396‏السنة 123-العدد2004اكتوبر23‏9 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

أنا والفانوس وزمان

د‏.‏ مدحت أبوبكر


الفانوس صغير‏,‏ لذيذ‏,‏ رقيق‏,‏ أنيق‏,‏ الفانوس حلم جميل في كل قري مصر والأحياء متلاصقة المساكن‏,‏ والناس والدكاكين والمشاعر‏,‏ الفوانيس الصفيح‏,‏ عمو السمكري يلحمها بأصابع فنان‏,‏ يضع الإطارات الصفيح أحضانا لقطع الزجاج الملون‏,‏ الشموع ابتسامات ملونة‏,‏ وعيوننا الصغيرة لا تري من هذا العالم المتفائل‏,‏ المتناحر‏,‏ الطماع‏,‏ إلا هذه الفوانيس الأحلام‏.‏
نملك الأحلام‏,‏ نمتلك الأفعال‏,‏ بإرادتنا ندفع آباءنا إلي أسواق الفوانيس‏,‏ بإرادتنا نرسل أصابعنا الصغيرة تقلب الفوانيس‏,‏ الأحجام‏,‏ الألوان‏,‏ الأبواب الصغيرة‏,‏ بإرادتنا نتأكد من قدرتنا علي فتح باب الدخول إلي صحن الشمعايا وإغلاق الباب علي ضوئها الفرحان‏,‏ ودموعها الفرحانة‏,‏ بإرادتنا نتخيل انعكاسات الأضواء الملونة علي أرض الشارع وجدران المنازل وسلالم بيوتنا‏,‏ والسطوح بإرادتنا نختار الشمعايات ونختار دموعها الفرحانة الملونة‏,‏ بإرادتنا نجعل عود الكبريت يبوس الشطاطة تشتعل الرأس‏,‏ تزور فتلة الشمعايا‏,‏ تغرد الشموع‏,‏ يتراقص الضوء فرحان لنا‏,‏ فرحان بنا‏,‏ نغلق الباب‏,‏ نمسك الفانوس‏,‏ نجري في الشوارع بإرادتنا‏,‏ وبإرادتنا نغرد‏.‏
حلو ياحلو‏..‏ رمضان كريم ياحلو
حلو الكيس‏..‏ وادونا بقشيش
لانروح مانجيش‏..‏ ياحلو
أول حركة اغتيال أصابت الشموع‏,‏ فوانيس صماء‏,‏ لا أبواب‏,‏ لا زجاج‏,‏ لا نوافذ‏,‏ لا ألوان‏,‏ مساحة بلاستيكية مكورة‏,‏ داخلها عصفور ينور ويطفي من خلال زرار تعبث به أصابع أبنائنا إستراتيجية الاغتيال مرحلية عبر تحركات سيكولوجية إيحائية‏,‏ العبث في الشكل مع منحنا مساحة الغناء بصحبة أضواء العصفور‏,‏ ثم جاءت حركة اغتيال الأصوات من خلال تعليب أغاني رمضان بنفس الأصوات التي أحببناها‏,‏ المسألة لا تحتاج إلي أكثر من ضغطة زر‏,‏ ضغطة للإنارة‏,‏ ضغطة للغناء‏,‏ كل الإرادات الجميلة‏,‏ اختصروها في زر صغير‏,‏ سحبوا الشمعايات الجميلة‏,‏ وضعوا لمبات غريبة‏,‏ حرمونا متعة الغناء واللف في الشوارع‏,‏ والدق علي أبواب البيوت‏,‏ لازم الحجارة‏,‏ والحجرين والتلات حجارة‏,‏ تنتهي طاقة قدرتهم علي دفع المعلبات الغنائية لإصدار الأصوات المعلبة بعد عشرة وحوي‏,‏ أو أقل حسب ضمير السيد مسئول عام تعبئة الحجارة‏,‏ ولازم حجارة جديدة‏,‏ وإلا يصبح الفانونس مجرد قطعة بلاستيكية لا حياة لمن يغني‏,‏ لا حياة لمن ينور‏,‏ اللمبة ضربت‏,‏ لازم لمبة جديدة‏,‏ وإلا الفانونس يتحول إلي قطعة بلاستيكية عمياء‏,‏ مظلمة‏,‏ كم مليون حجر؟ كم مليون لمبة؟ كم مليون مكاسب تجار الحجارة واللمبات أعداء الشموع وأغنيات البشر المنطلقة من القلوب العابرة للحناجر‏,‏ المتواصلة مع مشاعر الواقفات أمام الأفران وصواني الكنافة والكحك والبسكوت‏.‏
في مدينتي ملوي الجميلة‏-‏ عروس محافظة المنيا‏,‏ التي تتبختر عروسا للصعيد‏-‏ وفي زمان الفوانيس تغريد الشموع والأضواء الملونة‏,‏ أنا وسمسم ابن عم غطاس‏,‏ ومعه ابتسامات مضيئة‏,‏ معي فانوسي‏,‏ وشمعايتي‏,‏ ومع ابتسامات مضيئة‏,‏ يااااااه نسيت الكبريت‏,‏ ينطلق إلي منزله لإحضار الكبريت‏,‏ أوقف انطلاقه‏,‏ نقترب من عم توفيق النحاس‏,‏ يبتسم‏,‏ أسنانه أبيض من شعره‏,‏ يمنحنا ولعة تكفي لإضاءة شمعتنا‏,‏ أنا أمسك الشمعة‏,‏ وسمير غطاس يحوط بيديه عليها‏,‏ ويدي الأخري تتناول ولعة عم توفيق لإضاءة الشمعة‏,‏ سمير غطاس يفتح باب الفانوس‏,‏ أضع الشمعة في قاعدتها بعد تأمين جلستها بدمعتين فرحتين من جسدها المضئ‏,‏ أغلق باب الفانوس‏,‏ نجري أنا وسمسم غطاس وكل عيال وبنات شارع الطوخي ونغني‏:‏
وحوي ياوحوي‏..‏ إيوحا
وكمان وحوي‏..‏ إيوحا
رحت ياشعبان‏..‏ جيت يارمضان
إيوحا
الآن‏..‏ كل واحد وفانوسه‏,‏ مع نفسه‏,‏ لوحده‏,‏ لا أحد يحوط علي شمعه‏,‏ لا أحد يحتضن ولعه‏,‏ لا أحد يساعد في فتح وإغلاق باب الفانوس‏,‏ الفانوس بدون باب‏,‏ بدون نوافذ‏,‏ بدون هواء نقي‏,‏ الفانوس معلب التكوين‏,‏ معلب الأغنيات والشوارع محرومة من أطياف الشموع الملونة تجري فوقها‏,‏ وتقبل ترابها‏,‏ المنازل محرومة من تراقص الأضواء الملونة فوق جدرانها‏,‏ الأطفال غير مستمتعين بإرادتهم‏.‏
لست رجعيا‏,‏ لست ضد التطور‏,‏ أنا أدافع عن فانوسي وشمعايتي‏,‏ عن صوتي وغنوايتي‏,‏ عن إرادتي‏.‏
رغم كل ذلك كل رمضان وأنتم بألف خير وإرادتكم بخير‏.‏
كاتب وأكاديمي مصري