396‏السنة 123-العدد2004اكتوبر23‏9 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

صورة قلمية
نورودوم سيهانوك‏..‏
الملك العاشق

‏‏ حســن فــؤاد


قالوا عنه إنه ملك علي عرش القلوب‏..‏ وفي هذا الأسبوع اكتسب صفة جديدة هي ملك المفاجآت‏..‏ فقد قرر فجأة أن يتنازل عن العرش لابنه وولي عهده‏,‏ الذي هو في الوقت ذاته رئيس الجمعية الوطنية البرلمان‏.‏
ولم تكن هذه هي المرة الأولي التي يتنازل فيها الملك نورودوم سيهانوك عن العرش‏..‏ وإنما المرة الثالثة‏!‏ فقد سبق له أن قدم هذا التنازل ليس لابنه‏,‏ وإنما لوالدته‏.‏ كان ذلك منذ أكثر من نحو ستين سنة وعلي وجه التحديد في عام‏1945,‏ حيث كان في ذلك الوقت شابا في مقتبل العمر لم يتجاوز‏.23‏ وقال عندئذ إنه يريد أن يتفرغ لقيادة بلاده في كفاحها ضد الاستعمار الفرنسي‏..‏ وكانت سلطات الاحتلال الفرنسية هي التي نصبته ملكا علي كمبوديا عام‏1941,‏ في ذروة معارك الحرب العالمية الثانية‏.‏
والعجيب في أمر سيهانوك أنه ظل ملكا علي بلاده طوال سنوات الحرب‏..‏ فلما انتهت هذه الحرب‏,‏ وبدا أن البلاد مقدمة علي فترة من الهدوء والسلم‏..‏ إذا به يتنازل عن العرش ويعود إلي اللقب الذي كان يحمله عند مولده وهو لقب أمير‏,‏ وبعد أن قاد أمته إلي الاستقلال عام‏1953‏ نصب ملكا من جديد ولكنه تنازل للمرة الثانية ثم أجري استفتاء عاما فاختاره الشعب رئيسا للدولة‏,‏ ثم عين والدته ملكة إلي أن توفيت في أواخر الستينيات‏.‏
وبعد وفاة والدته رفض أن يعود إلي العرش في حين احتفظت بلاده بنظامها الملكي‏,‏ وأصبح له وضع فريد‏,‏ فلا هو ملك ولا رئيس جمهورية وإنما رئيس لدولة نظامها ملكي أي مملكة بدون ملك‏,‏ وظل هو أميرا باعتباره ابن الملكة المتوفاه‏!‏ ومنذ منتصف الخمسينيات اشتهر كواحد من أقطاب عدم الانحياز‏,‏ ولكنه أثناء حرب فيتنام انحاز إلي الثوار ضد الامبريالية الأمريكية‏.‏
‏..‏ إلا أنه اكتشف بعد أربع سنوات أن الفيتناميين يثيرون العناصر الشيوعية الكمبودية ضده‏,‏ وقدمت له وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وثائق تشير إلي أنهم يتآمرون لاغتياله‏,‏ وعندئذ قرر استئناف العلاقات مع واشنطن‏,‏ واختار أحد جنرالاته الموالين للغرب رئيسا للوزراء‏.‏ وبعد عام واحد قاد هذا الجنرال انقلابا ضده‏,‏ وتولي رئاسة البلاد بدلا منه وأعلن إلغاء الملكية في كمبوديا‏.‏
ولم يجد سيهانوك بدا من الهرب إلي الصين حيث شكل حكومة في المنفي‏,‏ وراح يوجه النداءات من بكين إلي شعبه بأن يثور علي هذا الجنرال العميل الذي اغتصب منه السلطة‏.‏
ومنذ عام‏1970‏ بدأ حياة التصعلك والتشرد‏.‏ وفي البداية انشأ جبهة يسارية أدخل إليها الشيوعيين الكمبوديين الخمير الحمر الموالين للصين نكاية في الأمريكيين‏,‏ وشرعت الجبهة في تنظيم حرب تحرير‏,‏ وبعد خمس سنوات تمكن من الدخول إلي العاصمة بنوم بنه وخلع الحكومة العميلة‏.‏
وكان المفروض أن يعود تلقائيا بعد هذا الانتصار لكي يتولي رئاسة الدولة من جديد‏,‏ ولكن مرت سنتان دون أن يعرف أحد من هو الحاكم الفعلي لكمبوديا‏,‏ وانشقت الجبهة علي نفسها ووجد الخمير الحمر فرصتهم لتصفية خصومهم وحلفائهم السابقين علي السواء وغرقت البلاد في حرب أهلية كان من بين ضحاياها خمسة من أبناء سيهانوك و‏14‏ من أحفاده ووسط هذه الفوضي شرعت قوات فيتنام في غزو كمبوديا واستولت علي العاصمة وأقامت هناك حكومة موالية لها‏.‏ ومرة أخري رأي أن الفيتناميين خدعوه‏,‏ فغادر الصين متجها إلي باريس لكي يشكو للفرنسيين من غدر الشيوعيين‏,‏ ومن هناك استطاع أن يجمع حوله ممثلي الأطراف المتصارعة وأن يقنعهم بالموافقة علي إجراء انتخابات عامة تحت إشراف الأمم المتحدة في خريف عام‏1993‏ وبعد الانتخابات عاد إلي بكين لإجراء جراحة استئصال ورم سرطاني في القولون‏..‏ وقبل نهاية نفس العام أقر البرلمان الجديد إعادة تنصيب سيهانوك ملكا علي بلاده‏,‏ حتي يمكن تحقيق الوحدة الوطنية‏!!‏
وهو يدين بالبوذية كمعظم أبناء شعبه‏,‏ ويؤمن بالخرافات‏,‏ ولا يقدم علي أي خطوة إلا بعد أن يستشير المنجمين‏,‏ ويعترف في خطبه بأنه يثق في المنجمين بمقدار عشقه للنساء‏.‏ وفوق كل ذلك فهو فنان حالم يعشق العزف علي الساكسفون وآخر زوجاته الخمس كانت راقصة البالية الأولي في كمبوديا‏,‏ كما أنه يؤلف المقطوعات الموسيقية ويضع قصص الأفلام التي يخرجها بنفسه ويؤدي فيها دور البطولة بالتمثيل والغناء‏,‏ بالاشتراك مع زوجته الباليرينا ولهما فيلم مشهور اسمه الجزيرة الساحرة عرض في الكثير من دور السينما وشاهده جمهور القاهرة منذ أربعين عاما في سينما أوبرا‏.‏