من ينظر إلي المشهد الثقافي العربي علي موازاة نظرته للأوضاع العربية بعامة يستطيع أن يري مدي الهوة الواسعة ما بين الموازيين بين الوضع العربي وما شابه من انحطاط وارتهان وخنوع وبين المشهد الثقافي العربي الذي يكاد يفقد صورته وشخصيته وبل هويته ليس فقط لابتعاده عن المشهد العربي بعامة/ وحتي لا يشطح البعض ممن يبدون قرفهم وتقززهم من السياسة والأيديولوجيا فإنني أعمم ذلك كله علي المفاصل كافة من اجتماعية واقتصادية وحقوقية وتعليمية.. الخ وحتي الثقافية بعينها.../ نقول بل لابتعاده عن الهموم الثقافية نفسها. وهنا أود أن أسجل ملاحظة وبها أتوجه لأولئك الذين ينصاعون إلي الآخر من الشوارع الخلفية/ مواربة/ أو مواجهة/ بإعلان عدائهم لكل شيء سوي المثاقفة المعنية بالغرائبية والتغريبية والغربية متناسين أو متجاهلين عن قصد أن العولمة انما هي ثقافة أولا واقتصاد تنتجه الثقافة ثانيا وأخيرا وأنا لا أريد أن أنكر عليهم ذلك لنتحدث عن الثقافة وعن الهم أو الهموم الثقافية ولكن يبقي السؤال... عن أي ثقافة نتحدث وعن أي هم أو هموم ثقافية نبحث وبأي لغة نتحاور ونتواصل؟ هل نتحدث عن ثقافة في الهواء في كوكب آخر غير الذي نحن عليه هل نتوسد هموم ثقافة من غير هوية فاقدة لشخصيتها أم نهرب من كينونتنا الحضارية الثقافية أيا كان وضعها وقيمتها أو فاعليتها الراهنة.. إلي فضاء الآخر ونستحلب نتاجه لنعيد إنتاجه بشكل مشوه ومشلول ليست دعوة لإقصاء ثقافة الآخر لأن المسألة ليست إرادوية ولكني أدعو إلي الهوية إلي الحفاظ علي الشخصية الثقافية العربية إلي تطوير أوضاعنا بعامة لينهض الثقافي بثقل الاغتراب المحتمل. ولذلك فإن المثقف العربي وبخاصة من الشباب كونهم لم يتأصلوا علي تواتر الثقافة العربية التاريخية يعيش حالة من اللاتوازن والاغتراب الذاتي ناهيك عن الإقصاء السلطوي وكذلك حالة الشيزوفرينيا الثقافية نتيجة عاملين أساسيين: الأول: حالة اغتراب المثقف العربي في بيئته العربية والتأثير السلطوي علي الحالة الثقافية العربية بتعهير الثقافة حينا وإقصاء أحيانا بقهر المثقف وملاحقته من كلا المؤسستين/ المدنس والمقدس/ مؤسسة الدولة القطرية السلطوية التابعة وأن من مؤسسة المرجعية الدينية والخاضعة أساسا لتوجهات السلطة كما في حالة نصر حامد أبو زيد. وازدياد قمع المثقف والمواطن ودائما ما يكون نصيب المثقف من القمع أكبر وأخطر كونه يشكل حالة وعي متقدم عن العامة وكونه الأقدر علي الفعل والأكثر شفافية وحساسية وحالات القهر كثيرة وكبيرة ومعممة منها ما هو معلن ومنها ما هو غير ذلك ويمارس بأشكال وأساليب مختلفة. والثاني: حالة الانسلاخ الإرادي للمثقف عن بيئته وأوضاعه العامة والثقافية في المقدمة منها وإن كانت الحالة أو العامل الأول دافعا له ومع ذلك فهو ليس مبررا لتهافته وانسلاخه وتجريد ذاته من دوره. لأن المثقف هو صاحب الموقف. وكما قالوا فإذا ما كان للسلطات ضروراتها فإن للمثقفين خياراتهم. وإلا ما الفرق بين مثقف السلطة ومثقف الموقف المثقف الذي لا يبدل مواقفه كما ملابسه الداخلية. ومن هنا دائما ما يتحمل المثقف تبعات مواقفه كونه الأكثر وعيا ومعرفة وإدراكا وكما قلت في مقدمة ديوان/ أغنيات لرب أريحا/( من يعرف الحقيقة يحمل وزرها) ولذلك فالمثقف يحمل وزر موقفه. وأما من بعد لم يع حقيقة الثقافة وخطورة دورها في الحياة العامة ويعتبرها مجرد نزوة ذاتية أو أنها هم خاص به يعبث بها كما يشاء أو يعيث باسمها فسادا وتخريبا للعقل وللذائقة الأدبية والثقافية فإنه يمكننا اختزال الكثير بالقول// الثقافة موقف وهوية// فإما أن يكون منحازا إلي........ وإما أن يكون منحازا إلي......... فليس هناك من مثقف يقف بين البينين بين ثقافة النار وثقافة الماء. فإما أن يكون مثقفا منحازا لنفسه أو يكون منحازا للآخر منحازا لثقافته وبيئته الثقافية وإما أن يكون منحازا لثقافة الآخر ذلك الآخر بمختلف وجوهه ولبوسه داخليا كان أم خارجيا. ونسأل أول من نلتقيه منهم عن رأيه في ما يطلق عليه اليوم من أغاني وبخاصة المسمي( فيديو كليب) وتحديدا ما تمارسه بعض الفضائيات بإطلاق العنان لبعضهن أمثال/ نانسي عجرم و هيفاء وهبي وإليسا ومروة وروبي والجديدة نجلاء التي نزلت بسباق في( التشليح والتخليع) حسب وصف ابنتي لهن. ونستذكر هنا قول نانسي عجرم عندما سألوها عن صوتها فقالت( انا لا أغني بصوتي ولكنني أغني بجسدي). وكل منا يحاول أن يمنع أطفاله من التفرج علي هذه البرامج والأغاني الهابطة ومتابعتها خوفا من تخريب الذوق العام والإخلال بالأخلاق العامة. فهل البعض من هؤلاء يمكن تسميته أيضا بنانسي عجرم الثقافي أو ما يمكن أن نطلق عليه بما يترادف مع( التشليح والتخليع الثقافي). هناك ألف ألف غوبلز بين ظهرانينا غوبلز الذي كان يتحسس مسدسه كلما سمع كلمة ثقافة ومنهم من احترف الثقافة أو ممن يتشبهون لمحاربتها من الداخل من نفس بيئتها( الطابور الخامس الثقافي) فيهدمون صرحها بتحقير وتسخيف تاريخية الثقافة العربية وحضارتها وسلخها عن واقعها ونزعها دورها وتحويلها إلي ترف وملهاة في مقاهي ومجالس الحذلقة وهؤلاء لا نبريء مواقفهم إن كانت بقصد أو من غير قصد. ويعود السؤال إلي واجهة الحوار ما هو دور المثقف العربي؟ إن دوره باختصار ودون الدخول في مناظرات أو جدل هو رفع سوية الوعي الشعبي العام والعمل علي صياغة وجدان الأمة وتحديد مساراتها التي سرقت من بين ثنايا عقول المثقفين والمفكرين والمبدعين والمساهمة الفاعلة في إعادة الاعتبار للحضارة العربية التي ساهمت في أطوار مختلفة في رفد الحضارات الانسانية.هذا المسار العام للدور المعني فيه المثقف العربي دون الدخول في التفاصيل والإجراءات العملية التي لا بد من المثقف أن يلعبه في المسارات كافة من سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية وتنموية... الخ. هل استطاع المثقف العربي أن يمارس دوره كمثقف عضوي وليس كهامشي ينتج كلاما علي حساب إنتاج الآخرين.أي أنه لا ينتج وإنما يقوم بفعل إعادة انتاج. للمثقف دور أكبر من تطريز الكلام وبعضنا ما زال لم يع بعد أهمية وخطورة الثقافة والمثقف ليس علي مستوي الذات فحسب وإنما كما سبق وقلنا في صياغة الوجدان الشعبي ورفع مستوي الوعي العام والمشاركة الفاعلة في صياغة المشروع الحضاري الذي به نحافظ علي الشخصية القومية والهوية وحتي نبقي أسوياء ونحفظ المستقبل الواعد كما نريده نحن وليس كما يتفق مع مصالح الآخر. ويبقي السؤال... كيف نري دور المثقف العربي.. في ظل هذه التداعيات التي تطال كل منا من العامل والفلاح إلي الموظف وكل الشرائح العربية حتي تلك الشرائح التي باعت نفسها للآخر.. كونها من التداعيات المريبة هل يقتصر دور المثقف علي المثاقفة هل يبقي المثقف في كوكب مختلف يتغطي تحت عباءة سلطة ثقافته؟ أم أن دوره يتخطي ويتجاوز كل ما في أذهان البعض ليرتقي إلي مستوي الشارع العربي ليصبح مثقفا عضويا يقاتل برأيه وموقفه ينزل إلي الشارع ويقود العمل كما كان المثقف العربي قبل زمن ليس بالبعيد أو كما كان عليه في كل أزمنة طالها الغبن في تاريخنا العربي لا أن يبقي هامشيا يعتاش علي هامش إنتاج الآخر أي كان هذا الآخر ناسيا أو متناسيا شخصيته القومية وهويته الثقافية الحضارية أن لا يبقي مسلوب الدور والإرادة. ويبقي المثقف التاريخي والثقافة التاريخية هو ذلك المثقف.. وتلك الثقافة التي تعمل علي صياغة وجدان الأمة وتحقق وجودها لصنع المستقبل.