
|
التكفير وضرب الصحفيين: خطاب الخوف والاستبداد |
 | |
بقلم ـ نبيل عبد الفتاح يقول صموئيل بيكيت في مسرحيته آه الأيام السعيدة إن الكلمات تتخلي عنك.. هناك لحظات تجد فيها الكلمات تتخلي عنك( نقلا عن إبراهيم العريس ألف وجه لألف عام, الحياة العدد الصادر في4 نوفمبر2004, ص19). لا أجد وصفا مكثفا لحالة الكاتب قلق الضمير, والفكر, والروح تجاه التكفير والعنف والكراهية إلا مقولة بيكيت للتعبير عن صعوبة موقف الكلمات إزاء ما يحدث في مصر الآن, حيث الوهن الشديد الذي ينتشر في أعصاب الأمة, وهياكل الدولة, وانتشار الفساد بجميع أنماطه, وحيث تتدهور ملكات البشر ومستويات معيشتهم, وتعليمهم وإعلامهم, وثقافتهم, ثمة مأساة كبري نواجهها, وتحتاج إلي أقلام وعقول جسورة وموهوبة وكفوءة, وأخيلة سياسية استثنائية ومهارات ورؤي مرهفة الشفافية, وأفكار مختلفة مشبعة ومسكونة بالإبداع السياسي. أوضاع مقلوبة, وانهيارات موشكة, وعدم استقرار رابض في أفق الحياة المصرية, ويأس مقيم ومستمر منذ عقود, وإزاء كل هذا الخراب نجد قلة تطرح أسئلة اللحظة التاريخية التي يمر بها الوطن والدولة والأمة, أسئلة الواقع الموضوعي المصري, في إطار حقائق اللحظة العولمية, وتنقد في موضوعية وصرامة الاختلالات التي نمر بها, وعلاقتنا بذاتنا والعالم وبتاريخنا, وتحاول أن تقلب رؤي وقراءات وتأويلات هذا التاريخ, بهدف تصفية إرث طاغ من التمجيد الكاذب, والتقديس الذي لا سند له من الدين, ومن قراءات ماضوية تجاوزها الزمن, والتغييرات الهائلة التي مر بها عالمنا, ومع ذلك هناك إصرار من بعض اللذين ينتسبون إلي الدين الإسلامي الحنيف, وإلي بعض مؤسساته, أن يفرضوا سيطرتهم علي العقائد والشرائع ـ والعياذ بالله ـ وعلي التاريخ الإسلامي وشخوصه ووقائعه التاريخية. إن وجه الغرابة في هذا الاتجاه, أنه يناهض وبصلافة كتابات المؤرخين والفقهاء المسلمين في عصور عديدة. كانت كتابات غالبية الفقهاء ـ علي مذاهبهم الفقهية كلها ولاسيما في الفقة السني أو الشيعي أو الأباضي ـ يطرحون في رصانة وموضوعية كل الآراء المخالفة لهم, ويتصدون لها بالنقد والتفنيد متوسلين إلي ذلك بالمعلومات الدقيقة, والشروح الموثقة, وإعمال العقل, وتأصيل المسائل وتحريرها من التخليط.. إلخ. لا تكاد تمضي سنة أو يزيد أو أثناءها إلا وترفع دعوي حسبة علي أحد الكتاب أو الشعراء أو المبدعين, لأنه قدم رؤية مختلفة عن رأي بعض رجال الدين الرسميين, أو المعارضين. مسلسلات تليفزيونية, وأفلام سينمائية لا تروق لبعض رجال الدين, أو المحامين فيلجأون إلي رفع الدعاوي لمنع الأعمال الفنية, أو يتقدمون بالشكاوي إلي النائب العام! ما الذي يحدث في بلادنا؟ إننا إزاء مسلسل طويل من أصحاب الفكر السياسي الديني المتطرف الذين يحاولون طرح قائمة أعمال ترمي إلي فرض أرائهم علي الجدل العام, ورمي خصومهم الفكريين بالمروق والزيغ والهرطقة, والمسألة لم تعد مقصورة علي رجال الدين المسلمين, وإنما امتدت إلي الإكليروس القبطي, وبعض المدنيين الأقباط المتشددين والقريبين من رجال المؤسسة القبطية الرسمية ويرفعون الدعاوي لمنع الأفلام, وبعضهم يقومون بالوشايات لوزير الإعلام لمنع مسلسل بنت من شبرا من العرض علي شاشة التليفزيون المصري, علي الرغم من أن العمل لا يمس أيا من العقائد المسيحية وفق المذهب الأرثوذكسي, لكن نحن إزاء ظاهرة سياسية ـ دينية ومذهبية, تتمثل في رغبة بعض رجال الدين ومحالفيهم من المواطنين المتزمتين دينيا ومذهبيا في فرض الوصاية الدينية علي المجال العام والحياة السياسية والصحفية والإعلامية, وعلي الفنون والآداب جميعا. إنها محاولة للاستيلاء الرمزي علي السلطات جميعا, وإرهاب الجماعة الثقافية المصرية بكل مكوناتها. إن ما حدث أخيرا من تقديم شكاوي إلي المستشار النائب العام تطالبه بتحريك دعوي الحسبة ضد الكاتب البارز أسامة أنور عكاشة وتفريقه عن زوجته, لمجرد إبدائه الرأي في شخصية إسلامية تاريخية هي عمرو بن العاص, واعتباره معصوما من النقد التاريخي في أرائه, وأفعاله والوقائع التاريخية والسياسية التي كان طرفا فيها! هذا الاتجاه بات خطرا علي مستقبل الإبداع وحريات الرأي والتعبير, والبحث العلمي والأكاديمي. إن خطورة ما حدث سابقا في حالات عديدة, وما يحدث الآن, تتمثل في تحالف بعض رجال الدين المتشددين, وبعض المتزمتين من عامة الجمهور, أو بعض المحامين, وذلك لفرض ولاية, وسلطة مرجعية علي العقل العام, وهي سلطة معيارية يحاولون بها فرض أرائهم وتأويلاتهم للتاريخ الإسلامي علي المفكرين والمثقفين والمبدعين ورجال السياسة! والسؤال من فوض هؤلاء لأداء وظائف الحسبة علي الإنتاج الثقافي والأكاديمي والفني؟! هل يعرف هؤلاء جميعا ـ والعناصر السلطوية المتواطئة والمتحالفة معهم ـ أن الإسلام العظيم لا ينص علي وجود طبقة رجال دين التي عرفتها الأديان الأخري, ولا يجعل هناك أوصياء أو وكلاء أو نواب عن السماء, أو وسطاء بين رب العزة جل جلاله, وبين المسلمين, فالصلة بين المسلم وربه ـ سبحانه وتعالي ـ مباشرة. أن هؤلاء الذين يفرضون وصاية علي قراءات التاريخ الإسلامي, يحاولون فرض رؤاهم علي وقائعه وشخوصه وصراعاته ومصالحه. إنها محاولة لتجميد العقل المسلم, وإضفاء القداسة علي بعض قراءاته, إنها محاولة لجعل الماضي هو مستقبل المسلمين والمصريين, إنها رؤية ماضوية, تحاول أن تجعل الحياة, وكأنها صنعت في الماضي, ومن ثم لابد من إعادة إنتاج الماضي لكي تكون الحياة, حياة! إن الحياة لا يعاد صنعها كما يقول آرتو, وإنما الحياة لكي تخلق باستمرار كما يقول أدونيس.( الحياة, مدارات, ص20 في4/11/2004). إن هؤلاء جميعا يحاولون إبعاد الأمة عن التصدي للمشكلات الحقيقية التي تواجهها البلاد في هذه اللحظة الحرجة. وهي لحظة لا تخلو من تواطؤ مع عناصر في السلطة ومراكز القوي الجديدة في المجتمع. من هنا تقديم شكاوي إلي النائب العام ضد كاتب كبير, وضرب الزميل عبد الحليم قنديل والاعتداء عليه بالسب والقذف, هي مؤشر قد يؤدي إلي تواطؤ يرمي إلي صرف الكتاب والمثقفين عن التصدي للقضايا الأساسية التي تواجه الدولة والأمة, خاصة ضرورة إجراء إصلاحات سياسية شاملة, تؤسس علي دستور جديد, وجمهورية برلمانية, وترفض توريث السلطة السياسية في إطار قيم الجمهورية, من هنا تطرح وقائع رفع الشكاوي بهدف تحريك دعاوي الحسبة, وضرب رئيس تحرير جريدة العربي, إلي محاولة إحداث بلبلة وارتباك داخل صفوف القوي الديمقراطية في الحياة الصحفية والثقافية المصرية, كي تنشغل بدعاوي الحسبة, والخطاب التكفيري الذي يرفع لواءه, وأطروحاته بعض عوام المصريين, أو رجال الدين ـ مسلمين وأقباط ـ والذي يرمي إلي إشاعة الخوف والرعب في ضمائر وأرواح المثقفين والباحثين, كي يبتعدوا عن تناول الظواهر التاريخية, وأصول البحث في العلوم الاجتماعية. إن ظاهرة دعاوي التكفير, وضرب الكتاب والاعتداء عليهم من مجهول ستتزايد إذا لم نتصد لها جميعا دفاعا عن شرف الكلمة الموضوعية الحرة, وعن ضرورة الإصلاح السياسي والاجتماعي وعن عملهم الجسور والوطني والإنساني في هذه اللحظة الحرجة في تاريخ تطورنا السياسي. هؤلاء جميعا لم نشهدهم في معارك حرية الرأي والتعبير والإبداع, ولا في قضايا التصدي للفساد السياسي والاجتماعي قط, ولم نسمع لهم رأيا أو حسا في الاستيلاء علي المال العام المصرفي, ونهب أموال البنوك, ولا في ظواهر الخلل في البنية السياسية, ولا في مسائل إصلاح نظام التعليم المتخلف! أين هؤلاء جميعا من قضايا إصلاح الصحافة والإذاعة والتليفزيون والفشل الكبير الذي تعاني منه هذه المؤسسات جميعا؟ هناك تحالف لا تخطئه عين المراقب بين صناع الاستبداد والفساد السياسي, وحزب التكفير, وبلطجية ضرب المثقفين الوطنيين المستقلين. أين حزب التكفير والبلطجة ـ خارج القانون ـ في مواجهة ظواهر الرشوة واختلاس المال العام, والسرقات, ولكنه حلف النهايات, وسينهزم قريبا.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|