396‏السنة 123-العدد2004اكتوبر23‏9 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

نشطاؤها يتحركون في أروقة السلطة والأحزاب

الوسطاء يحمون لبنان من الهاوية

‏ بيروت‏-‏ فتحي محمود


الحياة السياسية في لبنان تقوم علي الوساطات المستمرة‏,‏ فطبيعة النظام الطائفي والعلاقات السياسية والاقتصادية في البلاد تقوم علي الوساطة‏,‏ فالكل وسطاء للكل‏,‏ ومن يقوم بدور الوساطة اليوم‏,‏ يبحث عمن يتوسط له غدا‏,‏ لأن العلاقات بين الأطراف المختلفة ليست مستقرة‏,‏ وحلفاء الأمس هم أعداء اليوم‏,‏ والعكس صحيح‏.‏
وعندما توجهت ذات مرة إلي إحدي الدوائر الحكومية المهمة في بيروت لقضاء مصلحة شخصية‏,‏ فوجئت بالموظف المسئول يستفسر مني عن اسم المرجع الخاص بي‏,‏ ليدونه رسميا في دفاتره‏,‏ ولم أفهم معني السؤال‏,‏ واكتشف الموظف جهلي بهذا الموضوع‏,‏ فاضطر أن يشرحه لي‏,‏ لأعرف أن المقصود ببساطة من هو واسطتي لقضاء هذه المصلحة‏.‏
وعلي المستوي السياسي فإن الأزمة السياسية التي شهدتها لبنان طوال الشهرين الأخيرين‏,‏ منذ تعديل الدستور وتمديد ولاية الرئيس إميل لحود لمدة ثلاث سنوات جديدة‏,‏ أفرزت مجموعة كبيرة من الوساطات لتجاوز الأزمة علي جميع المستويات داخليا وخارجيا‏.‏
فعندما اضطر رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري للموافقة علي تمديد ولاية الرئيس لحود‏,‏ كان لابد من البحث عن صيغة جديدة للتعايش بين الرجلين وإنهاء أو علي الأقل تخفيف حالة الحرب الباردة المعلنة بينهما منذ سنوات طويلة‏,‏ وكانت أول مشكلة بينهما بعد التمديد هي طبيعة وتشكيلة الحكومة اللبنانية الجديدة‏,‏ فالحريري يري أن تكون حكومة مصغرة من‏18‏ وزيرا تستبعد الحزبين وتكتفي بالتكنوقراط‏,‏ لتتمكن من تجاوز الخلافات التي تقسم مجلس الوزراء‏,‏ وتمنعه من القيام بأي إنجاز حقيقي‏,‏ بينما يتمسك لحود بحكومة موسعة من‏30‏ وزيرا تضم وزراء حزبيين لتمثل القوي السياسية الموالية له‏,‏ ولا يكون الحريري مطلق اليد وحده في عملها‏.‏
وكان من الطبيعي أن يكون أول الوسطاء بين الجانبين نبيه بري رئيس مجلس النواب‏,‏ خاصة أنه ليس مجرد وسيط محايد وإنما شريك فعلي في الترويكا اللبنانية‏,‏ وله حصة من الوزراء في الحكومة‏,‏ وقام بري بدور كبير في هذا الموضوع للوصول إلي حل وسط يرضي الطرفين‏.‏
ولم يقتصر أمر الوساطات علي طبيعة التشكيلة الحكومية فقط‏,‏ لكن تعداه إلي أسماء الوزراء أيضا‏,‏ فعملية اختيار الوزراء الجدد لا تعتمد فقط علي مراعاة توازن سياسي وطائفي معين‏,‏ وإنما تتطرق أيضا إلي أسماء الوزراء والحقيبة التي يشغلها كل منهم‏,‏ وهنا تلعب الوساطة السياسية الدور الأكبر لحسم الأمر‏,‏ خاصة أن ذلك لابد أن يتم بالتوافق بين رؤساء الجمهورية والحكومة ومجلس النواب‏.‏
والوساطات الأكبر في الأزمة السياسية في لبنان‏,‏ كانت بين المعارضة وبين نظام الحكم‏,‏ وبين المعارضة وبين سوريا‏,‏ فعملية تمديد ولاية الرئيس لحود فجرت أزمة ضخمة بين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي عارض التمديد من جهة وبين سوريا والرئيس لحود من جهة أخري‏.‏
وهذه الأزمة شهدت نوعين من الوساطة‏,‏ سرية قام بها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله‏,‏ وعلنية قام بها رفيق الحريري‏,‏ فالزعيم الدرزي الذي كان لفترة طويلة من أهم حلفاء سوريا في لبنان‏,‏ بعد سنوات أخري من الخلاف‏,‏ فوجئ باستبعاده من المشاورات التي قامت بها سوريا حول الاستحقاق الرئاسي في لبنان‏,‏ وفوجئ بإشارات سورية غاضبة من تصريحاته حول ضرورة إصلاح العلاقات اللبنانية السورية في إطار المصلحة العربية‏,‏ وكان من الطبيعي أن يتحرك السيد حسن نصر الله لرأب هذا الصدع بسرعة‏,‏ لأن جنبلاط من أبرز مؤيدي المقاومة في لبنان‏,‏ وسوريا هي الراعي شبه الرسمي لحزب الله‏,‏ وتصاعد الخلاف بين الجانبين يعني خسارة محققة لحزب الله والمقاومة‏,‏ وكعادته دائما فضل نصر الله القيام بالوساطة بعيدا عن الإعلام وفي سرية تامة ليضمن لها أفضل فرص النجاح‏.‏
وساطة حسن نصرالله ورفيق الحريرى انقذت العلاقة بين سوريا وحزب الله
في الوقت نفسه كانت وساطة الحريري علنية‏,‏ فهو يري أن وجود وزراء لجنبلاط وسوريا وخروج جنبلاط من الحكم هو خسارة كبيرة له‏,‏ وعندما قابل الحريري الرئيس الأسد مرتين أخيرا في سوريا‏,‏ كان يجتمع بجنبلاط فور عودته من دمشق‏,‏ ليحاول تقريب وجهات النظر بين الجانبين‏,‏ لكن محاولة اغتيال أقرب معاوني جنبلاط وزير الاقتصاد السابق مروان حمادة‏,‏ وتمسك جنبلاط بشروطه للمشاركة في الحكومة‏,‏ أديا إلي فشل وساطة الحريري‏.‏
ولا تقتصر الوساطة السياسية في لبنان علي الخلافات بين الحكم والمعارضة فقط‏,‏ وإنما تمتد أيضا إلي الخلافات بين القوي السياسية حتي داخل الطائفة الواحدة‏.‏ وأبرز مثال علي ذلك حزب الله وحركة أمل‏.‏
فهناك حساسيات عديدة بين أمل وحزب الله حول من يمثل الشيعة سياسيا في لبنان‏,‏ لكن الانتخابات البلدية التي جرت منذ عدة أشهر فجرت الموقف بينهما‏,‏ فقد نجح حزب الله بالتحالف مع البعث وقوي سياسية أخري في توجيه ضربات أليمة إلي حركة أمل في هذه الانتخابات‏,‏ ففي مناطق بعلبك وجنوب لبنان‏,‏ التي تضم أغلبية شيعية‏,‏ فازت قوائم حزب الله الانتخابية بأكثر من‏%60‏ من البلديات‏,‏ علي حساب حركة أمل التي تراجعت قوائمها الانتخابية‏,‏ واعتبر زعيم حركة أمل نبيه بري وقتها ما يحدث بأنه عملية تحجيم موجهة ضده‏.‏
وقبيل بداية شهر رمضان بيومين نجحت الوساطة المكثفة التي قامت بها السفارة الإيرانية في بيروت‏,‏ في جمع زعيم حركة أمل نبيه بري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله علي مأدبة عشاء بالسفارة‏,‏ تم خلاله طرح كل نقاط الخلاف بين الجانبين‏.‏
وعلي الجانب المقابل فقد شهد الحزب الشيوعي اللبناني منذ فترة ليست بالقصيرة خلافات متعددة داخله‏,‏ وعلي مستويات مختلفة‏,‏ حول أداء الحزب في السنوات الأخيرة‏,‏ وسبل تنشيطه‏,‏ ولم تنجح الوساطات السياسية المختلفة‏,‏ التي كان من أبرزها وساطة الأمين العام السابق للحزب جورج حاوي‏,‏ في منع انشقاق بعض الأطراف عن الحزب‏,‏ رغم انتخاب أمانة عامة جديدة له‏.‏
وتكرست هذه الانشقاقات يوم الأحد الماضي‏,‏ بالإعلان رسميا عن تأسيس حركة اليسار الديمقراطي‏,‏ التي يعتقد معظم المراقبين في بيروت أنها قد تكون الوريث الطبيعي للحزب الشيوعي اللبناني‏.‏
حسن نصرالله
ولم يكن هذا الانشقاق هو الأبرز علي الساحة الحزبية في لبنان أخيرا‏,‏ فقد سبقته الانشقاقات التي حدثت داخل حزب الكتائب اللبنانية الذي ارتبط اسمه بالحرب الأهلية في لبنان‏,‏ فمنذ وفاة مؤسس الحزب ورئيسه الشيخ بيير الجميل‏,‏ في منتصف الثمانينيات‏,‏ والحزب يشهد خلافات متعددة‏,‏ وانتهي به الأمر منذ عام إلي نجاح أحد أبرز قيادييه المحامي كريم بقرادوني في عقد مؤتمر عام للحزب وانتخابه رئيسا له‏,‏ الأمر الذي اعتبره آل الجميل عملية استيلاء غير مشروعة علي حزبهم‏,‏ أسسوا علي إثره الحركة الكتائبية الإصلاحية‏,‏ ونشبت معركة إعلامية بين الجانبين‏,‏ وفشلت أي وساطة بينهما‏,‏ لأن الخلاف ليس علي رئاسة الحزب فقط‏,‏ لكن علي توجهاته الأساسية‏.‏
ونظرا لوجود شخصيات لبنانية عديدة‏,‏ لها اتصالات وعلاقات دولية مهمة‏,‏ الوساطة السياسية في لبنان لا تقتصر فقط علي الخلافات الداخلية‏,‏ لكن تشمل أيضا العلاقات الدولية‏.‏
وخلال الأزمة السياسية الأخيرة بين كل من الولايات المتحدة وفرنسا من جهة وسوريا ولبنان من جهة أخري‏,‏ لعب رئيس الوزراء رفيق الحريري دورا مهما ليس فقط بصفته رئيسا لوزراء لبنان‏,‏ وإنما كصديق شخصي للرئيس الفرنسي جاك شيراك‏,‏ في الوساطة لكي تتخلي فرنسا عن دعم الإدارة الأمريكية في الضغط علي سوريا ولبنان‏.‏
ونفس الوساطة قام بها نائب رئيس الوزراء اللبناني عصام فارس مع الإدارة الأمريكية‏,‏ نظر العلاقات الصداقة التي تربطه مع عدد من المسئولين الأمريكيين ومنهم الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون‏,‏ بالإضافة إلي وجود عدة شركات مملوكة له داخل الولايات المتحدة‏.‏
والغريب أن علاقة الصداقة التي تربط كلا من الحريري وفارس‏,‏ بكبار المسئولين في فرنسا وأمريكا ودول عديدة أخري‏,‏ تنبع أساسا من كونهما رجلي أعمال معروفين علي المستوي الدولي‏,‏ وليس بسبب منصبيهما في الحكومة اللبنانية‏.‏
وقبيل الحرب الأمريكية علي العراق برزت وساطة لبنانية أخري‏,‏ هي وساطة الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل الذي تربطه علاقات وثيقة ببعض المسئولين الأمريكيين وأبرزهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد‏,‏ ومع الرئيس العراقي السابق صدام حسين في الوقت نفسه‏.‏
وإذا كانت وساطة الجميل بين صدام وأمريكا معروفة‏,‏ فإن هناك وساطة أخري للرئيس اللبناني الأسبق لا يعرف عنها الكثيرون شيئا‏,‏ وحققت نجاحا ملحوظا‏,‏ فقد شارك الجميل في الوساطات المتعددة بين ليبيا وأمريكا في السنوات الماضية‏,‏ وكان واحدا من أهم الذين نجحوا في حل الخلافات بين الجانبين وعودة العلاقات الليبية‏-‏ الأمريكية‏.‏
وعلي المستوي الدولي أيضا يمكن إدراج الوساطة الألمانية بين حزب الله وإسرائيل‏,‏ التي نجحت في تنفيذ المرحلة الأولي من صفقة تبادل الأسري والمعتقلين بين الجانبين‏,‏ ومازالت مستمرة لتنفيذ المرحلة الثانية الخاصة بعميد الأسري اللبنانيين سمير القنطار‏.‏
وفي سياق حزب الله أيضا يمكننا أن نؤكد أن هناك حوارا مفتوحا بين الحزب وبعض السفارات الأوروبية في بيروت‏,‏ ومنها السفارة البريطانية‏,‏ يستهدف توضيح الصورة الحقيقية للحزب‏,‏ حتي تقوم هذه السفارات بدور الوساطة مع الاتحاد الأوروبي لعدم التعامل مع حزب الله كمنظمة إرهابية‏,‏ وقد نجحت هذه الوساطة في بعض الأحيان‏,‏ في وقف إجراءات عقابية أكثر كانت أمريكا تضغط علي الاتحاد الأوروبي من أجل اتخاذها ضد حزب الله‏.‏
الوساطات الساسية في لبنان كثيرة ومتشعبة‏,‏ لأن النظام السياسي اللبناني نفسه مجرد وسيط بين الشعب وصاحب القرار‏*‏