
|
نشطاؤها يتحركون في أروقة السلطة والأحزاب
الوسطاء يحمون لبنان من الهاوية |
 | |
بيروت- فتحي محمود الحياة السياسية في لبنان تقوم علي الوساطات المستمرة, فطبيعة النظام الطائفي والعلاقات السياسية والاقتصادية في البلاد تقوم علي الوساطة, فالكل وسطاء للكل, ومن يقوم بدور الوساطة اليوم, يبحث عمن يتوسط له غدا, لأن العلاقات بين الأطراف المختلفة ليست مستقرة, وحلفاء الأمس هم أعداء اليوم, والعكس صحيح. وعندما توجهت ذات مرة إلي إحدي الدوائر الحكومية المهمة في بيروت لقضاء مصلحة شخصية, فوجئت بالموظف المسئول يستفسر مني عن اسم المرجع الخاص بي, ليدونه رسميا في دفاتره, ولم أفهم معني السؤال, واكتشف الموظف جهلي بهذا الموضوع, فاضطر أن يشرحه لي, لأعرف أن المقصود ببساطة من هو واسطتي لقضاء هذه المصلحة. وعلي المستوي السياسي فإن الأزمة السياسية التي شهدتها لبنان طوال الشهرين الأخيرين, منذ تعديل الدستور وتمديد ولاية الرئيس إميل لحود لمدة ثلاث سنوات جديدة, أفرزت مجموعة كبيرة من الوساطات لتجاوز الأزمة علي جميع المستويات داخليا وخارجيا. فعندما اضطر رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري للموافقة علي تمديد ولاية الرئيس لحود, كان لابد من البحث عن صيغة جديدة للتعايش بين الرجلين وإنهاء أو علي الأقل تخفيف حالة الحرب الباردة المعلنة بينهما منذ سنوات طويلة, وكانت أول مشكلة بينهما بعد التمديد هي طبيعة وتشكيلة الحكومة اللبنانية الجديدة, فالحريري يري أن تكون حكومة مصغرة من18 وزيرا تستبعد الحزبين وتكتفي بالتكنوقراط, لتتمكن من تجاوز الخلافات التي تقسم مجلس الوزراء, وتمنعه من القيام بأي إنجاز حقيقي, بينما يتمسك لحود بحكومة موسعة من30 وزيرا تضم وزراء حزبيين لتمثل القوي السياسية الموالية له, ولا يكون الحريري مطلق اليد وحده في عملها. وكان من الطبيعي أن يكون أول الوسطاء بين الجانبين نبيه بري رئيس مجلس النواب, خاصة أنه ليس مجرد وسيط محايد وإنما شريك فعلي في الترويكا اللبنانية, وله حصة من الوزراء في الحكومة, وقام بري بدور كبير في هذا الموضوع للوصول إلي حل وسط يرضي الطرفين. ولم يقتصر أمر الوساطات علي طبيعة التشكيلة الحكومية فقط, لكن تعداه إلي أسماء الوزراء أيضا, فعملية اختيار الوزراء الجدد لا تعتمد فقط علي مراعاة توازن سياسي وطائفي معين, وإنما تتطرق أيضا إلي أسماء الوزراء والحقيبة التي يشغلها كل منهم, وهنا تلعب الوساطة السياسية الدور الأكبر لحسم الأمر, خاصة أن ذلك لابد أن يتم بالتوافق بين رؤساء الجمهورية والحكومة ومجلس النواب. والوساطات الأكبر في الأزمة السياسية في لبنان, كانت بين المعارضة وبين نظام الحكم, وبين المعارضة وبين سوريا, فعملية تمديد ولاية الرئيس لحود فجرت أزمة ضخمة بين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي عارض التمديد من جهة وبين سوريا والرئيس لحود من جهة أخري. وهذه الأزمة شهدت نوعين من الوساطة, سرية قام بها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله, وعلنية قام بها رفيق الحريري, فالزعيم الدرزي الذي كان لفترة طويلة من أهم حلفاء سوريا في لبنان, بعد سنوات أخري من الخلاف, فوجئ باستبعاده من المشاورات التي قامت بها سوريا حول الاستحقاق الرئاسي في لبنان, وفوجئ بإشارات سورية غاضبة من تصريحاته حول ضرورة إصلاح العلاقات اللبنانية السورية في إطار المصلحة العربية, وكان من الطبيعي أن يتحرك السيد حسن نصر الله لرأب هذا الصدع بسرعة, لأن جنبلاط من أبرز مؤيدي المقاومة في لبنان, وسوريا هي الراعي شبه الرسمي لحزب الله, وتصاعد الخلاف بين الجانبين يعني خسارة محققة لحزب الله والمقاومة, وكعادته دائما فضل نصر الله القيام بالوساطة بعيدا عن الإعلام وفي سرية تامة ليضمن لها أفضل فرص النجاح.
|
 | | وساطة حسن نصرالله ورفيق الحريرى انقذت العلاقة بين سوريا وحزب الله |
في الوقت نفسه كانت وساطة الحريري علنية, فهو يري أن وجود وزراء لجنبلاط وسوريا وخروج جنبلاط من الحكم هو خسارة كبيرة له, وعندما قابل الحريري الرئيس الأسد مرتين أخيرا في سوريا, كان يجتمع بجنبلاط فور عودته من دمشق, ليحاول تقريب وجهات النظر بين الجانبين, لكن محاولة اغتيال أقرب معاوني جنبلاط وزير الاقتصاد السابق مروان حمادة, وتمسك جنبلاط بشروطه للمشاركة في الحكومة, أديا إلي فشل وساطة الحريري. ولا تقتصر الوساطة السياسية في لبنان علي الخلافات بين الحكم والمعارضة فقط, وإنما تمتد أيضا إلي الخلافات بين القوي السياسية حتي داخل الطائفة الواحدة. وأبرز مثال علي ذلك حزب الله وحركة أمل. فهناك حساسيات عديدة بين أمل وحزب الله حول من يمثل الشيعة سياسيا في لبنان, لكن الانتخابات البلدية التي جرت منذ عدة أشهر فجرت الموقف بينهما, فقد نجح حزب الله بالتحالف مع البعث وقوي سياسية أخري في توجيه ضربات أليمة إلي حركة أمل في هذه الانتخابات, ففي مناطق بعلبك وجنوب لبنان, التي تضم أغلبية شيعية, فازت قوائم حزب الله الانتخابية بأكثر من%60 من البلديات, علي حساب حركة أمل التي تراجعت قوائمها الانتخابية, واعتبر زعيم حركة أمل نبيه بري وقتها ما يحدث بأنه عملية تحجيم موجهة ضده. وقبيل بداية شهر رمضان بيومين نجحت الوساطة المكثفة التي قامت بها السفارة الإيرانية في بيروت, في جمع زعيم حركة أمل نبيه بري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله علي مأدبة عشاء بالسفارة, تم خلاله طرح كل نقاط الخلاف بين الجانبين. وعلي الجانب المقابل فقد شهد الحزب الشيوعي اللبناني منذ فترة ليست بالقصيرة خلافات متعددة داخله, وعلي مستويات مختلفة, حول أداء الحزب في السنوات الأخيرة, وسبل تنشيطه, ولم تنجح الوساطات السياسية المختلفة, التي كان من أبرزها وساطة الأمين العام السابق للحزب جورج حاوي, في منع انشقاق بعض الأطراف عن الحزب, رغم انتخاب أمانة عامة جديدة له. وتكرست هذه الانشقاقات يوم الأحد الماضي, بالإعلان رسميا عن تأسيس حركة اليسار الديمقراطي, التي يعتقد معظم المراقبين في بيروت أنها قد تكون الوريث الطبيعي للحزب الشيوعي اللبناني. |
 | | حسن نصرالله |
ولم يكن هذا الانشقاق هو الأبرز علي الساحة الحزبية في لبنان أخيرا, فقد سبقته الانشقاقات التي حدثت داخل حزب الكتائب اللبنانية الذي ارتبط اسمه بالحرب الأهلية في لبنان, فمنذ وفاة مؤسس الحزب ورئيسه الشيخ بيير الجميل, في منتصف الثمانينيات, والحزب يشهد خلافات متعددة, وانتهي به الأمر منذ عام إلي نجاح أحد أبرز قيادييه المحامي كريم بقرادوني في عقد مؤتمر عام للحزب وانتخابه رئيسا له, الأمر الذي اعتبره آل الجميل عملية استيلاء غير مشروعة علي حزبهم, أسسوا علي إثره الحركة الكتائبية الإصلاحية, ونشبت معركة إعلامية بين الجانبين, وفشلت أي وساطة بينهما, لأن الخلاف ليس علي رئاسة الحزب فقط, لكن علي توجهاته الأساسية. ونظرا لوجود شخصيات لبنانية عديدة, لها اتصالات وعلاقات دولية مهمة, الوساطة السياسية في لبنان لا تقتصر فقط علي الخلافات الداخلية, لكن تشمل أيضا العلاقات الدولية. وخلال الأزمة السياسية الأخيرة بين كل من الولايات المتحدة وفرنسا من جهة وسوريا ولبنان من جهة أخري, لعب رئيس الوزراء رفيق الحريري دورا مهما ليس فقط بصفته رئيسا لوزراء لبنان, وإنما كصديق شخصي للرئيس الفرنسي جاك شيراك, في الوساطة لكي تتخلي فرنسا عن دعم الإدارة الأمريكية في الضغط علي سوريا ولبنان. ونفس الوساطة قام بها نائب رئيس الوزراء اللبناني عصام فارس مع الإدارة الأمريكية, نظر العلاقات الصداقة التي تربطه مع عدد من المسئولين الأمريكيين ومنهم الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون, بالإضافة إلي وجود عدة شركات مملوكة له داخل الولايات المتحدة. والغريب أن علاقة الصداقة التي تربط كلا من الحريري وفارس, بكبار المسئولين في فرنسا وأمريكا ودول عديدة أخري, تنبع أساسا من كونهما رجلي أعمال معروفين علي المستوي الدولي, وليس بسبب منصبيهما في الحكومة اللبنانية. وقبيل الحرب الأمريكية علي العراق برزت وساطة لبنانية أخري, هي وساطة الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل الذي تربطه علاقات وثيقة ببعض المسئولين الأمريكيين وأبرزهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد, ومع الرئيس العراقي السابق صدام حسين في الوقت نفسه. وإذا كانت وساطة الجميل بين صدام وأمريكا معروفة, فإن هناك وساطة أخري للرئيس اللبناني الأسبق لا يعرف عنها الكثيرون شيئا, وحققت نجاحا ملحوظا, فقد شارك الجميل في الوساطات المتعددة بين ليبيا وأمريكا في السنوات الماضية, وكان واحدا من أهم الذين نجحوا في حل الخلافات بين الجانبين وعودة العلاقات الليبية- الأمريكية. وعلي المستوي الدولي أيضا يمكن إدراج الوساطة الألمانية بين حزب الله وإسرائيل, التي نجحت في تنفيذ المرحلة الأولي من صفقة تبادل الأسري والمعتقلين بين الجانبين, ومازالت مستمرة لتنفيذ المرحلة الثانية الخاصة بعميد الأسري اللبنانيين سمير القنطار. وفي سياق حزب الله أيضا يمكننا أن نؤكد أن هناك حوارا مفتوحا بين الحزب وبعض السفارات الأوروبية في بيروت, ومنها السفارة البريطانية, يستهدف توضيح الصورة الحقيقية للحزب, حتي تقوم هذه السفارات بدور الوساطة مع الاتحاد الأوروبي لعدم التعامل مع حزب الله كمنظمة إرهابية, وقد نجحت هذه الوساطة في بعض الأحيان, في وقف إجراءات عقابية أكثر كانت أمريكا تضغط علي الاتحاد الأوروبي من أجل اتخاذها ضد حزب الله. الوساطات الساسية في لبنان كثيرة ومتشعبة, لأن النظام السياسي اللبناني نفسه مجرد وسيط بين الشعب وصاحب القرار* |
|
 |
|
|
 |
|
|