د. مدحت أبوبكر الفانوس صغير, لذيذ, رقيق, أنيق, الفانوس حلم جميل في كل قري مصر والأحياء متلاصقة المساكن, والناس والدكاكين والمشاعر, الفوانيس الصفيح, عمو السمكري يلحمها بأصابع فنان, يضع الإطارات الصفيح أحضانا لقطع الزجاج الملون, الشموع ابتسامات ملونة, وعيوننا الصغيرة لا تري من هذا العالم المتفائل, المتناحر, الطماع, إلا هذه الفوانيس الأحلام. نملك الأحلام, نمتلك الأفعال, بإرادتنا ندفع آباءنا إلي أسواق الفوانيس, بإرادتنا نرسل أصابعنا الصغيرة تقلب الفوانيس, الأحجام, الألوان, الأبواب الصغيرة, بإرادتنا نتأكد من قدرتنا علي فتح باب الدخول إلي صحن الشمعايا وإغلاق الباب علي ضوئها الفرحان, ودموعها الفرحانة, بإرادتنا نتخيل انعكاسات الأضواء الملونة علي أرض الشارع وجدران المنازل وسلالم بيوتنا, والسطوح بإرادتنا نختار الشمعايات ونختار دموعها الفرحانة الملونة, بإرادتنا نجعل عود الكبريت يبوس الشطاطة تشتعل الرأس, تزور فتلة الشمعايا, تغرد الشموع, يتراقص الضوء فرحان لنا, فرحان بنا, نغلق الباب, نمسك الفانوس, نجري في الشوارع بإرادتنا, وبإرادتنا نغرد. حلو ياحلو.. رمضان كريم ياحلو حلو الكيس.. وادونا بقشيش لانروح مانجيش.. ياحلو أول حركة اغتيال أصابت الشموع, فوانيس صماء, لا أبواب, لا زجاج, لا نوافذ, لا ألوان, مساحة بلاستيكية مكورة, داخلها عصفور ينور ويطفي من خلال زرار تعبث به أصابع أبنائنا إستراتيجية الاغتيال مرحلية عبر تحركات سيكولوجية إيحائية, العبث في الشكل مع منحنا مساحة الغناء بصحبة أضواء العصفور, ثم جاءت حركة اغتيال الأصوات من خلال تعليب أغاني رمضان بنفس الأصوات التي أحببناها, المسألة لا تحتاج إلي أكثر من ضغطة زر, ضغطة للإنارة, ضغطة للغناء, كل الإرادات الجميلة, اختصروها في زر صغير, سحبوا الشمعايات الجميلة, وضعوا لمبات غريبة, حرمونا متعة الغناء واللف في الشوارع, والدق علي أبواب البيوت, لازم الحجارة, والحجرين والتلات حجارة, تنتهي طاقة قدرتهم علي دفع المعلبات الغنائية لإصدار الأصوات المعلبة بعد عشرة وحوي, أو أقل حسب ضمير السيد مسئول عام تعبئة الحجارة, ولازم حجارة جديدة, وإلا يصبح الفانونس مجرد قطعة بلاستيكية لا حياة لمن يغني, لا حياة لمن ينور, اللمبة ضربت, لازم لمبة جديدة, وإلا الفانونس يتحول إلي قطعة بلاستيكية عمياء, مظلمة, كم مليون حجر؟ كم مليون لمبة؟ كم مليون مكاسب تجار الحجارة واللمبات أعداء الشموع وأغنيات البشر المنطلقة من القلوب العابرة للحناجر, المتواصلة مع مشاعر الواقفات أمام الأفران وصواني الكنافة والكحك والبسكوت. في مدينتي ملوي الجميلة- عروس محافظة المنيا, التي تتبختر عروسا للصعيد- وفي زمان الفوانيس تغريد الشموع والأضواء الملونة, أنا وسمسم ابن عم غطاس, ومعه ابتسامات مضيئة, معي فانوسي, وشمعايتي, ومع ابتسامات مضيئة, يااااااه نسيت الكبريت, ينطلق إلي منزله لإحضار الكبريت, أوقف انطلاقه, نقترب من عم توفيق النحاس, يبتسم, أسنانه أبيض من شعره, يمنحنا ولعة تكفي لإضاءة شمعتنا, أنا أمسك الشمعة, وسمير غطاس يحوط بيديه عليها, ويدي الأخري تتناول ولعة عم توفيق لإضاءة الشمعة, سمير غطاس يفتح باب الفانوس, أضع الشمعة في قاعدتها بعد تأمين جلستها بدمعتين فرحتين من جسدها المضئ, أغلق باب الفانوس, نجري أنا وسمسم غطاس وكل عيال وبنات شارع الطوخي ونغني: وحوي ياوحوي.. إيوحا وكمان وحوي.. إيوحا رحت ياشعبان.. جيت يارمضان إيوحا الآن.. كل واحد وفانوسه, مع نفسه, لوحده, لا أحد يحوط علي شمعه, لا أحد يحتضن ولعه, لا أحد يساعد في فتح وإغلاق باب الفانوس, الفانوس بدون باب, بدون نوافذ, بدون هواء نقي, الفانوس معلب التكوين, معلب الأغنيات والشوارع محرومة من أطياف الشموع الملونة تجري فوقها, وتقبل ترابها, المنازل محرومة من تراقص الأضواء الملونة فوق جدرانها, الأطفال غير مستمتعين بإرادتهم. لست رجعيا, لست ضد التطور, أنا أدافع عن فانوسي وشمعايتي, عن صوتي وغنوايتي, عن إرادتي. رغم كل ذلك كل رمضان وأنتم بألف خير وإرادتكم بخير.
كاتب وأكاديمي مصري |