399‏السنة 123-العدد2004نوفمبر13‏30رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مادلين أولبرايت‏..‏ الآنسة ماما

حســن فــؤاد


امرأة حادة المزاج‏,‏ متجهمة في أغلب الأحيان‏,‏ وعندما تبتسم تبدو ابتسامتها أقرب إلي التكشيرة‏,‏ وكثيرا ما تسعي إلي التشبه بالرجال‏,‏ وتتصرف بخشونة تتفوق فيها علي الجنس الخشن‏!‏
عندما كانت تمثل بلادها في مجلس الأمن كانت المرأة الوحيدة‏,‏ وسط كوكبة من الرجال‏,‏ أما عندما وقع عليها اختيار الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون لتولي منصب وزيرة الخارجية‏,‏ كانت أول امرأة في تاريخ الولايات المتحدة تتولي هذا المنصب‏.‏
موطنها الأصلي جمهورية تشيكيا وديانتها يهودية‏,‏ مؤهلاتها العلمية درجة الدكتوراه في القانون وأنظمة الحكم من جامعة ولسلي بولاية ماساتشوستس‏,‏ وهي جامعة تقتصر الدراسة فيها علي الإناث فقط‏,‏ وقد زاملتها في هذه الجامعة السيدة هيلاري كلينتون‏,‏ السيدة الأمريكية الأولي السابقة‏,‏ وبعد حصولها علي الدكتوراه تلقت عرضا للتدريس في جامعة جورج تاون بمدينة واشنطن‏,‏ وأمضت عدة سنوات في رحلات مكوكية بين مدينتي واشنطن ونيويورك حيث كانت تجمع ما بين حضور جلسات الأمم المتحدة وإلقاء المحاضرات في الجامعة‏.‏
وعندما كانت مادلين أولبرايت تزور بلدان الشرق الأوسط كوزيرة للخارجية‏,‏ كانت بعض الصحف العربية تنشر اسمها مسبوقا بلقب آنسة حتي اعتقد البعض أنها بعد أن تجاوزت الستين لاتزال عذراء لم يمسسها بشر‏!‏ أما الحقيقة فهي أنها تزوجت في شرخ الشباب وأنجبت ثلاث بنات‏,‏ والبنات تزوجن بدورهن‏,‏ وأصبحت السيدة مادلين أما وجدة قبل أن تطلق‏.‏
وقبل مولدها بأربع سنوات استولت النازية علي الحكم في ألمانيا‏,‏ وفي العام التالي لمولدها احتلت ألمانيا النازية أحد أقاليم جمهورية تشيكيا‏,‏ ثم استولت علي العاصمة براج التي كانت تعيش فيها أسرة مادلين‏,‏ ولأنها أسرة يهودية فقد توقعت أن يكون مصيرها إلي المحرقة‏,‏ وبالفعل أحرق النازيون اثنين من أجدادها‏,‏ ورأت الأسرة أن الخير لها أن تهرب‏,‏ فهربت إلي العالم الجديد بعد إقامة قصيرة في إنجلترا حيث عمل والدها في السفارة التشيكية في لندن‏.‏
وهي تقول إنها لا تذكر من طفولتها المبكرة إلا الهرب إلي المخابيء للاحتماء من غارات الألمان علي العاصمة البريطانية لا سيما بعد سقوط فرنسا عام‏1940,‏ حيث ظلت بريطانيا في معمعة الحرب أمام ألمانيا لمدة عام إلي أن دخلت الولايات المتحدة إلي ساحة الوغي في نهاية عام‏1941,‏ بعد معركة بيرل هاربر الشهيرة‏.‏
ولم تبدأ مادلين تعلم اللغة الإنجليزية إلا في سن العاشرة بعد أن هاجرت الأسرة نهائيا إلي الولايات المتحدة وهي الآن تتقن اللغات الفرنسية والروسية والإنجليزية بالإضافة إلي لغتها الأصلية التشيكية‏,‏ وتتفوق في قوة الأسلوب علي وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ـ اليهودي أيضا ـ هنري كسينجر الذي ينتمي إلي جذور ألمانية‏.‏
ومنذ فبراير‏1993,‏ ظلت مادلين ترأس وفد بلادها إلي الجمعية العامة للأمم المتحدة‏,‏ وهو نفس المنصب الذي شغله الرئيس جورج بوش الأب في نهاية السبعينيات‏,‏ ثم قفز منه إلي منصب نائب الرئيس‏,‏ ثم أصبح الرئيس الحادي والأربعين للولايات المتحدة‏.‏
ومنذ إنشاء الأمم المتحدة لم تستخدم الولايات المتحدة حق الاعتراض‏(‏ الفيتو‏)‏ إلا في نهاية عام‏1970,‏ أي أنها لم تجد حاجة لاستخدام هذا الحق طوال أكثر من ربع قرن‏,‏ ثم اتجهت فجأة إلي الإسراف في استخدامه‏,‏ غالبا لوقف صدور أي قرار يدين إسرائيل‏,‏ وهكذا أصبحت مادلين هي الآلة الشديدة الضجيج التي تحركها واشنطن لكي ترفض وتعترض‏,‏ وأبرز هذه الاعتراضات كان إجهاض قرار تجديد بقاء الدكتور بطرس غالي أمينا عاما للأمم المتحدة لدورة ثانية‏,‏ وهو القرار الذي وافق عليه‏14‏ مندوبا لـ‏14‏ دولة وأحبطته السيدة مادلين برفع إصبعها‏,‏ وعندما سئلت عن المرشح الذي تفضله لخلافة الدكتور غالي أجابت علي الفور شمعون بيريس‏!.‏
ولاتزال مادلين تحمل اسم أسرة مطلقها جوزيف أولبرايت‏,‏ وهذا الزوج السابق هو الذي شجعها علي الاشتغال بالسياسة والانضمام إلي الحزب الديمقراطي‏,‏ فنشطت في الدعاية لكل مرشحي الحزب للرئاسة ابتداء من جون كيندي عام‏1960,‏ حتي آل جور عام‏2000,‏ أما في معركة الرئاسة الأخيرة فقد كانت مشغولة بوضع اللمسات الأخيرة لكتابها الذي صدرت طبعته الروسية هذا الأسبوع بعنوان الآنسة الوزيرة وتروي فيه ذكرياتها كوزيرة للخارجية‏,‏ وتقول إن المرأة الوحيدة التي تولت أي وزارة في أمريكا قبلها كانت اسمها فرانسين بيركينز‏,‏ وأسندت إليها وزارة العمل في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت الذي كان ينتمي أيضا إلي الحزب الديمقراطي‏.‏