396‏السنة 123-العدد2004اكتوبر23‏9 رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

من قمة دارفور‏..‏ إلي قمة حول العراق
وفي القلب قضية شعب وأرض فلسطين

أسامة سرايا


اجتمع خمسة زعماء عرب وأفارقة في طرابلس‏-‏ ليبيا‏,‏ الأحد‏17‏ أكتوبر‏,‏ وكانت علي مائدة البحث أزمة يعيشها سكان غرب السودان دارفور‏,‏ الذين يموتون ويشردون‏.‏ وهي أزمة مشتعلة ومتفاقمة منذ ما يقرب من‏19‏ شهرا‏,‏ والضحايا حسب تقدير الأمم المتحدة وصل عددهم إلي أكثر من‏100‏ ألف سوداني‏,‏ أما المشردون فوصل عددهم إلي أكثر من مليون‏.‏
الأزمة إذن ماثلة وناطقة ومعبرة عن فشل دولة في إدارة إقليمها‏,‏ فالمتمردون موجودون في الغرب‏,‏ مثلما هم في الجنوب‏,‏ وفي الشرق‏,‏ بل ومختفون في الشمال‏.‏
فالأحزاب السودانية القديمة تختلف مع الحكومة‏,‏ والكيانات السودانية كلها غير متفقة‏,‏ والسودان دولة عربية وإفريقية‏,‏ غنية بمواردها‏,‏ لكن أزمتها الداخلية أدت إلي تفجير الوضع‏,‏ فبينما كانت الدولة بكل فصائلها تبحث عن حل في الجنوب واتفاقات تجري علي قدم وساق لقيام فيدرالية جنوبية واقتسام للسلطة‏,‏ انفجر الوضع في الغرب‏,‏ مما أدي إلي ظهور أزمة دولية‏,‏ لأن المجتمع الدولي وفي قمته أمريكا والأمم المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي‏,‏ دخلت علي خط الأزمة‏,‏ لكن لا أحد يفهم المنطقة أفضل من أصحابها‏,‏ وقمة طرابلس بين المصريين والليبيين والسودانيين والتشاديين والنيجيريين‏,‏ محاولة إقليمية مستنيرة لعلاج أزمة تحتاج إلي تضافر كل القوي‏.‏
وعلي الجميع أن يعرف أنه يحتاج إلي بذل الجهد‏,‏ فالحكومة السودانية عليها أن تعترف بأن السودان بأقاليمه وتنوعه كبير جدا‏,‏ وعليها أن تقيم فيدراليات متنوعة‏,‏ الجزء يحترم الكل‏,‏ والكل يقدر الأجزاء‏,‏ وأن تنتقل من حكومات التحكم إلي حكومات الحكم‏,‏ وهذا يعني أن يكون علي الحكم واجبات ومسئوليات وأن يصبح غرما وليس مغنما‏,‏ وأبناء الشمال تحديدا عليهم أن يحسموا المعركة بين الدولة الحديثة أي الدولة المدنية‏,‏ وبين الدولة الدينية‏,‏ وهذا لا يعني عدم الاعتراف بالدين‏,‏ لكن بتقديره أكثر‏,‏ وإعلاء شأنه من خلال جعله مصدرا للثقافة وبناء الشخصية‏,‏ فالدولة الحديثة للجميع‏,‏ أما الدينية فمرفوضة من الجميع‏,‏ الشمال يجب أن يتجه إلي الديمقراطية‏,‏ وهو يملك إمكانات السودانيين وخبراتهم الكبيرة في بناء دولة حديثة‏,‏ والجنوبيون يجب أن ينهوا ارتكانهم إلي قوي خارجية‏,‏ ويقتنعوا بالاتفاقيات والعيش داخل ظل الدولة السودانية الموحدة‏,‏ وأبناء دارفور عليهم أن ينتقلوا إلي الإسهام في بناء السودان الموحد‏,‏ ويقفوا ضد التدخل الخارجي في شئونهم‏,‏ وأن يجلسو ا مع أبناء الأقاليم ويتفقوا علي دستور جديد‏,‏ يعلي من حقوق المواطن‏,‏ ويفتح السودان المعاصر للسوق العالمية‏,‏ والاقتصاد الحديث‏.‏
بهذه الطريقة سوف يصبح السودان من الأقطار الغنية‏,‏ وهو بالفعل غني بموارده الإنسانية‏,‏ أولا والمائية والنفطية والمناخية ثانيا‏,‏ لكنه كان دائما فريسة لأزمة فشل الدولة العربية المعاصرة‏.‏
ودول الجوار أحسنت عندما قررت مساعدة السودان اقتصاديا وسياسيا‏,‏ حتي يخرج من العثرة ويتجه إلي الدولة المعاصرة‏,‏ ولنأخذ جميعا درسا من الأزمة العراقية‏,‏ عندما فشلنا في إنقاذ العراق من داخله‏,‏ وتحجيم سلطة وديكتاتورية وأخطاء النظام العراقي في عهد صدام حسين‏,‏ ففتحنا شهية العالم للتدخل في العراق‏,‏ وكانت كارثة الاحتلال الأمريكي بكل أبعادها المؤلمة علي العراق وشعبه‏,‏ وإذا كانت أمريكا قد ارتكبت جريمة كبري في حق العراق وشعبه ومنطقتنا‏,‏ فإن هذا لا يقلل من فشل النظام العراقي السابق وسياساته الخاطئة‏,‏ التي كانت سببا في هروب الكثير من العراقيين‏,‏ وأدت إلي المقابر الجماعية‏,‏ وانهيار اقتصاد دولة عربية غنية‏,‏ فالفشل الأمريكي لا يعني أن العراق كان علي صواب‏,‏ كما لا يعني أن دول الجوار العراقي لعبت دورها في حماية العراق وتصحيح سياساته‏.‏
لكن الصورة لم تكن إيجابية أو صحيحة سواء لقوي المجتمع الدولي‏,‏ بزعامة أمريكا والأمم المتحدة‏,‏ أم للنظام العراقي‏,‏ أو حتي لدول الجوار العربي أو الإقليمي‏,‏ فالكل مسئولون عن الكارثة العراقية‏,‏ لأنهم أسهموا في تشجيع ظاهرة صدام حسين علي حساب الشعب العراقي‏,‏ وأمريكا نفسها شجعت صدام علي غزو إيران وتحقيق أهدافها وتحجيم الثورة الإسلامية في طهران‏,‏ ثم كانت كارثة احتلال الكويت وفشل الدول العربية في حل المشكلة داخليا‏,‏ وكل هذه السياسات الخاطئة كانت بمثابة السياسة التي عبدت الطريق للتدخل الدولي‏,‏ الذي صنع كارثة العراق المعاصرة‏,‏ وأتاح الفرصة لشيوع الفوضي والحروب الأهلية‏,‏ وكل ذلك يعطي الاحتلال الأمريكي مشروعية بقائه واستمرار سيطرته علي العراق‏.‏
ولعل المؤتمر المقترح عقده في القاهرة بمشاركة العالم كله بشرقه وغربه‏,‏ بما فيه القوي التي صنعت الأزمة أو الكارثة‏-‏ الولايات المتحدة وبريطانيا‏-‏ وحلفاؤهما الذين ذهبوا للحرب ضد العراق‏,‏ يجب أن تنضم إلي المؤتمر المقبل‏,‏ كذلك القوي الأوروبية التي وقفت ضد الحرب‏,‏ فرنسا وألمانيا ودول الجوار الإقليمي والعربي‏,‏ والأمم المتحدة‏,‏ لتسهم جميعا في الخروج من الكارثة‏,‏ وتمهيد الأرض العراقية للعودة إلي الاستقرار‏,‏ وإلي حظيرة الدولة الحديثة‏,‏ وهذا الهدف النبيل في مصلحة الجميع‏,‏ لأنه إذا تركت الأمور تتداعي أو الكارثة تستمر كما يتصور البعض لمعاقبة أمريكا لشنها حربا غير مشروعة في العراق‏,‏ وهو تصور سطحي وساذج‏,‏ فإن أمريكا لن تدفع الثمن‏,‏ لكن الذي سوف يدفعه هم العراقيون‏,‏ والأخطر أن المنطقة سوف تدفعه لأنه إذا مضي هذا السيناريو كما هو الآن سوف يستوطن الإرهاب والتطرف في العراق‏,‏ ومنه يخرج ليس إلي منطقة الشرق الأوسط وحدها‏,‏ لكن إلي العالم كله‏.‏
إذن حل الأزمة العراقية يحتاج إلي تعاون دولي خلاق‏,‏ كما يحتاج إلي حوار عراقي‏-‏ عراقي متوازن وجاد‏,‏ ويحتاج أكثر إلي اعتراف أمريكا بالفشل وحاجتها إلي العالم لإعادة الاستقرار إلي العراق‏.‏
وبالرغم من هذه الروح الجديدة‏,‏ فيجب ألا ننسي أن قلب الأزمات والكوارث هو استمرار العدوان علي الشعب الفلسطيني‏,‏ ولذلك تجب المسارعة إلي إعادة الروح والثقة إلي الشعب الفلسطيني باسترداد جزء من الأرض الفلسطينية‏,‏ وإقامة دولته المشروعة عليها‏,‏ هذا هو الحل الوحيد الباقي لإنقاذ شعوب منطقة الشرق الأوسط‏.‏ أقدم شعوب العالم علي الأرض‏,‏ حتي لا نتركها علي الوضع الحالي الذي يمثل بداية انهيار للنظام العالمي الراهن‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا