396‏السنة 123-العدد2004اكتوبر23‏9 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الصهاينة يصفون مؤلفه بأنه كاره لنفسه

قصة الكتاب الذي تطارده إسرائيل في المانيا

‏ ميادة العفيفي


الآن فقط نعرف لماذا اعتنق اليسار واليمين الإسرائيلي بقسوة اتفاقا جماعيا علي كراهية إسرائيل شاحاك فقد كان الرجل‏-‏ وظل كذلك بعد موته‏-‏ ظاهرة فريدة من نوعها يراه الليبراليون مثل الراديكاليين رجلا مثيرا للجدل فاطلقوا عليه اليهودي الكاره لنفسه أو كاره إسرائيل و محب العرب‏.‏ وفي كتابه اليهود واليهودية ثلاثة آلاف عام من الخطايا الذي أثار ضجة في فرانكفورت بعد أن طالب مركز سيمون فزنتال بسحبه من المعرض أكثر من مرافعة لتأكيد الحق العربي‏.‏
والحقيقة أن إسرائيل شاحاك لم يكن يمثل لي وربما لغيري من العرب الكثير ولم أعلم عنه سوي مجرد معلومات بسيطة عن دوره كناشط إسرائيلي في حقوق الإنسان ومدافع عن القضية الفلسطينية لكن الفرصة التي أتاحها لي أحد الزملاء حين طلب مني ترجمة كتابه الرائع‏:‏ اليهود و اليهودية ثلاثة آلاف عام من الخطايا عام‏2003‏ إلي العربية في رطار مشروع ترجمة دعم المناضل الفلسطيني سعيد مسحال أبو أسامة أحد مؤسسي حركة فتح دفعتني للبحث بجدية في سيرته خاصة أن كل سطر من سطور كتابه كان يدفعني للتساؤل عن ماهية هذا الكاتب الجريء والسبب الذي دفعه لتحدي منظومة المجتمع الصهيوني المتشددة وكشف جميع الحقائق من قلب المجتمع الإسرائيلي ونقلها بصدق ليس فقط في هذا الكتاب ولكن من قبل في محاضرات ألقاها في كبري الجامعات في أوروبا والولايات المتحدة متحديا بهذا أحد القوانين الأساسية لدي المجتمع الإسرائيلي هذا القانون الذي يقول‏:‏لا تناقش أبدا مشاكل اليهود خارج المجتمع اليهودي‏.‏
وفي مقدمة كتابه يسرد شاحاك الحدث الذي دفعه لوضع هذا الكتاب والذي أصبح فيما بعد شغله الشاغل لأكثر من عامين كرس خلالهما وقته للتعمق في النص الديني للكتب اليهودية المقدسة التوراة التلموذ ذلك الحدث وقع في عام‏1966‏ وقد شهده شخصيا و يسرده كالتالي‏:‏ رفض يهودي شديد التدين السماح باستخدام هاتفه لطلب سيارة إسعاف لشخص غير يهودي انهار عليه منزله في منطقة مجاورة له في القدس‏,‏ و ذلك لأنه كان يوم السبت و بدلا من مجرد الاكتفاء بالتعليق علي الحادث في الصحف طالبت مقابلة أعضاء المحكمة الحاخامية في القدس والتي يرأسها حاخامات معينون من قبل دولة إسرائيل و سألتهم عن ما إذا كان سلوك هذا اليهودي متسقا مع تفاسيرهم للدين فأجابوا بأن اليهودي الذي نحن بصدده قد تصرف بشكل ورع بالتأكيد ودعوني لمراجعة نص موثوق من شرائع التلمود‏...‏ وحكموا أن هذا اليهودي لا يجب أن ينتهك قدسية السبت من أجل إنقاذ حياة غير اليهودي‏,‏ ولكنهم أضافوا بكثير من التقوي أنه في حالة ما إذا كان الشخص المعرضة حياته للخطر من اليهود يمكن أن يباح انتهاك قدسية السبت‏..‏ يقول شاحاك‏:‏لقد بدأت دراسة الشرائع التلمودية التي تحكم العلاقات ما بين اليهود و غير اليهود فلا يمكن فهم الصهيونية بما فيها جزؤها العلماني و لا سياسات الإسرائيليين منذ نشأة دولة إسرائيل أو المؤيدين لهم في الخارج دون معرفة التأثير العميق لهذه الشرائع و الرؤية التي شكلتها و جسدتها‏.‏
بالنسبة لهؤلاء الذين عرفوا إسرائيل شاحاك في حياته عرفوا عنه جيدا أنه من هواة كسب الأصدقاء لكن كان الشيء الذي يحركه دائما والذي جعله غير قابل للتفاوض‏:‏ البحث عن الحقيقة‏.‏ و هذا ما كتبه عنه صديقه العالم الفلسطيني الجليل الراحل إدوارد سعيد في المقدمة التي وضعها لهذا الكتاب حيث يقول‏:‏ لقد كان اليهودي الوحيد الذي بسط الحقيقة بصورة غير مزيفة دون خوف من أن هذه الحقيقة إذا ما عرضت بوضوح سوف تبدو غير ملائمة في نظر إسرائيل أو اليهود‏...‏ لقد كان مناضلا متطرفا ضد العنصرية في كتاباته و أحاديثه العامة و كان يحكمه فقط معيار واحد هو إيقاف الانتهاكات التي تمارس ضد حقوق الإنسان أي إنسان‏...‏ و ليس من قبيل المبالغة أن نقول إنه قد التزم إلي أقصي حد بموقفه إلي أن أصبح الرجل الأكثر مقتا في إسرائيل‏...‏ إن طريقته في قول الحقيقة كانت دوما دقيقة و لا تقبل تسوية وسطا فلم يحاول أن يجعل الحقيقة مستساغة‏'‏ و مع هذا فإن حقيقة أخري لا يمكن إنكارها هي أن الجدل الذي فرضه شاحاك كان المحرك الحقيقي وراءه هو تلك الشفقة الإنسانية الواسعة التي تملكته منذ صغره ثم إخلاصه وشجاعته في التعبير عنها‏.‏
ولد شاحاك لأسرة بولندية من الطبقة المتوسطة في حي اليهود في وارسو في‏28‏ إبريل عام‏1933‏ ومر بدورة من الحياة البائسة والقمع عندما أجبر في سن العاشرة علي الانتقال مع والديه إلي معسكر اعتقال للنازي وهناك اختفي والده وحاولت والدته الهرب به وتم اعتقاله مرة أخري وقضي عامين في معاناة حقيقية من وحشية معسكر الاعتقال تعلم خلالهما شاحاك أن يكون إنسانا محبا للبشر وعندما تم إطلاق سراحه ذهب إلي إسرائيل عندما قيل له إنها أرض الميعاد و الجنة الآمنة لليهود‏.‏
سنواته الأولي في إسرائيل خاصة تلك السنوات التي قضاها في الخدمة العسكرية كانت السنوات التي فتحت عيون شاحاك الشاب الذي حارب ليهرب من سواد الماضي ولخلق مستقبل أكثر إشراقا في الوقت الذي كانت فيه الصهيونية تلقن الوافدين الجدد مبادئها هؤلاء الوافدون الذين كانوا يستعدون لإنشاء حياتهم الجديدة في الأرض الجديدة و لكن شاحاك سرعان ما شعر بأن الفكر الصهيوني يحمل الكثير من المغالطات‏.‏
في عام‏1956‏ كان عمره‏23‏ عاما وكما يذكر في كتابه ثلاثة آلاف عام من الخطايا وقتها استنشقت بلهفة وحماس جميع مبررات بن غوريون السياسية و العسكرية لشن حرب السويس ولكن كان ذلك إلي أن أعلن في الكنيست في اليوم الثالث للحرب أن مبررها الحقيقي هو استعادة مملكة داود وسليمان لتعود إلي حدودها التي حددت في التوراة و كما يذكر في كتابه المثير للجدل إنها الحملة التي كان ينوي بها الاستيلاء علي أرض مصر والأردن أيضا و ليس لغرض دفاعي كما تصور الغالبية من الشعب الإسرائيلي وشعوب العالم وعند هذه النقطة من حديثه وقف جميع أعضاء الكنيست بشكل تلقائي و بدأووا ينشدون النشيد الوطني لإسرائيل‏.‏
رفض شاحاك للعنصرية و مناصرته للحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني نما بشكل متزايد القوة خارج إسرائيل ورفضه لسياستها العنصرية المتشددة ظهر في أسلوبه في الكتابة التي مارسها في البداية هو يحمل رفضا فطريا للامتثال للتعصب و التضليل السياسي الذي روجت له حكومته‏.‏
إسرائيل شحاك
كان شاحاك قد تألم لمعاملة الفلسطينيين من قبل حكومته مما دفعه في غضب شديد انعكس علي حياته وكتاباته‏.‏ و ربما كان مما يجدر قوله إن شاحاك لم يتنبأ بنتائج إيجابية لكتاباته أو أنشطته لقد أدرك أن عمق التأثير الديني في الشعب اليهودي أصعب من أن تغيره أي مدرسة فكرية‏.‏ يقول‏:‏بعد حرب‏1967‏ عندما توقفت عن أن أكون عالم كيمياء وأصبحت إنسانا سياسيا كان أول مبرر لي أنه بعد‏1967‏ كان هدف إسرائيل أن تهيمن علي الشرق الأوسط وهو شيء بالمنطق الإنساني مستحيل و كان مبرري الثاني أنه يجب أن تكون هناك دولة فلسطينية ويمكنها أن تنشا بأقل قدر من إراقة الدماء أو بأكبر قدر من إراقة الدماء‏.‏ إن محاربة دولة إسرائيل للانتفاضة الفلسطينية سوف تتسبب فقط في تأخير إنشاء ما يفرضه المنطق العقلي‏.‏
آمنون روبينشتين من حزب ميرتس الذي يمثل اليسار الإسرائيلي أكد أن حكومة إسرائيل كانت قد صادرت جواز سفر شاحاك حتي يوقف حملته لكشف الوجه الحقيقي لإسرائيل في الخارج‏.‏
فشاحاك الذي كان مصابا بداء السكر كان علي الأرجح الناشط الوحيد الحقيقي للسلام في الدولة اليهودية‏,‏ لأنه لم يفوت أبدا الفرصة في خطبه العامة لشجب الاحتلال الإسرائيلي‏.‏
حتي أن العديد من الأصوات الإسرائيلية البارزة طالبت بأن يطرد شاحاك من الجامعة العبرية وهناك من تفرغ لمهاجمته بأفظع الألفاظ عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية‏.‏ منهم علي سبيل المثال ليا بن دور الصحفي البارز في الجورزليم بوست الذي كتب ما يبدو أنه إرشادات للتخلص من شاحاك في منتصف السبعينيات ما الذي يجب أن نفعله مع هذا البروفيسور المسكين هل نودعه مستشفي الأمراض العقلية أم نتركه ليواجه قدرا من الإرهاب الذي يؤيده‏.‏ أم نضع لهذا الأحمق فخا أمام باب معمله‏.‏
بالنسبة لإسرائيل كان موت شاحاك هو الحل الوحيد لقد أصبح ظاهرة و تراثا يتجلي في كتابه‏'‏ اليهود و اليهودية‏3‏ آلاف عام من الخطايا الذي طالبت المنظمات العنصرية بسحب ترجمته العربية من فرانكفورت بزعم أنه معاد للسامية‏,‏ وكان قد نشره عام‏1994‏ ودرس فيه مواقف اليهود من غير اليهود أو من يسمون بالأغيار وهي الفكرة التي رسختها المؤسسة الدينية اليهودية‏.‏ و قد ركز وشدد شاحاك أيضا علي المصير المنتظر لمن ينشقون عن اليهودية إنه الموت فبعد فترة قصيرة من ظهور كتابه قتل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين علي يد طالب أرثوذكسي‏.‏
في هذا الكتاب أشار شاحاك إلي أنه بينما الأصولية الإسلامية يتم التركيز عليها في الغرب وتنسب لها جميع الجرائم فإن الأصولية اليهودية يتم تجاهلها بشكل واضح ومتعمد وهو يؤكد أن اليهودية الكلاسيكية قد استخدمت لتبرر السياسات الإسرائيلية التي يري أنها مزيج من الزينوفوبيا أو الرهبة الشديدة و غير المنطقية من الأجانب و التي تشبه في طبيعتها ما عاناه اليهود من معادين السامية في عصور أخري و بلاد كثيرة و هو مرض لا يري بكل وضوح سوي في المواقف اليهودية ضد الأغيار أو غير اليهود في إسرائيل والشرق الأوسط‏.‏ و الواقع أن شاحاك لم يستعرض فقط موقف اليهود من الأغيار باعتبارهم المسلمين و العرب فقط ولكنه أيضا حلل بوضوح مواقف اليهود و رؤيتهم الأصيلة للمسيحيين وأكد عدم اعترافهم بأن السيد المسيح عليه السلام كان نبي المسيحيين الحقيقي ولكنه في الواقع لم يأت بعد و سيأتي عندما تعاد مملكة الرب و يعاد هيكل سليمان ومملكة داود و من واقع التلمود والشرائع الحاخامية وبالإشارة إلي حقيقة أن التطرف يجد له اليوم مصادر دينية يستند عليها في النصوص العبرية الكلاسيكية التي و إن كان من الصعب فهمها سوف تقود إلي حرب دينية وتؤذي الرجال و النساء من جميع الأديان‏.‏إسرائيل شاحاك مات في النهاية عن عمر‏68‏ من تزايد أعراض مرض السكر عليه تلك التي كان قد أهملها تماما لمدة‏25‏ عاما وكانت الصحف الغربية الإسرائيلية قد تجاهلت تماما موته كأن لم يكن موجودا من قبل و ربما لم ينشر له نعي بعد وفاته في صحيفة غربية سوي في مقال متواضع الحجم في الجارديان البريطانية و ضعه صديقه آلف باليس الكاتب البريطاني‏.‏
لقد أصر شاحاك حتي آخر يوم في حياته علي قول الحقيقة لمواطنيه و لليهود حول العالم و للجميع و أن يستمر في بحثه عن الحقيقة التي تم تزييفها ليقدمها للأجيال القادمة‏*‏