
|
حديث العالم المحترم محمود المراغي..! |
 | |
د. عبدالمنعم سعيد بعد تخرجي في الجامعة في عام1970 قضيت أربع سنوات كاملة في القوات المسلحة المصرية, وبعد خروجي منها في أعقاب حرب أكتوبر وجدت نفسي موزعا ما بين وزارتي السياحة والإعلام, بينما كان أملي وحلمي الدائم أن ألتحق بالعمل في الأهرام ومركز الدراسات السياسية والإستراتيجية. وبينما الحال كذلك أخبرني الصديق أسامة الغزالي حرب أن الأستاذ حسين عبدالرازق يبحث عن عناصر جديدة وواعدة للعمل معه في مجلة تنشئها جمعية الدراسات الإفريقية اسمها رسالة إفريقيا سوف تصدر باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية. وهكذا قدر لي لأول مرة أن أقابل يساريا حقيقيا ومعه زوجته اليسارية أيضا السيدة الفاضلة فريدة النقاش. ولم يكن معني ذلك أنني لم أعرف يساريين من قبل, فقد كانت فترة الجامعة كلها حركة نشطة في وسط اليسار الطلابي, وبهذه الصفة أتاحت لي الأقدار لقاء كثير من اليساريين الكبار, بل إن مجموعة يسارية موهوبة هي التي كانت وراء صحافة جامعة القاهرة التي شاركت فيها بقوة بعد مظاهرات الطلبة في عام.1968 لكن حسين عبدالرازق كان أول العلاقات المؤسسية مع يساريين في حالة عمل, وليس في حالة نضال وكفاح زاعق, وبالتأكيد فإنه كان يختلف كثيرا عن أبناء جلدتنا من الزملاء في اليسار الجامعي, وكلهم كانو ا يتراوحون ما بين قنابل موقوتة في الخطابة وتعبئة الجماهير, وما بين حالات فلسفية بالغة التعقيد, وما بين هذا وذاك لا يوجد إلا حالة ملتهبة من الخلاف والضجيج. علي أي الأحوال لم تستمر رسالة إفريقيا طويلا, لكن الفترة القصيرة التي عملت فيها كاتبا في المجلة كانت كافية لكي تلقي ضوءا علي نوعية أخري من اليسار الذي يزن الأمور, ويتمتع بدرجة عالية من الأدب والاحترام لآراء الآخرين, وتحمل المسئولية السياسية والفكرية دون مزايدة. ومازلت أذكر بإجلال أن أعلي أجر أعطاه الرجل لي مقابل مقالة كتبتها, كانت علي تلك المقالة الوحيدة التي قرر عدم نشرها. لكن معرفة حسين عبدالرازق كانت بداية لمعرفة الكثيرين من أهل اليسار بجناحيه الماركسي والناصري, ورغم أن أفكاري تغيرت كثيرا في اتجاه محافظ وليبرالي بفعل القراءة الكثيرة خلال فترة التجنيد الطويلة في القوات المسلحة, وبفعل سلوكيات الكثير من زملاء اليسار من نفس الجيل, وبفعل الدراسة الطويلة في الولايات المتحدة, إلا أن الجماعة اليسارية كانت هي الأقرب فكريا لي بعد أن نزع المجتمع كله نحو الأصولية الدينية خلال الثمانينيات. وخلال هذه الفترة تشرفت كثيرا بمعرفة مجموعة هائلة من اليساريين المحترمين, الذين يحترمون الآخرين والرأي الآخر, ويعرفون معني المجتمع والمؤسسات, وأقدار الحجج والمواهب, ومن بينهم كان الأستاذ محمود المراغي رحمه الله. ولا أدعي أنني أصبحت صديقا للأستاذ محمود المراغي, فقد كان يكبرني بأكثر من عقد, وكان ينتمي لجيل الخمسينيات بقدر ما كنت أنتمي إلي جيل الستينيات من الناحية الوجدانية والفكرية, لكن ما أن يجمعنا جمع حتي كنت أبحث عن ساحة خالية تسمح بالاستماع إليه. وكنت أظن أن حسين عبدالرازق هو قمة الأدب ودماثة الخلق حتي تعرفت علي المراغي, فزاد عليه في كليهما صوتا خافتا ورقة وعذوبة وحالة من الخجل الطبيعي التي لا أظن أنها اجتمعت في يساري من قبل. وبالطبع كان الرجل يعرف حجم المسافات الفكرية الواقعة بيننا, لكنه لم يسمح أبدا لكل ذلك أن يؤثر في ولو للحظة في المسافة الإنسانية التي لم تكن بمسافة علي الإطلاق. وحتي عندما شاركت الأستاذ لطفي الخولي رحمه الله في تأسيس التحالف الدولي من أجل السلام العربي- الإسرائيلي وقامت قائمة اليسار كله علي كلينا وعلي زملاء لنا, فإن نقده كان بناء وداعيا للحوار في الساحة الصحفية حول الموضوع. وفي النهاية بقي الموضوع كله في إطار الخلاف المشروع علي عكس ما حدث من يسار آخر اتخذ المناسبة للتشهير ورجم الناس والأفكار. وخلال السنوات كلها كانت مقالاته واحدة من مصادر معلوماتي الأساسية, فقد كان مدققا في المعلومات الاقتصادية, وكان لديه من الحرفية ما يكفي لكي يميز ما بين الصحيح والمغلوط. وعندما تقابلنا لآخر مرة في مطلع الشهر في ورشة عمل نظمها المركز المصري للدراسات الاقتصادية للمحرريين الاقتصاديين في واحدة من المواقع السياحية في العين السخنة تشاركنا في جلسة واحدة عن أحوال الصحافة المصرية بين الواقع والطموح. وعلي هامش المناسبة تحادثنا وتناقشنا كما هي العادة, وعندما أخبرته بعزمي علي السفر ليلا حذرني برفق من أخطار الطريق, وكانت الأقدار تخبئ في ذات اللحظة وفاته علي واحد من الطرق الأخري. لكن فترة قيادة السيارة إلي القاهرة أتاحت لي الفرصة لمراجعة ذهنية لكل ما جري في ورشة العمل, وخلالها تساءلت لماذا لا يأخذ كثير من اليساريين المعاصرين بعضا من الأخلاق النبيلة لرجل مثل محمود المراغي, رحمه الله رحمة واسعة؟ وجاءتني الإجابة بأن الفارق في الأجيال اليسارية يعود إلي الثقافة الخاصة بكل جيل, فالمراغي كان علي ثقافة واسعة يندر وجودها بين أركان الأجيال الجديدة, وكان ملما بأحوال العالم, ويقرأ بلغة أجنبية, كما أن له نظرة إنسانية أساسية, والأهم من ذلك كله فقد كان صحفيا محترفا يعرف ما معني أن تكون الصحافة مهنة متكاملة الأركان. كل ذلك كان شائعا وتجده لدي الأساتذة اليساريين الكبار سواء من كان منهم صحفيا أم محاميا أم اقتصاديا أم محللا سياسيا, بعكس ما أصبح سائدا في الأجيال اليسارية الجديدة التي عرفت اليسار حالة من الحرب المستمرة التي تقوم علي امتهان الآخر والتعريض به للتغطية علي حالة مزمنة من الجهل وغياب المعرفة, وخلط السياسة بالدين من خلال نافذة الهوية والخصوصية. ومن المؤكد أن هناك استثناءات عديدة وكثيرة علي هذه المقولة العامة, لكن ما هو مقلق أن غياب شخصيات من نوعية محمود المراغي تهدد بخلل في توازن اليسار كله, بل انحرافه أحيانا في اتجاه المحافظة بدلا من التغيير, والفاشية بدلا من الديمقراطية و اللاإنسانية بدلا من الإنسانية. لذلك كله فإننا سوف نفتقد الأستاذ المراغي كثيرا, ليس فقط ككاتب صحفي, ومحرر اقتصادي موهوب, وواحد من أركان الكتابة اليسارية في مصر, وإنما لأن الساحة سوف تفتقد نصيرا مهما للقيم السياسية المحترمة التي تعرف الأدب والحوار مع المختلفين في الرأي, في بلد تزيد فيه مساحة الغوغائية السياسية باضطراد نتيجة الفضائيات العربية والصحافة قليلة التكلفة أو صحافة المقاولات, فإن غياب المراغي يصبح خسارة فادحة. لكن مصر ولادة كما يقال ولم تخذلنا قط في إنتاج تلاميذ للرجل الذي فارقنا دون وداع, وإنا لله وإنا إليه راجعون.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|