399‏السنة 123-العدد2004نوفمبر13‏30رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

رجل الأعمال والقومسيونجي

في خيال العامة صورة كاريكاتورية لرجل الأعمال فهو سمين بكرش واسع‏,‏ وملظلظ باعتباره يفطر في الحادية عشرة صباحا كرواسون وبيض مقلي‏,‏ ومسلوق‏,‏ سبانش أومليت مع دانش بالمربي وغذاء ملكات النحل وعسل بالطحينة‏,‏ وبعد ساعتين من دلع السكرتيرات وتدخين السيجار‏,‏ وشرب الشاي والعصير يحل موعد غداء العمل في فندق أو مركب أو في أحد نوادي العاصمة‏,‏ ليبدأ بفاتح الشهية طبق كافيار روسي أو شريحة فواجرا ويقزقز كيلو جراما من الجمبري‏,‏ والاستاكوزا ليعود إلي الراحة لمدة ساعتين‏,‏ وفي المساء يلبي دعوة للعشاء أمام بوفيه مفتوح ليلتهم كل ما لذ وطاب علي أنغام الموسيقي وهز البطن‏,‏ وقبل التعليق علي هذه الصورة الكاريكاتورية يجب أن نكرر تعريف من هو رجل الأعمال؟
فرجل الأعمال كما عرفته اللغة اللاتينية هو الإنسان الخلاق المبدع المبتكر صاحب فكرة المشروع أو بالترجمة الحرفية لكلمة‏Enterpreneur‏ فهو‏:‏ كل من يتدخل في الجهاز العصبي للمشروع وينفذه ليضيف للناتج القومي ما يفيد المجتمع وينهض بالاقتصاد الوطني‏.‏
وعند تطبيقنا لهذا التعريف علي من يطلقون علي أنفسهم رجال أعمال سوف نستبعد علي الفور جميع التجار والوسطاء والمستوردين والقومسيونجية فمثلا من يستورد مواد غذائية ليعيد بيعها في الداخل لا يعتبر رجل أعمال مهما حقق من أموال‏,‏ وتاجر الأسمنت الذي يشتري بثمن ليبيع بثمن آخر مهما كان غنيا فهو لا ينطبق عليه وصف رجل الأعمال‏,‏ ومن يقوم بدور الوساطة في العمليات التجارية أو العقارية ليس برجل أعمال‏,‏ وكل هؤلاء وغيرهم يجب أن يطلق عليهم تعريف التجار أو الوسطاء أو القومسيونجية‏.‏
أما الفئة أو الطبقة التي يحق لها أن تسمي نفسها برجال أعمال في مصر فينقسمون إلي ثلاث فئات‏.‏
الفئة الأولي‏:‏ وهم مجموعة من أصحاب الشركات المبدعين والخلاقين والمبتكرين لفكرة مشروع من العدم معرضين أنفسهم وأموالهم للمخاطر‏,‏ معتمدين علي الله وعلي قدراتهم وإمكانياتهم وقوة تحملهم وصبرهم علي كل ما سيحدث لهم في ظل المناخ الملوث الذي نعيشه في عالمنا العربي‏,‏ وهؤلاء الصامدون المجاهدون الذي ينحتون الصخر رغم تعرضهم لأبشع أنواع الابتزاز والتشهير ولا يشاركون فيما يجري من فساد أو إفساد‏,‏ هؤلاء تجدهم يعملون بجدية وكبرياء ويشاركون بصمت في أعمال خيرية مقتنعين أنه جزء من رد الجميل للمجتمع الذي يعيشون تحت سمائه‏.‏
الفئة الثانية‏:‏ وهم مجموعة ينطبق عليهم شكلا تعريف رجل الأعمال باعتبارهم قاموا بالفعل بإنشاء مشروعات ومنشآت ولكن مع الجشع والنهم في التكويش وإفساد الموظفين والمسئولين مع العشوائية في إهدار قروض البنوك بالملايين وبالتالي لا يستحقون أن يطلق عليهم وصف‏Enterpreneur‏ أو رجل الأعمال وهذه المجموعة هي التي أساءت إساءة بالغة إلي رجال الأعمال‏.‏
الفئة الثالثة‏:‏ وهم أصحاب المشروعات الفردية والعائلية الصغيرة ومنهم كثيرون من المجتهدين والمبتكرين الشباب الذين ضحوا بالوظيفة ليخلقوا فكرة مشروع صغير متحملين كل أنواع المخاطر‏,‏ وصابرين علي جبروت البيروقراطية العقيمة والروتين العفن وغلاسة مأموري الضرائب وابتزاز كبار وصغار الموظفين‏,‏ وقافزين علي كل المعوقات ليحققوا الفكرة التي آمنوا بها وهي فكرة إنشاء ونجاح المشروع‏,‏ وأيا كان حجمه فهؤلاءينطبق عليهم وصف رجال الأعمال‏.‏
تذكرت كل ذلك بالأمس عندما أتيح لي حضور ندوة تحت عنوان علاقة الصحافة برجال الأعمال عقدتها مؤسسة الأهرام وكان أغلبية الحضور من شباب المحررين الاقتصاديين بالصحافة المصرية وكان واضحا أن كثيرين يطرحون السؤال المكرر‏:‏ من هو رجل الأعمال؟ بعد أن أصبح كل من هب ودب‏,‏ بل وكل عاطل يطبع لنفسه كارتا مكتوبا عليه بماء الذهب فلان الفلاني‏,‏ رجل أعمال‏!‏
والحقيقة التي يجب الاعتراف بها دون تهويل أو تهوين هي‏:‏ أن عالمنا العربي عموما ومصر خصوصا تحتاج إلي جيل أو جيلين علي الأقل ليفرز المجتمع طبقة عريضة من رجال الأعمال الحقيقيين ولن يحدث ذلك في ظل المناخ الذي نعيشه الآن‏.‏
وفي النهاية يبقي لكل من يرغب في أن يصبح رجل أعمال يحترمه المجتمع ويصفق له بل ويرفع له القبعة فعليه أن يحترم نفسه أولا بالبعد عن الشبهات‏,‏ وأن يحترم المجتمع الذي يعيش فيه بالتواضع بعيدا عن الغطرسة والتعالي والخيلاء‏,‏ وألا يغيب عنه أبدا أن مصلحة الوطن تتوازي مع مصالحه الشخصية إن لم تسبقها‏,‏ وأن يرضي ويسعد ويفخر بما حققه بعرقه وجهده وصبره من نجاح‏,‏ أما عن علاقة رجال الأعمال بالصحافة فلهذا حديث آخر قادم رغم أنه حديث شائك والدخول فيه يشبه الدخول في عش الدبابير‏!‏
د‏.‏ محمود عمارة