396‏السنة 123-العدد2004اكتوبر23‏9 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

العالم يتحرك
من وراء الكواليس

الوسطاء السريون يمسكون مفاتيح السلطة
في العالم

‏ خالد صلاح


العالم يعيش في الخفاء ودوائر الحكم والسلطة والنفوذ‏,‏ والعلاقات الدولية لم تعد تمضي أمام عدسات الكاميرات أو تحت الشمس الساطعة أو علي رؤوس الأشهاد‏,‏ لكن السياسة السرية في العالم صارت هي السبيل الأكثر قدرة علي تحقيق إنجازات سياسية‏,‏ أو دبلوماسية‏,‏ أو الوصول إلي نقاط اتفاق بين أطراف متنازعة علي طاولات التفاوض وراء الكواليس‏,‏ وقصور الحكم في مشرقي الأرض ومغربيها لم تعد تعرف سوي أدوات الوساطات السرية ووجوه سماسرة الحلول الخفية والعاجلة والحاسمة علي حد سواء‏.‏
ففي خلال العقدين الماضيين تراجع الدور الرسمي الذي تقوم به وزارات الخارجية في مختلف بلدان العالم لا فرق في ذلك بين البلدان بالغة التقدم والرقي والديمقراطية وبين البلدان الغارقة في التخلف والجهل والديكتاتورية‏.‏
‏,‏ واللاعبون علي ساحة السياسة الدولية لا يلقون بالا أو يصيخون السمع للدبلوماسيين الذين تلمع أعينهم للكاميرات في قاعات المؤتمرات في المنظمات الدولية‏,‏ لكنهم ينصتون بجدارة ويستمعون بشغف وينفذون بدقة أجندة ومطالب ومقترحات الوسطاء السياسيين السريين حول العالم‏.‏ومن أبرز الوسطاء السياسيين الأكثر شهرة والذين تمضي حركتهم في العمل وفق أجندة سرية خاصة لا يكشفون تفاصيلها لرجال الإعلام أو للرأي العام الأخضر الإبراهيمي الذي لمع أسمه في عالم الوساطة السياسية كصانع سلام علي الصعيد الدولي‏,‏ وقد لمع اسم الإبراهيمي في عديد من الأزمات الكبري مثل الأزمة الأفغانية حيث عمل وسيطا للسكرتير العام للأمم المتحدة‏,‏ كما نشط أيضا في العديد من القضايا علي الصعيدين الإفريقي والعربي وكان للإبراهيمي دور بارز كوسيط للمفاوضات مع القيادات العراقية خلال مسيرة الحصار الاقتصادي الذي فرضه المجتمع الدولي علي العراق إبان حكم البعث علي أن نموذج الإبراهيمي يمثل وجها دوليا مشرقا في عالم التفاوض علي الصعيد العالمي‏,‏ لكن وجوها أخري عملت بصورة أكثر سرية وبأجندة خاصة وملتوية لسنوات طويلة مثل الوساطة التي لعبها رجال الإدارة الأمريكية السابقون مثل دينيس روس‏,‏ ومارتن إنديك‏,‏ وجورج تينت‏,‏ وجورج ميتشيل‏,‏ فيما يتعلق بتسوية النزاع الفلسطيني ــ الإسرائيلي‏,‏ وقد كانت ملفات هذه الوساطة تبدو بوجهين طوال الوقت أحدهما هو الوجه المبتسم الذي يظهر لجمهور الصحفيين في أعقاب اللقاءات السياسية مع المسئولين من الطرفين ويعبر هذا الوجه عن الخطوط العريضة والجوانب المتفائلة من قضايا التفاوض السري‏,‏ غير أن الوجه الخفي كان ما يدور في الغرف المغلقة بالفعل‏,‏ حيث تخرج الأوراق الحقيقية وتظهر ملفات المساومات والعروض الخاصة والصفقات السياسية المريبة ومحاولات الابتزاز لتقديم التنازلات عبر أي من الطرفين‏,‏ وقد كان الطرف الفلسطيني بلا شك هو الأكثر عرضة للابتزاز ومحاولات الضغوط خلال هذه الوساطات السرية‏.‏
علي أن هذه الوجوه السياسية لا تمثل جميع أرجاء العالم السري للوساطة علي الصعيد الدولي‏,‏ فهناك وجوه أخري أكثر غموضا لعبت أدوارا مهمة علي الصعيد الدولي في الوساطة لتمرير صفقات سلاح أمريكية إلي البلدان المغضوب عليها‏,‏ ومنها أسماء سياسية أمريكية شهيرة لمعت في الفضيحة السياسية المعروفة بإسم إيران كونترا‏,‏ إلي جانب الوساطات السرية المعقدة التي يقوم بها سياسيون كبار يمثلون مجموعات من شركات المال الكبري في العالم‏,‏ والتي تحتاج إلي تصفية نزاعات محددة في بلدان الشرق الأوسط وإفريقيا لتمرير مصالح تجارية أو صفقات اقتصادية عملاقة ومن ذلك الوساطات التي جرت مع جون جارانج قبل البدء في مسيرة التفاوض مع الحكومة السودانية في الخرطوم‏,‏ فقد لعبت وجوه سياسية عربية ودولية دورا بارزا في الوصول إلي نقاط اتفاق بين الطرفين سعيا لتحقيق الحد الأدني من التسوية التي تمكن تلك الشركات من العمل علي داخل المناطق الواعدة بالنفط في السودان‏.‏
وقد لعب استخباراتيون عرب سابقون أدوارا هائلة في الوساطة بين بلدان عربية‏,‏ وعدد من العواصم الأوروبية‏,‏ حيث نشط رجال أعمال فلسطينيون يعملون علي الأراضي الأمريكية في جهود للوساطة لكي يتم فتح حوار بين منظمة التحرير الفلسطينية والإدارة الأمريكية في مستهل الثمانينيات من القرن الماضي كما تواصل دور الإستخباراتيين السابقون علي الصعيد الدولي حيث كان لعدد منهم دور بارز في محاولات فتح جسور للحوار بين الولايات المتحدة الأمريكية والجماهيرية الليبية خلال أزمة لوكيربي‏,‏ وبعد اتهام ليبيا رسميا بالمسئولية عن تفجير الطائرة‏(‏ بان إم‏)‏ الأمريكية فوق بلدة لوكيربي باسكتلندا‏.‏
بل إن الجماهيرية الليبية نفسها لعبت هذا الدور بعد ذلك من خلال مؤسسة القذافي الخيرية العالمية في سعيها للإفراج عن الرهائن الغربيين الذين احتجزتهم جماعة أبو سياف في الفلبين‏,‏ كما عرضت طرابلس القيام بدور في وساطات أخري سرية بين بريطانيا والجيش الجمهوري الإيرلندي في إطار سعي الجماهيرية لتأكيد نزاهتها وشفافيتها علي الصعيد الدولي‏.‏
ولعل اقتحام قضية الوساطات السياسية السرية في العالم يكشف بوضوح الآليات التي تتحكم في القرارات السياسية والدولية في عالم اليوم‏,‏ ويكشف أيضا أن ما لا تستطيع أن تحصل عليه في العلن وتحت الأضواء يمكن أن تناله في الغرف المغلقة واللقاءات السرية وهي آليات تساعد علي فهم ما يدور علي سطح الأرض وفي دهاليز العلاقات الدولية‏*‏