399‏السنة 123-العدد2004نوفمبر13‏30رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

نقطة حبر
يكفيه شرف المحاولة

عاطف حزين


هل تحب عرفات؟
لا تجهد نفسك في البحث عن إجابة‏,‏ فالحب والكراهية في هذا الوقت بالذات كلام عبيط وأهبل ليس له علاقة بالمنطق‏.‏
كيف يجب تقييم دور عرفات؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا بغض النظر عن موقفنا العاطفي من أبوعمار‏.‏ أعلم أن بعضنا يكرهه لموقفه المعادي للرئيس السادات عليه رحمة الله‏,‏ وأعلم أن بعضنا يكرهه لأنه راهن علي حصان صدام وأيده في غزو الكويت‏.‏
لكن عند التقييم الموضوعي لهذه الشخصية لن نلبث أن نعترف بأنه يستحق الانضمام إلي كوكبة الثوار الذين يحتلون صفحات مضيئة من التاريخ‏,‏ سيقف عرفات جنبا إلي جنب جيفارا وكاسترو وعبدالناصر وتيتو‏.‏ فما قدمه أبوعمار من شبابه ومن شيخوخته لا يقل عما قدمه هؤلاء حتي وإن كان مردود أبوعمار وإنجازه لم يقترب من إنجازاتهم‏.‏ كيف ننسي ياسر عرفات قائد منطقة فتح الذي حرم نفسه من كل متع الدنيا ووهبها للقضية الفلسطينية؟ كيف ننسي عشرات الضربات التي تلقاها من الأشقاء قبل الأعداء دون أن يفت ذلك في عضده؟ كيف ننسي صموده في حصار بيروت وخروجه منها مرفوع الرأس مؤكدا أن القضية لن تموت وأن الدولة الفلسطينية آتية لا محالة؟ ولو شئت أن أذكر مائة موقف ثوري نقي للزعيم أبوعمار فما أيسر ذلك‏,‏ والرجل ظل كتابا مفتوحا للقريب والبعيد‏.‏ إنه أبوعمار الذي تعرض للموت عشرات المرات ويخرج في كل مرة وهو يردد الدعاء الذي ظل يجري علي لسانه حتي آخر لحظة غادر فيها مقره في رام الله‏:‏ اللهم أطعمني الشهادة‏.‏ حقا كان أبوعمار يستحقها علي كثرة ما جاهد‏,‏ وعلي عظمة ما أعطي‏,‏ وعلي صبر ما واجه‏,‏ ولكن وله في خلقه شئون وعسي ربنا أن يضعه في منزلة الصديقين الشهداء البررة الذين عاشوا لغيرهم أكثر مما عاشوا لأنفسهم‏.‏
فهل نحن في وقت مناسب لذكر الأخطاء التي وقع فيها ياسر عرفات؟
إذا كان الحديث عن تقييم تاريخي وليس تجريحا شخصيا فما أيسر أن نقول إن كل الأخطاء التي وقع فيها أبوعمار كانت متوقعة من ثائر وجد نفسه بدون مسدسه والمطلوب منه أن يفاوض‏.‏ فهل منكم من يدلنا علي ثائر واحد في التاريخ نجح في أن يصبح سياسيا ماهرا؟ كل ثوار العالم كانوا طلبة فاشلين في فصل السياسية‏.‏ فالثائر يفتقر إلي الذكاء‏,‏ مندفع لا يعرف المداهنة‏,‏ واضح لا يستطيع المناورة‏,‏ وهكذا عندما حاول عرفات تقمص صورة السياسي خسر رفاق الجهاد والثورة فلم تبق حوله إلا مجموعة من المستفيدين من السلطة ومجموعة من المرتبطين عاطفيا بأبوعمار ويلتمسون له دائما الأعذار‏.‏
نعم سيتركنا عرفات ولا توجد دولة عربية واحدة تحبه‏,‏ لأن الجميع ينسي التاريخ ولا يري إلا الحاضر‏,‏ والحاضر ليس في صف ياسر عرفات‏,‏ فالرجل لم يحارب ولم يفاوض‏,‏ بل حاول أن يلعب علي المتناقضات دون أن يدري أنه سيكون أول الضحايا‏.‏
نعم لم يحصل عرفات إلا علي لقب ليس له معني علي الأرض‏..‏ الرئيس عرفات سيتركنا وقد ترهلت منظمة التحرير الفلسطينية‏,‏ سيتركنا وقد زادت الهوة بين المنظمات الفلسطينية المتناحرة‏,‏ سيتركنا وقد خمد أوار الانتفاضة الفلسطينية المجيدة‏.‏ سيتركنا والكثيرون يشبهونه بالمنبت‏..‏ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقي‏.‏
نعم يبدو كل ذلك صحيحا لمن شاهد الفصل الأخير من رواية أبوعمار‏..‏ فأرجوكم‏..‏ أرجوكم اقرأوا الرواية من الصفحة الأولي حتي نعطي للرجل بعض حقه ونقول‏:‏ لقد حاول علي قدر رؤيته ويكفيه شرف المحاولة‏.‏