399‏السنة 123-العدد2004نوفمبر13‏30رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

التكفير وضرب الصحفيين‏:‏
خطاب الخوف والاستبداد

بقلم ـ نبيل عبد الفتاح


يقول صموئيل بيكيت في مسرحيته آه الأيام السعيدة إن الكلمات تتخلي عنك‏..‏ هناك لحظات تجد فيها الكلمات تتخلي عنك‏(‏ نقلا عن إبراهيم العريس ألف وجه لألف عام‏,‏ الحياة العدد الصادر في‏4‏ نوفمبر‏2004,‏ ص‏19).‏
لا أجد وصفا مكثفا لحالة الكاتب قلق الضمير‏,‏ والفكر‏,‏ والروح تجاه التكفير والعنف والكراهية إلا مقولة بيكيت للتعبير عن صعوبة موقف الكلمات إزاء ما يحدث في مصر الآن‏,‏ حيث الوهن الشديد الذي ينتشر في أعصاب الأمة‏,‏ وهياكل الدولة‏,‏ وانتشار الفساد بجميع أنماطه‏,‏ وحيث تتدهور ملكات البشر ومستويات معيشتهم‏,‏ وتعليمهم وإعلامهم‏,‏ وثقافتهم‏,‏ ثمة مأساة كبري نواجهها‏,‏ وتحتاج إلي أقلام وعقول جسورة وموهوبة وكفوءة‏,‏ وأخيلة سياسية استثنائية ومهارات ورؤي مرهفة الشفافية‏,‏ وأفكار مختلفة مشبعة ومسكونة بالإبداع السياسي‏.‏
أوضاع مقلوبة‏,‏ وانهيارات موشكة‏,‏ وعدم استقرار رابض في أفق الحياة المصرية‏,‏ ويأس مقيم ومستمر منذ عقود‏,‏ وإزاء كل هذا الخراب نجد قلة تطرح أسئلة اللحظة التاريخية التي يمر بها الوطن والدولة والأمة‏,‏ أسئلة الواقع الموضوعي المصري‏,‏ في إطار حقائق اللحظة العولمية‏,‏ وتنقد في موضوعية وصرامة الاختلالات التي نمر بها‏,‏ وعلاقتنا بذاتنا والعالم وبتاريخنا‏,‏ وتحاول أن تقلب رؤي وقراءات وتأويلات هذا التاريخ‏,‏ بهدف تصفية إرث طاغ من التمجيد الكاذب‏,‏ والتقديس الذي لا سند له من الدين‏,‏ ومن قراءات ماضوية تجاوزها الزمن‏,‏ والتغييرات الهائلة التي مر بها عالمنا‏,‏ ومع ذلك هناك إصرار من بعض اللذين ينتسبون إلي الدين الإسلامي الحنيف‏,‏ وإلي بعض مؤسساته‏,‏ أن يفرضوا سيطرتهم علي العقائد والشرائع ـ والعياذ بالله ـ وعلي التاريخ الإسلامي وشخوصه ووقائعه التاريخية‏.‏ إن وجه الغرابة في هذا الاتجاه‏,‏ أنه يناهض وبصلافة كتابات المؤرخين والفقهاء المسلمين في عصور عديدة‏.‏ كانت كتابات غالبية الفقهاء ـ علي مذاهبهم الفقهية كلها ولاسيما في الفقة السني أو الشيعي أو الأباضي ـ يطرحون في رصانة وموضوعية كل الآراء المخالفة لهم‏,‏ ويتصدون لها بالنقد والتفنيد متوسلين إلي ذلك بالمعلومات الدقيقة‏,‏ والشروح الموثقة‏,‏ وإعمال العقل‏,‏ وتأصيل المسائل وتحريرها من التخليط‏..‏ إلخ‏.‏
لا تكاد تمضي سنة أو يزيد أو أثناءها إلا وترفع دعوي حسبة علي أحد الكتاب أو الشعراء أو المبدعين‏,‏ لأنه قدم رؤية مختلفة عن رأي بعض رجال الدين الرسميين‏,‏ أو المعارضين‏.‏ مسلسلات تليفزيونية‏,‏ وأفلام سينمائية لا تروق لبعض رجال الدين‏,‏ أو المحامين فيلجأون إلي رفع الدعاوي لمنع الأعمال الفنية‏,‏ أو يتقدمون بالشكاوي إلي النائب العام‏!‏ ما الذي يحدث في بلادنا؟ إننا إزاء مسلسل طويل من أصحاب الفكر السياسي الديني المتطرف الذين يحاولون طرح قائمة أعمال ترمي إلي فرض أرائهم علي الجدل العام‏,‏ ورمي خصومهم الفكريين بالمروق والزيغ والهرطقة‏,‏ والمسألة لم تعد مقصورة علي رجال الدين المسلمين‏,‏ وإنما امتدت إلي الإكليروس القبطي‏,‏ وبعض المدنيين الأقباط المتشددين والقريبين من رجال المؤسسة القبطية الرسمية ويرفعون الدعاوي لمنع الأفلام‏,‏ وبعضهم يقومون بالوشايات لوزير الإعلام لمنع مسلسل بنت من شبرا من العرض علي شاشة التليفزيون المصري‏,‏ علي الرغم من أن العمل لا يمس أيا من العقائد المسيحية وفق المذهب الأرثوذكسي‏,‏ لكن نحن إزاء ظاهرة سياسية ـ دينية ومذهبية‏,‏ تتمثل في رغبة بعض رجال الدين ومحالفيهم من المواطنين المتزمتين دينيا ومذهبيا في فرض الوصاية الدينية علي المجال العام والحياة السياسية والصحفية والإعلامية‏,‏ وعلي الفنون والآداب جميعا‏.‏ إنها محاولة للاستيلاء الرمزي علي السلطات جميعا‏,‏ وإرهاب الجماعة الثقافية المصرية بكل مكوناتها‏.‏ إن ما حدث أخيرا من تقديم شكاوي إلي المستشار النائب العام تطالبه بتحريك دعوي الحسبة ضد الكاتب البارز أسامة أنور عكاشة وتفريقه عن زوجته‏,‏ لمجرد إبدائه الرأي في شخصية إسلامية تاريخية هي عمرو بن العاص‏,‏ واعتباره معصوما من النقد التاريخي في أرائه‏,‏ وأفعاله والوقائع التاريخية والسياسية التي كان طرفا فيها‏!‏ هذا الاتجاه بات خطرا علي مستقبل الإبداع وحريات الرأي والتعبير‏,‏ والبحث العلمي والأكاديمي‏.‏
إن خطورة ما حدث سابقا في حالات عديدة‏,‏ وما يحدث الآن‏,‏ تتمثل في تحالف بعض رجال الدين المتشددين‏,‏ وبعض المتزمتين من عامة الجمهور‏,‏ أو بعض المحامين‏,‏ وذلك لفرض ولاية‏,‏ وسلطة مرجعية علي العقل العام‏,‏ وهي سلطة معيارية يحاولون بها فرض أرائهم وتأويلاتهم للتاريخ الإسلامي علي المفكرين والمثقفين والمبدعين ورجال السياسة‏!‏ والسؤال من فوض هؤلاء لأداء وظائف الحسبة علي الإنتاج الثقافي والأكاديمي والفني؟‏!‏
هل يعرف هؤلاء جميعا ـ والعناصر السلطوية المتواطئة والمتحالفة معهم ـ أن الإسلام العظيم لا ينص علي وجود طبقة رجال دين التي عرفتها الأديان الأخري‏,‏ ولا يجعل هناك أوصياء أو وكلاء أو نواب عن السماء‏,‏ أو وسطاء بين رب العزة جل جلاله‏,‏ وبين المسلمين‏,‏ فالصلة بين المسلم وربه ـ سبحانه وتعالي ـ مباشرة‏.‏ أن هؤلاء الذين يفرضون وصاية علي قراءات التاريخ الإسلامي‏,‏ يحاولون فرض رؤاهم علي وقائعه وشخوصه وصراعاته ومصالحه‏.‏
إنها محاولة لتجميد العقل المسلم‏,‏ وإضفاء القداسة علي بعض قراءاته‏,‏ إنها محاولة لجعل الماضي هو مستقبل المسلمين والمصريين‏,‏ إنها رؤية ماضوية‏,‏ تحاول أن تجعل الحياة‏,‏ وكأنها صنعت في الماضي‏,‏ ومن ثم لابد من إعادة إنتاج الماضي لكي تكون الحياة‏,‏ حياة‏!‏ إن الحياة لا يعاد صنعها كما يقول آرتو‏,‏ وإنما الحياة لكي تخلق باستمرار كما يقول أدونيس‏.(‏ الحياة‏,‏ مدارات‏,‏ ص‏20‏ في‏4/11/2004).‏ إن هؤلاء جميعا يحاولون إبعاد الأمة عن التصدي للمشكلات الحقيقية التي تواجهها البلاد في هذه اللحظة الحرجة‏.‏ وهي لحظة لا تخلو من تواطؤ مع عناصر في السلطة ومراكز القوي الجديدة في المجتمع‏.‏ من هنا تقديم شكاوي إلي النائب العام ضد كاتب كبير‏,‏ وضرب الزميل عبد الحليم قنديل والاعتداء عليه بالسب والقذف‏,‏ هي مؤشر قد يؤدي إلي تواطؤ يرمي إلي صرف الكتاب والمثقفين عن التصدي للقضايا الأساسية التي تواجه الدولة والأمة‏,‏ خاصة ضرورة إجراء إصلاحات سياسية شاملة‏,‏ تؤسس علي دستور جديد‏,‏ وجمهورية برلمانية‏,‏ وترفض توريث السلطة السياسية في إطار قيم الجمهورية‏,‏ من هنا تطرح وقائع رفع الشكاوي بهدف تحريك دعاوي الحسبة‏,‏ وضرب رئيس تحرير جريدة العربي‏,‏ إلي محاولة إحداث بلبلة وارتباك داخل صفوف القوي الديمقراطية في الحياة الصحفية والثقافية المصرية‏,‏ كي تنشغل بدعاوي الحسبة‏,‏ والخطاب التكفيري الذي يرفع لواءه‏,‏ وأطروحاته بعض عوام المصريين‏,‏ أو رجال الدين ـ مسلمين وأقباط ـ والذي يرمي إلي إشاعة الخوف والرعب في ضمائر وأرواح المثقفين والباحثين‏,‏ كي يبتعدوا عن تناول الظواهر التاريخية‏,‏ وأصول البحث في العلوم الاجتماعية‏.‏ إن ظاهرة دعاوي التكفير‏,‏ وضرب الكتاب والاعتداء عليهم من مجهول ستتزايد إذا لم نتصد لها جميعا دفاعا عن شرف الكلمة الموضوعية الحرة‏,‏ وعن ضرورة الإصلاح السياسي والاجتماعي وعن عملهم الجسور والوطني والإنساني في هذه اللحظة الحرجة في تاريخ تطورنا السياسي‏.‏ هؤلاء جميعا لم نشهدهم في معارك حرية الرأي والتعبير والإبداع‏,‏ ولا في قضايا التصدي للفساد السياسي والاجتماعي قط‏,‏ ولم نسمع لهم رأيا أو حسا في الاستيلاء علي المال العام المصرفي‏,‏ ونهب أموال البنوك‏,‏ ولا في ظواهر الخلل في البنية السياسية‏,‏ ولا في مسائل إصلاح نظام التعليم المتخلف‏!‏ أين هؤلاء جميعا من قضايا إصلاح الصحافة والإذاعة والتليفزيون والفشل الكبير الذي تعاني منه هذه المؤسسات جميعا؟
هناك تحالف لا تخطئه عين المراقب بين صناع الاستبداد والفساد السياسي‏,‏ وحزب التكفير‏,‏ وبلطجية ضرب المثقفين الوطنيين المستقلين‏.‏ أين حزب التكفير والبلطجة ـ خارج القانون ـ في مواجهة ظواهر الرشوة واختلاس المال العام‏,‏ والسرقات‏,‏ ولكنه حلف النهايات‏,‏ وسينهزم قريبا‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا