396‏السنة 123-العدد2004اكتوبر23‏9 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

وزراء الثقافة العرب علي هامش معرض فرانكفورت‏:‏

العالم يسوده ثقافة القوة وليس الحوار

رسالة فرانكفورت ــ محمـد مطـــر


كل الناس يسعون بطبيعتهم نحو المعرفة بهذه العبارة يبدأ أحد أهم الكتب المعروفة في الفلسفة‏:‏ كتاب أرسطو في ما وراء الطبيعة‏..‏ هذا الفيلسوف وعالم الطبيعيات لديه ما يبرر هذه الفرضية ألا وهو سعادتنا المتجددة مع كل إحساس ندركه بحواسنا‏.‏
رغبتنا في الاستماع واللمس والشم والتذوق والرؤية والفهم‏,‏ الرغبة في المعرفة وحب الاستطلاع هما المحركان لعملية الابتكار والقدرة علي التجديد‏.‏ ولكن كيف تفكر الشعوب؟ ما تقاليدها؟ وكيف تعبر عن نفسها؟ هنا يمكن للأدب الإجابة عن هذه التساؤلات‏,‏ ها هو الأدب العربي انتقل أخيرا إلي البلدان الناطقة بالألمانية تمازج وتناغم مع الأدب الألماني‏,‏ وانفتحت خلال معرض فرانكفورت الدولي للكتاب بوابة جديدة ليطل منها العالم الغربي وأوروبا علي مشاهد من الحضارة العربية‏,‏ وتكون خطوة نحو التواصل والحوار وتقليل الهوة العميقة والتي هي بعمق البحر المتوسط بين الجانبين‏.‏حينما نشر الأديب الألماني مارتين فالزار روايته مصرع ناقد قبل نحو عامين بلغت الطبعة الأولي لكتابه ما يزيد علي المليون‏,‏ وحينما نشر روايته التالية مجري العشق كانت طبعته الأولي مائة ألف نسخة أما أفضل الكتاب العرب حينما ينشرون أهم إنتاج أدبي لهم فإن الطبعة الأولي لا تتجاوز سقف الثلاثة ألاف نسخة موجهة إلي أكثر من مائتين وخمسين مليونا يتحدثون لغة الضاد‏,‏ ويتلون أناء الليل وأطراف النهار اقرأ باسم ربك ولذا فإن معرض الكتاب الدولي لهذا العام في فرانكفورت الألمانية‏,‏ والذي وقع اختياره علي العالم العربي ليكون ضيف الشرف يضع أزمة الكتاب والقراء في العالم العربي تحت مجهر الرأي العام العربي والعالمي ولذا لم يكن مفاجئا تمثيل المستشار الألماني جيرهارد شرودر شخصيا علي منبر المعرض الدولي للكتاب هذا العام وطرحه سؤالا صريحا عن وجود كيان موحد يسمي الحضارة العربية والأدب العربي مشيرا إلي تنازع المصالح العربية الفردية بين بعضها البعض‏,‏ وإلي اختلاف الوجدان في كل بلد عربي وبالتالي إلي اختلاف حضارة الكلمة في الرقعة العربية المتشرذمة غير أن المستشار الألماني لم يغرد في سرب المتشائمين وتفاءل بوجود تكتل عربي في المستقبل علي جميع الأصعدة مؤكدا أن الاتحاد الأوروبي مثال حي علي أن المستحيل يمكن أن يتحول إلي واقع ملموس‏,‏ وأن ما كان يعتبر حلما أوروبيا بعيد المنال قد تحقق الآن بالوحدة الأوروبية‏,‏ وهو ما فهمه البعض علي أن شرودر يدعو العرب إلي الوحدة العربية وربما يكون أن هذه الدعوة قد تتفق مع قاله لي وزير الثقافة الليبي الدكتور مهدي إمبيرش فنظرته إلي الحضارات العربية والثقافة العربية كنظرية إلي الشجر الأخضر اليانع في غابة خضراء‏,‏ فلكل شجرة ذاتها وهو ما يسميه د‏.‏ مهدي إمبيرش باسم المشروع الثقافي ولكن جميع هذه الأشجار تنسجم في منظومة الغابة الواحدة الخضراء والاختلاف إذن بين الثقافات العربية ليس هو السبب في أزمة الكتاب والقراء في العالم العربي إنما الأسباب واضحة تري كيف تنشط حركة التأليف والمؤلف يعلم أنه لا يتمتع بالحماية القانونية لحقوقه الفكرية؟‏!‏ وأيضا كيف تنشط حركة النشر والناشر يعلم أن ربع سكان بلده علي الأقل أميون لا يقرأون ولا يكتبون؟‏!‏ وكيف إذن تنشط حركة تداول الكتاب في البلاد العربية التي يلهث فيها القراء ليل نهار وراء لقمة العيش المجردة؟ كيف يري الكتاب العربي نور الوجود غير مشوه في وقت تكبل فيه أجهزة الرقابة في الدول العربية ميلاد الكلمة‏.‏ بعد كل ذلك هل آن للكاتب العربي أن يتم الاعتراف به في وطنه في وقت لا يحصل فيه علي إ قرار إلا إذا أصدر إنتاجه الأدبي بلغة أجنبية إنجليزية كانت أم فرنسية‏,‏ ألمانية كانت أم إيطالية‏,‏ فإن معرض الكتاب الدولي في فرانكفورت لم يكن في الحقيقة دعوة من ألمانيا إلي العرب للاحتفال بذاتهم وبكتابتهم وإنما للوقفة الجادة مع الذات‏,‏ لحوار النفس واللحاق بانتعاش الكلمة في الحضارات‏.‏
‏**‏ سألته عن المشروع الثقافي الليبي داخل المنظومة العربية وكيف يمكن أن يسهم في تفعيل حوار الحضارات بعد الانفتاح الليبي علي الغرب وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية؟
أجاب وزير ثقافة ليبيا‏:‏ بلادي غنية بمعطياتها الثقافية والفكرية وأيضا لدينا إبداعاتنا وفنوننا التي تميزنا وربما يرجع ذلك إلي أن مشروعنا جماهيري ونحن لدينا لأول مرة وزارة ثقافة ولدينا أيضا مشاريع ثقافية كبري‏,‏ لقد بدأنا بالفعل في تنفيذها‏,‏ لقد توقفنا عن برنامج الدمار الشامل وغيرناه ببرنامج البناء الشامل رغم أن معاركنا السابقة كانت مساندة القضايا العربية‏,‏ والوقوف مع حركات التحرير في العالم‏.‏
لدينا مشروعات انفتاحية بناء دار للأوبرا ومركز ومدينة للثقافة‏,‏ ومشاريع للمسارح ودور السينما والملاهي وأيضا مسابقات ثقافية وأدبية ومركز للإعلام وفي طريقنا ولإقامة قناة فضائية ثقافية نريدها جسرا للتواصل سيكون لدينا المجلس الأعلي للثقافة وهو مجلس للتخطيط والمتابعة سنهتم كذلك بالمدن الأثرية والقديمة والتاريخية سوف تكون لدينا نهضة ثقافية نهدف منها إلي ربط العلاقات الثقافية بين الدول العربية وتحديدا مع مصر وكذلك ربطها مع الفضاء الإفريقي لتكون جسرا علي العالم الخارجي‏,‏ سوف نخصص أكبر ميزانية للثقافة لأننا نؤمن بأن المعركة أصبحت معركة ثقافية في المقام الأول‏.‏
صنعاء و وزراء الثقافة العرب

اليمن شارك بقوة في معرض فرانكفورت بوفد رفيع المستوي يرأسه الشاعر والمثقف خالد الرويشان وزير الثقافة اليمني الذي يقول بأن الوفد اليمني ضم أكثر من‏17‏ مفكرا وأدبيا وشاعرا ومثقفا بهدف تقديم صورة متكاملة عن جماليات الموروث الثقافي والفني والحضاري بكل أنواعه وأشكاله المتنوعة‏.‏
وحول اجتماع وزراء الثقافة العرب في صنعاء أكد الوزير أن هناك اجتماعات تحضيرية تمت منذ أسابيع استعدادا لتنظيم المؤتمر الرابع عشر لوزراء الثقافة العرب وذلك بالتنسيق مع عدد من الجهات والمنظمات العربية المعنية وأوضح الرويشان أن عقد المؤتمر في صنعاء سيتم مطلع ديسمبر القادم بمشاركة أكثر من خمسة عشر وزيرا ومسئول شئون ثقافية من مختلف البلدان العربية‏.‏
من المعروف أن الخرطوم ستتسلم الشعلة من صنعاء لتكون العام القادم هي عاصمة الثقافة العربية‏,‏ السودان الذي يعاني من مشاكل مختلفة ونزاعات مستمرة هو بلد مترامي الأطراف متنوع المناخات ومتعدد الأعراف والقبائل تسوده لغات محلية قبلية بجانب اللغة الغالبة العربية‏.‏
وحول استعدادات بلاده لتكون عاصمة للثقافة العربية يقول الماجد الخرطوم عاصمة للثقافة تسير في طريق مطروق سارت فيه قبلنا تسع دول عربية بدأتها القاهرة ثم بيروت وتونس والرياض والشارقة وعمان والكويت والرباط وصنعاء ففي هذا الطريق بأهدافه وبرامجه المختلفة يظل السودان يسير في هذا الطريق‏.‏ ويضيف‏:‏ السودان يضيف تنوعا وبعدا ثقافيا آخر للثقافة العربية وهو ارتباطه بالثقافة الإفريقية وتأثره وامتزاجه بالعربية والإفريقية حيث التأثير والتأثر‏,‏ ونحن نعد العدة للالتقاء بإخواننا العرب كزائزين للسودان وعارضين للثقافة العربية وأيضا بالإخوة الأفارقة فهم مشاركون في هذا الحدث فالسودان بلد التنوع والتعدد الثقافي الذي سيقدم الإبداع والفنون في جميع المجالات‏.‏ وسنرد من خلال هذه الاحتفالية علي الضغوط المتزايدة في اتجاه السودان‏,‏ ونكشف زيفها وأن تكون الخرطوم عاصمة للثقافة العربية رغم شح الإمكانات وضيق الظروف وتصاعد العداء فهذا يعبر عن أصالة وقيم وتراث الشعب السوداني‏.‏
المشاركة القطرية خلال معرض فرانكفورت كانت واضحة ومميزة وهذا ما يؤكده الشيخ سعود بن محمد آل ثاني المسئول عن الشئون الثقافية في بلاده حيث يقول إن المشاركة العربية تمثل فرصة للعالم العربي بأكمله بوصفه ضيف الشرف هذا العام لأن يعكس مفكروه وأدباؤه وثقافة‏.‏
الاحتفالية أتاحت خبرات في التنظيم وفي الحوار حول مختلف شئون الحياة في مراكز العالم الحضرية الكبري مشيرا إلي أن هذه الاحتفالية تأتي شاملة ومميزة لكونها لا تقتصر علي الفترة الزمنية المقررة للمعرض وهو أسبوع الافتتاح وإنما تمتد علي مدار السنة حتي موعد قيام الدورة الجديدة في عام‏2005‏ وتشمل مدنا ألمانية أخري غير فرانكفورت‏.‏
أسمي خضر وزير الدولة والناطق الرسمي للحكومة الأردنية ورئيس وفد بلادها المشارك في معرض فرانكفورت قالت إن حضور الفكر والثقافة والأدب والفنون وهذا العدد من المفكرين والمبدعين العرب هو تجسيد لأقصر الطرق التي يمكن من خلالها إبراز الحضارة العربية والإسلامية بشكل راق ومكثف أمام العالم أجمع‏,‏ وهذه المشاركة هي شكل جدي من أشكال حوار الحضارات الذي تحتاجه الأمة العربية في الوقت الراهن‏,‏ وأضاف خضر أن المشاركة مناسبة وفرصة ذهبية من أجل إطلاع العالم الغربي علي ما وصلت إليه كثير من الدول العربية من قفزات نحو التحديث المؤسساتي والعلمي والتكنولوجي والفكري والسياسي والثقافي وأيضا إطلاع الغرب علي ثوابت الحضارة الإسلامية الراسخة ودعائم الثقافة العربية ذات التاريخ الأصيل‏.‏
الإرهاب معركة دولية

سألت الدكتور المنجي سنينة المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ما هوحصاد المشاركة العربية‏,‏ في المعرض فأجاب ؟
أجاب د‏.‏ المنجي بو سنينة‏:‏ إحدي مكاسب المشاركة العربية في معرض فرانكفورت هي توحيد المجتمعات العربية من خلال الثقافة والفكر والأدب والنشر والفنون وذلك بغرض نقل صورة حضرية راقية للعالم العربي وفتح قنوات للحوار مع الآخر من خلال الفاعليات والندوات والأمسيات وكذلك المبدعين العرب هناك فلسفة عامة أيضا لمشروع المشاركة العربية تقوم علي معطيات متعددة من بينها إظهار الوجه الناصع لثوابت وقيم ديننا الإسلامي وثقافتنا العربية والإسلامية والسعي نحو مزيد من اكتشاف الآخر من خلال التجاور الحضاري معه‏,‏ والمعادلة بين التحديث والتغيير والتطلع لأن يكون لنا كيان وموقف متميز في العالم بما يليق بتاريخنا العريق‏.‏
لكن التحدي كان كبيرا في ظل الأصوات العدائية التي تقول إن العالم العربي ليس لديه شيء ليقدمه وأنه يعاني من المشاكل ونواقص التنمية هناك نظرة قاتمة تحاول إجهاض كل نجاح عربي وكان علينا أن نثبت أننا أمة ذات تاريخ ومستقبل أيضا وباستطاعتنا تقديم الفكر العربي بطريقة تنال الاحترام والتقدير‏,‏ وما نريده هو تقديم عالم عربي متحرك ومتغير يريد الإصلاح والتغيير والانصهار في العصر ينادي بحوار الحضارات والثقافات ولا يؤمن بالصدامات والحروب‏,‏ ويدعو إلي ثقافة السلام ولكن مع احترام شخصيته وأرائه ومكانته‏.‏
حديث وزراء الثقافة العرب لي وحواراتهم معي جعلتني استرجع ما قاله المستشار الألماني شرودر في كلمته الافتتاحية للمعرض حيث أخرج شردور النفس العربية من عقدة الذنب ولم يتح فرصة للمعرض ليلصق بالعرب تهمة الإرهاب التي تحكم الأجندة الدولية في السنوات الأخيرة والقادمة حينما أكد بصريح العبارة علي أن الإرهاب ليس حضارة‏,‏ وبالتالي فإن الحضارة العربية بريئة منه كبراءة الحضارة الألمانية منه وأن الإرهاب هو تحد للعرب والألمان والمجتمع الدولي علي السواء والجميع مدعوون لخوض غمار هذه المعركة من أجل الحفاظ علي التراث الحضاري‏.‏
ويقيني الشخصي أن كلمة شرودر في حفل الافتتاح لم تكن ترحيبا وتحية بقدر ما كانت برنامج عمل مختصرا ومطروحا للتنفيذ علي رأس الأجندة العربية‏.‏ فهل نحن فاعلون؟‏!*‏