قبل نحو سبعة عشر عاما كتبت في الراية تحت زاوية شخصيات تصنع الأحداث عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مستعيرا كلمات المؤرخ العالمي الشهير أرنولد توينبي التي قال فيها:إن التحدي هو الذي يخلق رجل الأحداث, وأن القادة لا يزدهرون في أسهل الظروف وإنما علي العكس يزدهرون في أكثر الظروف تحديا لهم. وكلما زاد التحدي كلما تنامت عظمة الزعيم, فالانتصار علي الصعاب والعقبات هو الذي يؤهل الرجال للزعامة, ذلك أن الشعوب تعجب بالأعمال قبل الرجال, وإذا أعجبت الشعوب بالأعمال فإنها تهب الرجال الثقة والقدرة علي القيادة.* بابكر عيسيوزايد الخير الذي بكاه أبناء شعبه وأهل الخليج بذات الحرارة التي بكاه بها أبناء الأمتين العربية والإسلامية كان من ذلك الطراز من الرجال الذين تصنعهم التحديات, فقد أثبت طيلة مسيرة امتدت إلي أكثر من ثلاثة وثلاثين عاما أنه يملك إلي جانب رحابة الصدر عمق البصيرة التي تشربها من الصحراء الممتدة في عمق التاريخ والمزروعة بالقيم النبيلة ومرتكزات الموروث الحضاري الممتد منذ صدر الإسلام. ويكفي زايد الذي غيبه الموت بعد مسيرة حافلة بالعطاء فخرا أنه كان وراء أنجح تجربة عربية وحدوية هي تجربة اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة التي صمدت في الزمن العربي المعجون بالهزيمة والمنخور بسوس التجزئة وفتات التفرق ورياح الشتات. فكان ميلاد الاتحاد بشارة خير لكل الوحدويين العرب. ونحن نتساءل دوما: هل كانت مصادفة أن يعلن ميلاد مجلس التعاون لدول الخليج العربية في25 مايو1981 وبعد عشر سنوات من ميلاد الدولة الاتحادية وتحت رئاسة الشيخ زايد, أم أنه مجرد توافق تاريخي نادر الحدوث؟ لقد تمني الشيخ زايد في كلمته المرتجلة في الجلسة الافتتاحية أن يكون هذا المجلس فاتحة خير وبركة علي دول المنطقة والأمة العربية والإسلامية وأن يسهم في إثراء مسيرة العمل العربي المشترك واسترداد الحقوق السليبة, ولقد طافت أيادي زايد البيضاء ربوع الوطن العربي علي اتساعه حيث بني المدن وشيد المدارس وحفر الآبار وأقام المستشفيات وجعل البسمة تعلو الوجوه التي أرهقها التعب والهوان, فالرجل تعلم الشهامة من البادية والصبر من الصحراء ونبيل القيم ورائعها من محيط مليء بالرجال الرائعين الذين سيذكرهم التاريخ. إن كان زايد بفطرته مؤهلا للقيادة عندما كان وسط شيوخ آل نهيان في السادس من أغسطس عام1966 فقد روي هذه الفطرة وسقاها بقدرته وإمكاناته وملكاته الذهنية والنفسية فكان الوالد والقائد وكان الخير والعطاء. رحم الله الشيخ زايد رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته, وقد صدق حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدي عندما وصفه بأنه أبرز القادة وخيرة الرجال ونسأل الله ضارعين أن يرحمه ويرحم موتانا وموتي المسلمين*