفة لدول الشرق الأوسط ككل‏,‏ بغض النظر عن تبريرات التدخل العسكري‏,‏ الخاصة بالرأي العام الأمريكي والعالمي‏,‏ لشن الحرب بعلة وجود أسلحة الدمار الشامل لدي العراق‏.‏
ولكن السبب الكامن هو أن الأمريكيين كانوا يخططون لدمج هذه المنطقة الحساسة في الإستراتيجية العالمية‏,‏ كجزء تابع للقوي الكبري مباشرة لما تملك من إمكانات اقتصادية ونفطية هائلة غير مستغلة‏,‏ فأرادت أن استغلالها يتحول لتدعيم قوتها العسكرية والاقتصادية في مواجهة التيارات المتنافسة لتجعل من محاولات إضعاف أو تهميش مكانتها الكبري وسيطرتها العالمية عملية عبثية غير مؤثرة‏.‏
ولكن الرياح لا تجيء دائما بما تشتهي السفن‏,‏ فأخطاء القوة والهيمنة‏,‏ وعدم الوعي بالمتغيرات الداخلية للشعب العراقي والثقافات المحلية المختلفة‏.‏ جعلت الأمريكيين يبالغون في قوتهم ويستهترون بعناصر القوة الخفية‏,‏ الموجودة تحت لحم الشعوب‏,‏ والتي لا يعرفها إلا أصحابها‏,‏ فاتخذوا سلسلة من القرارات الخاطئة‏,‏ لعل أهمها أن الحرب التي كانت تقودها مجموعات من المتسلطين أو قوي الغباء والحقد والتشفي‏,‏ بدلا من أن تركز اهتمامها علي إسقاط نظام الحكم السابق‏,‏ وهذا هو الهدف‏,‏ والذي يحقق مصالحها مباشرة‏,‏ ثم تلتقي فيها مع رغبة شعبية عراقية‏,‏ تزايد الهدف وامتد إلي إسقاط الدولة‏,‏ بل وسرقتها‏.‏
وكشفت هذه العملية العسكرية في العراق عن الوجه القبيح للاحتلال الذي لم يقبل بسقوط النظام والدولة فقط‏,‏ بل أراد سرقتها‏,‏ والأخطر الأمريكيين في لحظة النصر الغامضة أرادوا التشفي في الحضارة العربية وإذلالها‏,‏ مستغلين هذا النصر العارض الذي كان من المستحيل أن يحدث عمليا‏,‏ مهما يكن جبروت القوة العسكرية الأمريكية‏,‏ إلا في حالة وجود رغبة داخلية للشعب العراقي لإسقاط نظام صدام حسين وتغييره‏.‏
وعندما وجد الشعب أن العملية العسكرية امتدت وراء هدفها المعلن مسبقا وهو سقوط النظام إلي إسقاط الدولة وهز هيبتها‏,‏ وتجريد العراق من كل عناصره لإعادة بنائه من جديد‏,‏ وفقا لهوية مختلفة‏,‏ خرجت الأمور في العراق عن السيطرة وانقلبت الأوضاع‏,‏ ولا نبالغ عندما نقول إن المارد خرج من القمقم‏,‏ وإذا استمر هذا الوضع فسوف يلتهم كل قوات الاحتلال‏.‏
وبدلا من أن يصبح العراق نقطة للانطلاق للإستراتيجية الأمريكية تحول إلي فرصة إستراتيجية ضد الولايات المتحدة‏,‏ وكان من الممكن أن يتم تأديب أمريكا في العراق‏,‏ وعلي رأس كل الأشهاد‏,‏ ولكن يبدو أن الولايات المتحدة محظوظة جدا وللغاية‏,‏ لأن القوة التي تتربص بالعراق الآن‏.‏ هي الأخري مرفوضة عراقيا وعربيا‏,‏ لأن أوضاع الدولة العراقية الهشة والضعيفة بعد سنوات من حكم الديكتاتورية الصدامية والحروب المتتالية ثم بالاحتلال وتداعياته وأخطائه المخيفة‏.‏ أصبح مهيئا لكي يثب عليه أبو مصعب الزرقاوي ممثلا لتنظيم القاعدة الذي يقود حربا أخطبوطية وسرطانية‏,‏ ليس ضد الولايات المتحدة وحدها‏,‏ ولكن ضد المنطقة العربية واستقرارها‏.‏
فالزرقاوي وبن لادن والظواهري وخالد بن شيح وغيرهم علي اختلاف أنماطهم وجنسياتهم العربية والأجنبية‏,‏ وجدوا في العراق فرصة جديدة أرسلها لهم الاحتلال الأمريكي‏,‏ كما يقولون‏,‏ بعد سقوط أفغانستان لكي ينطلقوا منها إلي العالم الإسلامي‏,‏ بعد أن يهزموا هم الولايات المتحدة والإستراتيجية الأمريكية في العراق مثلما يتصورون أنهم هم الذين هزموا الاتحاد السوفيتي في أفغانستان‏.‏
أمريكا كانت تريد العراق نقطة الانطلاق‏,‏ والقاعدة تري أن العراق هو نقطة انطلاقها الأولي‏,‏ والقوي الكبري تريد ديمقراطية أمريكية علي مقياسها للمنطقة العربية والإسلامية‏,‏ ومع إعادة تأهيلها حسب التصور الأمريكي‏,‏ والثانية هي القاعدة ومرابطوها وأعوانها ومريدوها يريدونها خلافة جديدة‏,‏ تنقذ المنطقة من أنظمة كافرة مستهترة لا تطبق شرع الله‏!‏
وهكذا سقطت منطقتنا العربية والإسلامية بين القوتين الخطأ‏,‏ وكأنما أصحاب المنطقة في عداد الأموات وأصبحوا لاحول لهم ولا قوة‏,‏ وتتنافس عليهم القوة الكبري والقوة الخارجة عليها‏,‏ وهاتان القوتان المتحاربتان لا منطق لهما‏,‏ ولا تعرفان شعوبنا فنحن أمة معدلة وتملك إرادتها‏,‏ ولن تسقط فريسة للسيطرة الأمريكية‏,‏ ولن تكون تحت سيطرة القاعدة وبن لادن وغيرهما وقطعا سوف يحدث التغيير الداخلي الذي يجعل الشعوب تتفق مع أنظمتها وتتوحد إرادتها لهزيمة التدخل الخارجي في شئونها‏,‏ أو محاولة التهامها من الداخل‏.‏
والمنطقة العربية الآن أصبحت أمام امتحان داخلي خطير ويلزمها تصحيح أمورها الداخلية‏,‏ وأن تتم الإصلاحات السياسية بسرعة لإقامة بنية أساسية قوية لنظامها السياسي‏,‏ يسمح بتداول السلطة والتغيير السلمي بين قواها الداخلية بلا صراع أو تدخل عسكري أو تمرد داخلي‏.‏
وذلك يتمثل في نظام سياسي يلقي قبول الشعب بكل أطيافه‏,‏ وأن يواكب هذا التغيير المقاييس العالمية التي تلتقي عليها كل الأنظمة الحديثة والدولة المعاصرة من الحكم الرشيد المتمثل في المشاركة والمساءلة والشفافية وسيادة القانون‏,‏ والذي يقوم علي التنمية البشرية الكاملة للشعب بلا تفرقة أو تهميش للأقليات أو الأقاليم‏.‏
وذلك لن يجري إلا بتماسك النخب في كل البلاد العربية لقيام هذا النظام‏,‏ خاصة في البلاد التي تواجه ضغوطا خارجية ضخمة مثل العراق وفلسطين والسودان وسوريا ولبنان للتخلص من تلك الضغوط وتحقيق عامل استقلالها السياسي والاقتصادي بدون تأثيرات وتفاعلات ضارة علي مستقبل الدولة العربية‏,‏ تستغلها أطراف داخلية متطرفة أو قوة خارجية لا تبغي صلاح البلاد واستقامة الأوضاع‏.‏
ولكن الأخطر والأهم أمام شعوب المنطقة العربية هو أن تدرك أن هذه الحرب والضغوط والتدخلات في شئونها لن تكون الأخيرة‏.‏
وحتي نتخلص من كل عناصر الضعف‏,‏ ليس أمامها إلا الاقتناع بالحل الناجع والوحيد وهو التنمية الاقتصادية والإنسانية الشاملة‏,‏ ليس في نطاق الدولة القطرية الواحدة التي أصبحت غير قادرة علي مجابهة تلك الصعوبات وحدها‏,‏ لكن في إطار إقليمي تنموي موحد للإقليم‏,‏ وقد قال كل الخبراء إن إقليم الشرق الأوسط‏,‏ أي المنطقة العربية لا يمكن تنميتها بشكل فردي‏,‏ وليس أمامها إلا فرصة واحدة وهي التنمية الإقليمية الشاملة‏.‏
فهل ندرك المخاطر والصعوبات ونغير الظروف؟ ذلك أفضل لنا جميعا‏.‏
القاعدة وأمريكا تتنافسان علي الشرق الأوسط‏....‏ والحل في صحوة محلية وإقليمية تقوم علي الإصلاح والتنمية البشرية الشاملة في المنطقة‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا