
|
حديث العالم دروس الانتخابات الأمريكية! |
 | |
د. عبدالمنعم سعيد انتهت الانتخابات الأمريكية, وأصبح علينا, وعلي العالم, التعايش مع بوش لأربع سنوات أخري, وبشكل ما فإن الأمريكيين قرروا عدم الاستماع إلي ما تقول به الدنيا, فلا كانت لكوفي عنان كلمة, ولا كانت هناك كلمة لعدد غير قليل من الحائزين علي جائزة نوبل, ولا كان هناك صوت لمواطنين كثر في دول العالم تسابقوا علي مخاطبة الأمريكيين للتخلص من الإدارة الجمهورية, لقد قال الشعب الأمريكي كلمته, وبسرعة هذه المرة, فلا طالت عملية فرز الأصوات إلي أسابيع كما كان مقدرا, ولا تعادل المرشحان ولجأ الجمع الأمريكي إلي مجلس النواب كما كان متوقعا, ولا انفصل الفوز بالمجمع الانتخابي للولايات عن الفوز بالمجمع الشعبي للدولة الأمريكية كما ظن الكثيرون. والحقيقة أنني لم أكن من ضمن الذين فوجئوا بكل ذلك, وقبل الانتخابات سجلت رأيي في مقال منشور في صحيفة نهضة مصر قبل الانتخابات بأسبوع, كما أبديت ذات الرأي مرتين في البرنامج التليفزيوني علي الهواء الذي يقدمه الصديق عماد أديب, علي شبكة أوربت التليفزيونية قبل التصوير, وكان انعدام المفاجأة لدي راجعا إلي عاملين: أولهما تعلمته منذ وقت طويل وهو أن يكون لي تحليلي الخاص المعتمد علي المصادر الأولية للمعلومات للحياة السياسية الأمريكية, وألا أسمح لمجلات النيوزويك والتايمز والهيرالد تريبيون بأن تشكل لي تفكيري كما يفعل الكثير من المحللين العرب, وثانيهما تعلمته حديثا وهو أنه رغم وجود الاستثناءات في الحياة السياسية الأمريكية, فإن قوانينها الأساسية غلابة, ومن الواجب عدم قبول الاستدراج الذي يجعل ما هو استثنائي قاعدة مستقرة. ولعل ذلك هو الدرس الأول الذي نتعلمه من الانتخابات الأمريكية, فما جري في انتخابات عام2000 بين آل جور وجورج بوش الابن كان حالة استثنائية, جرت مثلها حالات استثنائية متعددة في الانتخابات الأمريكية خلال ما يزيد علي قرنين, ولكن هذه الحالات لا تتعدي ما يمكن عده علي أصابع اليد الواحدة, أما ما تبقي من اختيارات وانتخابات أمريكية فهي كلها تخضع لقواعد متعارف عليها ينبغي فهمها والقياس عليها, وحتي عندما يحدث الاستثناء فإننا نعامله علي أنه هو الذي يثبت القاعدة, وقد جري إثبات القاعدة في انتخابات2004, وهي أن البندول الفكري والسياسي الأمريكي يتحرك بين المحافظة والتغيير الليبرالي, وقد تحرك نحو اليمين هذه المرة وبقي فيها ليس فقط بفوز الجمهوريين بالبيت الأبيض, وإنما أيضا بمجلس النواب ومجلس الشيوخ وحتي حكام الولايات, وبهذا المعني يمكننا فهم الحالة الاستثنائية لانتخابات2000, لأنها كانت ببساطة بداية الحركة العكسية للبندول الذي وصل إلي أقصاه الديموقراطي بعد ثماني سنوات من حكم كلينتون شهد آخرها تحقيقا في أحداث مثيرة جرت في البيت الأبيض بين رئيس الجمهورية وطالبة متدربة هي مونيكا لوينسكي! في ذلك الوقت كان العالم مندهشا بشدة, فقد اعترف الرئيس الأمريكي بجرمه, وعلي مدي شهورمضت الآلة الإعلامية تمضغ الحوادث العاطفية والجنسية والشخصية, وفي الوقت نفسه كانت الآلة القانونية الأمريكية تأخذ الرئيس من تحقيق إلي آخر حتي وصل الأمر إلي مجلس الشيوخ الذي وجد أن التهمة لا تستحق طرد الرئيس من منصبه خاصة أن الغالبية الساحقة من الرأي العام ظلت تؤيده عملا بالحكمة التي تقول: إذا كان أحد منكم بلا خطيئة, فليرم كلينتون بحجر! وهنا علي وجه التحديد نصل إلي الدرس الثاني في فهم السياسة عامة والسياسة الأمريكية بشكل خاص, فعندما حدث ما حدث كان العالم مندهشا مما جري في أمريكا ثم بعد ذلك ترك الأمر علي أساس أنه نوع من الخصائص الأمريكية التي لا يمكن فهمها, ولكن أمريكا ذاتها لم تترك الأمر فإذا كانت الخطيئة شاملة لكل الأمريكيين وعلي هذا الأساس تم عتق كلينتون من الخطيئة, فإن هناك أمرا جللا في الأمة الأمريكية كلها جوهره أخلاقي وشكله سياسي. وهنا تحديدا بدأت الحركة العكسية للبندول الأمريكي للتحرر من الخطيئة الجماعية في طريقة الحياة, وإدارة الاقتصاد, وربما التعامل مع العالم, وعندما أقرت ولاية ماسوشتس مسألة زواج المثليين ظهر أن الليبرالية الأمريكية سوف تصل إلي حدود قصوي لا يتحملها الذين يعيشون في أحزمة الإنجيل وكان عليهم الرد في انتخابات2004, برفض قوانين مماثلة في إحدي عشرة ولاية, وببساطة كانت هناك عملية جدلية كبري تجري في أمريكا تثور علي الثورة التي أتي بها كلينتون, والتي كانت بدورها ثورة ليبرالية علي عهد ريجان المحافظ, والذي كان بدوره ثورة محافظة علي ثورة الليبراليين بعد انتهاء حرب فيتنام, وهنا تحديدا نصل إلي الدرس الثالث الذي هو القانون الأساسي للحياة السياسية الأمريكية وهو أن ما يجري علي السطح ويعبر عنه الإعلام يعكس جزءا واحدا من الصورة الأمريكية, أما صورتها الأشمل فتحدث في تلك الحركة البندولية بين توجهات كبري إزاء الأخلاق والحياة والسياسة والاقتصاد. ولكن الدرس الرابع يقول لنا ما هو أهم من كل الدروس السابقة وهو أنه إذا كانت العملية أمريكية بحتة, وتجري وفق حركة تاريخية, فإن أهمية نتيجتها لا تكون بنوعية الرئيس الذي يحتل البيت الأبيض جمهوريا كان أم ديموقراطيا, لطيفا أم سخيفا, مثقفا أم جاهلا, ولكن أهميتها سوف تنبع من طريقتنا وقدراتنا في التأثير علي هذه القيادة الأمريكية, ولذلك فإن النقاش الذي جري في العالم العربي حول عما إذا كان بوش أو كيري أقرب للعرب, أو أن كليهما وجهان لعملة واحدة, كان في الحقيقة نوعا من المناقشة العقيم بينما كان الأجدي أن نركز علي الكيفية التي تجعل الرئيس الأمريكي يتصرف بطريقة تتوافق مع مصالحنا. وإذا كان الأمر كذلك فإن علينا الآن أن نحدد علي وجه الدقة ما هي مصالحنا, ونتعرف أيضا علي وجه الدقة علي أولويات هذه المصالح, ولا يتم هذا وذاك بشكل نظري وإنما بمعني عملي وعملياتي, وإذا ما فعلنا ذلك بالنسبة لقضية فلسطين مثلا, فإن الجهد العربي إزاء الولايات المتحدة سوف ينصب علي تعريف الولايات المتحدة أيضا لمصالحها وفق توجهاتها الجمهورية المحافظة التي فازت في الانتخابات, هذا التعريف يوجد علي جانب منه تأييد إسرائيل, وعلي جانب منه مشروع إقامة دولة فلسطينية تعيش في سلام جنبا إلي جنب مع إسرائيل, وما بين هذا الجانب وذاك توجد مصالح أمريكية في العراق, وفي البترول العربي, وفي التعاون ضد الإرهاب, وحتي في وجود تغييرات ديموقراطية في العالم العربي, وكل ذلك يمكن مقايضته بما يكفي لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية, أما إذا لم تكن القضية الفلسطينية علي رأس الأولويات العربية, فتلك قضية أخري تعود بنا إلي القانون الأساسي!
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|