396‏السنة 123-العدد2004اكتوبر23‏9 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الأهرام العربي في مدينة النفط والمذابح

كركوك‏..‏ حقل ألغام يهدد وحدة العراق

‏ رسالة العراق ـ أشرف العشري


كنت أعرف وأنا في طريقي إلي كركوك أن رحلتي علي الطريق غير آمنة‏,‏ ما بين سيارات الزرقاوي المفخخة‏,‏ وقذائف النيران الصديقة‏,‏ وغزوات السلابة وقطاع الطرق‏,‏ لكن كركوك‏,‏ مدينة تستحق الزيارة‏.‏
فهذه المدينة العراقية الشهيرة تتجاوز مكانتها المحلية كأحد أبرز مدن النفط في العراق لكنها تشكل ورقة رئيسية في الطموح الكردي نحو الاستقلال‏,‏ كما شكلت علي مدار التاريخ ومنذ قفز حزب البعث إلي السلطة ساحة واسعة للصراع والشد والجذب سعيا من أطراف متعددة للسيطرة علي ثرواتها الهائلة‏.‏
ولم ينس مرافقي من الاتحاد الوطني الكردستاني والذي اصطحبني في هذه الرحلة الخطرة أن يذكرني بأن‏18‏ ألف كردي قتلهم صدام في الثمانينيات في عملية الأنفال في هذه المنطقة وأنه كان يقتلع الأكراد من كل مناطقهم ليأتي بالعرب من الجنوب والغرب لتغيير التركيبة السكانية ومنع أكثرية الأكراد حيث كانت لصدام مشاريع سكانية بكل مناطق الشمال علي طريقة تشاوشيسكو ومن قبله ستالين قائمة علي اقتلاع البشر من أرضهم وزرعهم في أماكن أخري‏.‏
وظل الخوف يطاردني والسيارة تلتهم الطريق بسرعة فائقة إلي كركوك خوفا من قذائف أنصار الزرقاوي وخوف آخر سيطر علي مشاعري من جراء رؤيتي لقبور وغرف معسكرات الاعتقال التي أقامها صدام حسين بطول الحدود من أربيل والسليمانية وصولا إلي كركوك وظلت طرفة جلال طالباني التي حكاها لي بعد يوم واحد فقط من وصولي أن صدام حسين كان يوزع جرائمه وعملياته الوحشية بالتساوي بين جميع قوميات الشعب العراقي وكان يزيد العيار بعض الشيء ضد الأكراد حتي يكونوا عبرة لسكان الجنوب من الشيعة وغيرهم‏.‏
ولم يكن يدور بخلدي وأنا أستمع إلي كل هذه الفظاعات والمآسي أن يخرج علينا مسعود البرزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني ليعلن أن ملايين الأكراد مستعدون للقتال في كركوك للحفاظ علي هوية كركوك وجعلها عاصمة للدولة الكردية القادمة أي إعلان الاستقلال المبكر وأخذت أقارن وأنا علي مشارف كركوك ما قيل لي عن شخص كل من البرزاني وجلال طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني حيث كان آخر شخص التقيته وأنا أغادر إلي كركوك فالأخير يتمتع بالعقلانية ويسرد طيلة الوقت مأسي ومجازر صدام حسين ولكنه لا ينسي أن يؤكد أنه لا تاريخ ولا بقاء للأكراد إلا ضمن منظومة العراق الموحد وبين أهلهم العرب من الشرق الأوسط وأنه لا عهد ولا مستقبل للعرب إلا بدون مصر وبالتالي فالأجدي لكردستان العراق حسب قوله هو البقاء ضمن الدولة العراقية الموحدة مع إمكانية منح الأكراد الفيدرالية أسوة باستراليا وكندا أما الاستقلال فلا شأن للأكراد به‏.‏
عبد الرحمن مصطفى
وكان من الذكاء والفطنة إلي حد الصراحة بالقول كيف أقيم دولة صغيرة من شمال العراق وكيف أعيش وحدي في مواجهة تركيا وإيران في الشمال والعراق وسوريا العربيين‏.‏ ورغم تعصب الشباب الكردي من الجيل الجديد للانفصال والاستقلال كانت تطالعني واجهات المدارس العربية أكثر من السليمانية وكركوك رغم تعصب بعض الأكراد وكان الرد يأيتني سريعا أن زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني حتي بعد إعلان الحكم الذاتي هو الذي كان يصر علي بناء هذه المدارس وجعل اللغة العربية لغة أولي بجانب الكردية وأن كل العلوم لابد أن تدرس باللغة العربية حيث كان يردد أنه لا مستقبل للأكراد إلا مع وطنهم العراق العربي وقبل وصولي لكركوك طلبت من المرافقين أن أزور قرية حلبجة للتأكد من صحة المعلومات والواقعة وللوقوف علي جريمة صدام بنفسي أم أن الأمر لا يعدو أن يكون من قبيل المبالغة وخيال الأكراد‏.‏
وبالفعل وصلت بعد أن قطعت بنا السيارة لأكثر من ساعة بين صخور الجبال حتي حلبجة التي أصبح الطريق إليها ممهدا حيث باتت مزارا عالميا شيده الأكراد ليكون شاهدا علي جريمة صدام حسين وبمجرد دخولي المزار صدمت مشاعري حيث حكي الأكراد داخله معركة الأيام الثلاثة وفضحت مئات الصور الحية التي التقطها صحفيون ومصوريون إيرانيون وأوروبيون وصلوا إلي حلبجة بعد عملية صدام بساعة واحدة وصورو كل شيء علي الطبيعة حيث كانت الطائرات العراقية ترش كل سكان القرية في المنازل والشوارع بالأسلحة الكيماوية دفعة واحدة آباء وأمهات وأطفال يقتلون علي طاولة طعامهم الأرضية ونساء تموت وهن يرضعن أطفالهم فتموت المرأة وهي تحتضن أطفالهما معا وأب تصرعه الأسلحة البيولوجية وهو يجري خارج باب منزله ليجمع أبناءه الثمانية ولكنهم جميعا يموتون برشة واحدة من طياري صدام حسين وطيلة التجوال في مزار حلبجة تطاول الصور وتطالعك أسماء الخمسة ألاف قتيل بطول جدران المزار وقبل أن أغادر من شدة اليأس والحزن الذي تملكني بعد مشاهدة تلك المشاهد المروعة أصر مسئولو المزار علي رؤيتي فيلم تسجيلي حقيقي يجسد مأساة حلبجة علي الطبيعة ولم أتمالك شعوري وخرجت مسرعا قبل أن أكمل بقية المشهد فسألني أحد المرافقين الذي كان يكمل سيره مع شريط الصور بطول الجدران ماذا رأيت بالداخل فوجدت نفسي أرد عليه بقول أغا خان مبعوث الأمين العام السابق بطرس غالي عندما زار العراق بعد حرب الخليج الأولي فقال له ماذا رأيت في العراق فرددت نفس قوله لقد رأيت فظائع وياهول ما رأيت ولم ينس مرافقي من جماعة الاتحاد الوطني الكردستاني أن يذكروني وأن أغادر المزار أن كولين باول وزير الخارجية الأمريكي كان آخر واحد قبلي زار هذا المكان ولكنه تمتع ببعض الشجاعة حتي أكمل زيارته بالكامل ولم ينس أن يخطب في الحضور خطبة مؤثرة يشرح لهم لماذا كانت الإدارة الأمريكية مصممة علي خلع صدام حسين بأي ثمن‏.‏
وفي اليوم الثاني وأنا في طريقي إلي كركوك والموصل كان بعض أهالي كركوك لايزالون يتندرون بمأساة المذبحة التي ارتكبها أنصار الزرقاوي قبل يوم من وصولي عندما فجر اثنان من أتباعه سيارة مفخخة في طابور طويل من المجندين الجدد راح ضحيته‏35‏ من سكان كركوك من بينهم ثلاثة أطفال واحدة ضربها الانفجار داخل محل بقالة علي بعد عشرة أمتار من شدة الانفجار‏.‏
وليت الأمر يتوقف علي عمليات الزرقاوي فقط بل هناك صراع مرير تشهده كركوك‏,‏ الأكراد يتربصون بالتركمان وجماعة البرزاني مصممون علي طرد وترحيل العرب من كركوك وعودة هوية كركوك الكردية لجعلها عاصمة كردستان العراق وانتابني شعور وأنا داخل شوارع كركوك بأنني أسير داخل حقل ألغام وكانت القوات الأمريكية التي تملأ المكان في أشد حالات الاستنفار واستطعت بصعوبة بالغة وسط عشرات الجنود من المارينز والسيارات العسكرية الأمريكية المصفحة أن أشق طريقي إلي داخل مبني محافظة كركوك حيث كان اللقاء مع المحافظ عبد الرحمن مصطفي الذي ما إن رأيته ألقيت علي مسامعه بكل ما رأيت وسمعت حتي قاطعني لا تنسي أنك في أكبر وأول محافظة لإنتاج بترول العراق إضافة إلي أنها تمثل الإقليم الثاني أو الثالث علي أكثر تقدير من أقاليم العراق من حيث المساحة وعدد السكان وتسكنها قوميات عراقية عديدة من أكراد وتركمان وأشوريين وعرب ولكن في عهد صدام حسين حدثت أكبر عملية تطهير عرقي حيث خلع وطرد صدام الأكراد والتركمان الذين يشكلون‏35‏ في المائة حتي الآن من قائمة السكان وأتي بمئات الآلاف من العرب واستوطنوا كركوك كما فعل صدام مع أكثر من‏500‏ قرية وفضاء صغير من مساحة كركوك وحولها إلي محافظات وأقاليم أخري‏.‏
وقاطعته أنا أعلم أن كركوك بالنسبة للأكراد بمثابة القدس للمسلمين ولكنها لم تكن يوما كردية خالصة وكيف تتصدي حكومة علاوي لمطامع البرزاني‏.‏
فأجاب المحافظ عبد الرحمن مصطفي الجميع لا يمكن أن ينسي الانتهاكات التي ارتكبها صدام بحق الأكراد والحملات المنظمة التي تعرضوا لها حيث وقع بهم ظلم كبير وهو ظلم كان شبيها بالظلم الذي تعرض له أهل الجنوب وأهل الأهوار صحيح أن صدام طرد الأكراد واشتري وأقام منازل للعرب الذين أحضرهم لكي يحافظ علي التركيبة السكانية لشمال العراق ولا يكونوا أكرادا خالصين فيطالبون بالانفصال ولكن لاتنسي أن بالأقليم تركمانا وأشوريين ومئات الخيام التي تمتليء حاليا بالألاف من النازحين الذين عادوا إلي كركوك بعد سقوط نظام صدام حسين ويريدون العودة إلي منازلهم الأصلية التي اقتطعها صدام منهم ووزعها علي العرب والأشوريين ولذا فإن كركوك تجلس علي برميل من البارود والحكومة المؤقتة في بغداد لا تبالي حتي الآن بهذا الأمر ولا تريد أن توفر حصة مالية عاجلة من ميزانية الدولة العراقية لإنقاذ ومعالجة الوضع في كركوك ما يهمها الحصول علي عائدات نفط كركوك‏.‏
وتركت كركوك وأنا أردد علي مسامع مرافقي أنه إذا كان نظام صدام قد أخطأ كثيرا في حق الأكراد بدون شك وارتكب في حقهم الكثير من الفظاعات وشن عليهم حربا تطويقية لم يخفف من وقتها أبدا اختيار طه ياسين رمضان نائبا له والذي يحظي بكراهية كل الأكراد إلا أن الأخطاء لا تصحح بتلك الفظاعات التي ترتكب ضد العرب الآن ولا يمكن تكرار الخطأ بقتل وتشريد العرب مثلما كان يعاني الأكراد سابقا وإلا حلت الفتنة وانطلقت شرارة الحرب الأهلية لكل العراق من كركوك لتصدق رؤية بعض المتشائمين العرب بأنه لا محالة في العراق من حرب أهلية مهما طال الوقت وأن العراق سيكون يوما ما علي عتبة اللبننة‏*‏