
|
هامش من خطاب الأزمة إلي خطاب الوحدة الوطنية(2/3) |
 | |
نبيل عبد الفتاح يمكن القول إن الخطاب البحثي ـ والأكاديمي ـ الذي أنتجه بعض الباحثين والمؤرخين المصريين ـ المسلمين والأقباط, ظهر كجزء من الخطاب العلمي نحو دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية والرمزية للأديان في المجتمع المصري, هذا الاتجاه يمثل نقلة موضوعية, ويتسم بالنزاهة في التعامل مع القضايا والظواهر الدينية والسياسية الإسلامية والمسيحية, وبروح الإنصاف, والولاء للقيم الحداثية السياسية والدستورية والقانونية, والأهم لتقاليد البحث العلمي الموضوعي. إن نظرة تحليلية لوقائع, وموضوعات, وأسباب العنف السياسي ـ ذي الوجوه الدينية والطائفية ـ تكشف عن تحول المسكوت عنه قبطيا, إلي حالة إفصاح داخلي أولا, قبل أن يكون صدي للخطاب القبطي المهجري, الذي برز خلال عقد ويزيد, كجزء من ثورة الاتصالات والمرئيات والشبكات, وعالم الديجتال, وهو خطاب يتسم بنزعة راديكالية وطائفية لدي بعضهم, بالتركيز علي بعض الوقائع التي تمثل انتهاكا لحقوق الأقباط بوصفهم الديني والمذهبي, أكثر من كونهم مواطنين مصريين, لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم بلا تحيز أو تمييز لأي سبب من الأسباب. ثمة ملمح بارز في بعض الخطاب القبطي المهجري ـ وسأعود له في في مقال قادم ـ هو التركيز علي ظاهريات الوقائع الماسة ببعض المواطنين الأقباط, دونما نفاذ إلي أسبابها وأطرافها ونتائجها أي إلي الجذور الوقائعية, حتي يمكن الوصول إلي تقويمات موضوعية, تتسم بعمق المعالجة والنزاهة, الأمر الذي يرفع عنها التحيز الطائفي, ويدخلها في نطاق الحوار حول الحالة المواطنية والسلوكيات المضادة لها وللقواعد القانونية الحديثة. لا شك أن أكثر من ثلاثة عقود أدت إلي إنتاج خطابات عديدة حول أوضاع الأقباط, بعضها ذو نزعة داخلية, وأسطورية ـ تاريخيا وسياسيا ورمزيا ـ وترمي إلي التركيز علي تاريخ الاضطهاد والاستشهاد القبطي, وعن المواطنين الأصليين ـ لاحظ التشابه والتخليط في وصف الأقباط مع الهنود الحمر, والسكان الأصليين في أستراليا وغينيا الجديدة.. إلخ! ـ وإلي بروز إنتاج لاهوتي قديم ـ جديد سجالي حول الأديان الأخري, يواجه بعض الخطابات الإسلامية السجالية إزاء العقائد المسيحية. هذا النمط من الخطابات الميثولوجية حول الجذور والأصول والتمجيد الذاتي, تلجأ إليه غالبا الجماعات الدينية والمذهبية ـ لاحظ وقارن مع الخيال الجمعي الشيعي, والأباضي, والخوارجي لدي بعض المسلمين في مناطق عديدة ـ في لحظات تاريخية, كالأزمات والاحتقانات الدينية والطائفية والمذهبية والعرقية.. إلخ! ومن ثم فهو خطاب ضمن خطابات أخري تمثل جزءا من مواريث وتراكمات الرأسمال الديني والمذهبي التاريخي لجماعة ما. وتعتمد عمليات استدعاء هذا النمط من الرأسمال الديني والمذهبي التاريخي, علي أوضاع هذه الجماعة, أو تلك في مجتمع ودولة ما, إذا تحسنت أوضاعها, وتفاعلوا ضمن إطارها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي, سرعان ما يتراجع هذا الرأسمال الديني التاريخي إلي خلفية الذاكرة والخيال الجماعي, وتبرز عمليات الرأسمال الرمزي للاندماج القومي في حالة الدولة ـ الأمة. الخطاب الميثولوجي التاريخي سالف السرد, خطاب يستهلك ضمن آليات التنشئة الاجتماعية ـ المذهبية, وهو يمثل عائقا إدراكيا إزاء التكامل الوطني, ويماثل خطاب المساجلات العقائدية ضد المسيحيين وضد الشيعة لدي بعض غلاة الجماعات والوعاظ الإسلاميين, كليهما يمثل حالة إعاقة لوحدة الأمة. ثمة تنبه سياسي للخطابات المباشرة حول مشاكل وهموم الأقباط, لأنها تبدو واضحة ولأنها تمس بعض سياسات الصفوة الحاكمة, والصراع السياسي المباشر بين الحكم, والمعارض الإسلامية. من ناحية أخري, لم تلتفت أغلب الصفوة الحاكمة, ولا غالبية الجماعة الثقافية ـ علي اختلاف انتماءاتها الفكرية والسياسية ـ إلي خطورة توظيف الخطابات السجالية حول الأديان والمذاهب والتي تمس العقائد وإيمانات الجمهور, في إستراتيجات وعمليات التنشئة الاجتماعية ـ الدينية, وفي التعبئة السياسية, وأيضا توظيفات الرأسمال الديني التاريخي في هذا الإطار, ومن أبرز نتائج هذا النمط من الخطابات أنها أدت ولاتزال إلي بناء وعي منقسم علي ذاته, في العلاقة مع تاريخ الجماعة الدينية المذهبية من ناحية, والعلاقة مع المواطنين الآخرين المغايرين دينيا ومذهبيا والأخطر مع الإنتاج السياسي ـ الثقافي ـ الاجتماعي للحداثة, كالدولة الحديثة, والأمة المصرية. إن غالبية الخطابات الدينية السجالية, والتي تدور حول الرأسمال الديني ـ التاريخي ونظائرها, تؤدي إلي انشطارات إدراكية, وإلي بناء هويات انقسامية, وإلي صراعات علي الهويات المختلفة أيا كانت. إن الخطابات السابقة أدت إلي تراكمات سلبية في الوعي والإدراك, وأسهمت في تآكل الرأسمال التاريخي للاندماج ا لقومي المصري الذي دار حول الدولة ـ الأمة الحديثة, ومواريث الثورة المصرية الوطنية عام1919 ضد الاحتلال الأجنبي, حيث شارك المصريون جميعا ـ مسلمين وأقباط ـ في الثورة, وفي بناء المؤسسات الدستورية والسياسية والقانونية الحديثة. لم تكن قيم وقواعد المواطنة منحة من أحد حاكما كان, أم مستعمرا!! إنما كانت جزءا من إرث وطني, وجهد وكفاح مشترك للمصريين جميعا, في بناء بلادهم ودولتهم الحديثة. نشأت صفوة حديثة, ذات تكوين وتعليم وتدريب سياسي, وحقوقي رفيع في قلب عمليات الحداثة والتحديث القانوني والسياسي والإداري, وكجزء من أسئلة كبري, وإجابات, ورؤي ومشروعات حاولت إيجاد حلول لمشاكل التخلف السياسي والاجتماعي والثقافي للمصريين جميعا بلا تمييز ولا تحيز, والربط بين الاستقلال الوطني, والتقدم وبناء الدولة والمؤسسات الحديثة, والعلاقة مع الأمم المتدينة. من هنا نستطيع أن نقول بلا مبالغة, إن أرث الحركة الوطنية الدستورية المصرية المعادية للاستعمار البريطاني, هو الذي ساعد علي استمرارية بقايا ما يطلق عليه بالوحدة الوطنية حتي اللحظة الراهنة, وهو تعبير غامض, وذو مورد ديني, وأمني, ويستخدم كجزء من مقولات قمعية تستدعي أثناء الأزمات لتبرير الرعونة السياسية للصفوة الحاكمة وعدم الحسم في معالجة المشكلات البنائية للدولة ومؤسساتها, وبعض الظواهر الاجتماعية المضادة للقانون والاندماج القومي المصري. إن بدايات مشكلات الاندماج القومي, تعود إلي الأربعينيات من القرن الماضي, إلا أنها تفاقمت لأسباب عديدة تتعلق بالصفوة الحاكمة التي جاءت بعد جمهورية يوليو ونظامها التسلطي, واعتمدت علي شرعية جديدة, هي الشرعية الثورية ثم الشرعية الدستورية الشعاراتية, وفق مقولات الخبراء القانونيين السلطويين للرئيس السادات, ومعها شرعية إنجاز السادات في حرب أكتوبر1973 والانفتاح علي الغرب والولايات المتحدة, والتعددية السياسية الشكلية والمقيدة قانونية وسياسيا وأمنيا!
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|