399‏السنة 123-العدد2004نوفمبر13‏30رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

استثمارات الحرب في البيت الأبيض

مدافع الخوف في واشنطن

خالد صلاح


هل يعيش العالم أربع سنوات أخري من الحرب بعد فوز الرئيس الأمريكي جورج بوش بولاية ثانية في البيت الأبيض؟
وهل يصبح هذا الفارق التاريخي في أعداد المصوتين لبوش ضد منافسه الديمقراطي المهزوم جون كيري بمثابة التصويت لمزيد من الصراعات العسكرية في كل بقعة في العالم؟الصورة تبدو علي هذا النحو‏,‏ والإجابة لا تحمل علي التفاؤل فالأجندة الانتخابية التي قضي بها بوش علي منافسه لم تكن تحمل سوي شعار واحد هو التصويت للخوف ففي الاستطلاع الذي أجرته محطة سكاي نيوز الأمريكية خلال يوم الثلاثاء الثاني من نوفمبر وأثناء عمليات الاقتراع كشف بوضوح أن الخوف كان المرشح الأول في الانتخابات الرئاسية‏,‏ وكان الخوف أيضا هو المحرك الرئيسي لمشاعر الملايين من الأمريكيين الذين قالوا نعم لولاية جديدة لجورج بوش‏,‏ وقال الاستطلاع إن‏%85‏ من الذين صوتوا للرئيس الجمهوري قالوا إن ما دفعهم لذلك هو الخوف من الإرهاب‏,‏ وإحساسهم بأن الرئيس بوش يمتلك من القوة والإرادة علي هزيمة هؤلاء الإرهابيين وإبقاء الخطر بعيدا عن أراضي الولايات المتحدة الأمريكية‏.‏
واللافت كذلك أن‏%46‏ من الذين صوتوا للمرشح الديمقراطي جون كيري قالوا إن الخوف أيضا كان دافعهم إلي التصويت‏,‏ لكن هؤلاء أشاروا إلي أنهم يخافون من أن تؤدي السياسات العسكرية التي تنتهجها الولايات المتحدة إلي المزيد من الصراعات والتفجيرات وأعربوا عن فقدان الثقة في قدرة الأجهزة الأمريكية لهذه الإدارة كما في حماية أمن الولايات المتحدة أو منع الإرهابيين من حصد أرواح الأمريكيين في أي بقعة علي خريطة العالم‏.‏
الخوف إذن هو بطل هذه الانتخابات‏,‏ والصورة علي هذه الصياغة تدفع خبيرا عربيا يقيم في الولايات المتحدة هو د‏.‏ منذر سليمان ـ إلي إطلاق أجراس الخطر خوفا علي المجتمع الأمريكي وخوفا عن حالة الأمن في العالم متوقعا أربع سنوات أخري من العنف تحت القيادة الجمهورية للولايات المتحدة‏.‏ وإذا كان الخوف بشكل عام قد يشكل علامة علي اليقظة في المجتمعات‏,‏ أو قد يشجع علي المراجعة الفكرية لمنهج السلطة فإنه في الحالة الأمريكية ومن وجهة نظر صبحي غندور ـ رئيس مركز حوار في الولايات المتحدة الأمريكية ـ يمثل شأنا سلبيا والأسباب علي ذلك عديدة وأهمها‏:‏ ـ لايزال الأمريكيون خائفين من عدو يجهلونه فهم لا يعرفون إلي اليوم هل العدو هو الأصولية الإسلامية المتطرفة أم الإسلام نفسه‏,‏ أم المدارس الدينية الإسلامية في بعض البلدان أم العرب جميعا مسلمين ومسيحيين‏,‏ فرؤية العدو لاتزال غامضة وغير مستقرة وتتلون حسب درجة تطرف الأمريكيين أنفسهم وسحب تفسير الجماعات والقوي المختلفة انطلاقا من نظرتها للعالم‏.‏
الخوف الذي يسيطر علي الإدارة كثف حالة الخلط بين المقاومة الوطنية المشروعة وبين الإرهاب الأمر الذي يعمق الفجوة بين الولايات المتحدة والعالم العربي فيما يتعلق بالوضع الفلسطيني وهو الأمر الذي يضاعف من تشويه صورة أمريكا في العالم العربي‏,‏ ويؤدي إلي تعظيم مشاعر الغضب والكراهية للسياسة الأمريكية في المنطقة‏,‏ وهو ما يخلق بدوره بيئة مساعدة علي تنشيط جماعات الإرهاب مستثمرة حالة الغضب والانتقام في عمليات تجنيد لعناصر جديدة‏.‏ ـ حالة الخوف تحالفت كذلك مع المصالح المباشرة لبارونات المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة الذين يضمنون أرباحا طائلة من وراء المزيد من الهجمات إلي جانب نشأة اقتصاد جديد يتمثل في شركات الأمن الخاصة الداخلية والعالمية والتي يترأسها جنرالات سابقون في الجيش وتمولها شركات كبري‏,‏ وقد صارت هذه الشركات جماعة ضغط أخري إضافية تساهم في تعزيز أجواء الخوف والتربص لتحقيق المزيد من الأرباح‏.‏
حالة الخوف التي فاز من خلالها بوش أدت أيضا إلي تعميق حالة الانقسام داخل المجتمع الأمريكي وأدت إلي إظهار خطوط التقسيم الدينية والطائفية في المجتمع بصورة ساخرة الأمر الذي كسر روح العلمانية التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة وشكل نبراسا للبلدان الديمقراطية وبدا الحديث عن الدين والاستقطاب الديني والطائفي ملفا عاديا وراسخا في المجتمع وهو ما ينذر بتعميق حالة الاستقطاب الداخلي بصورة خطيرة‏.‏
هذا ما صنعه الخوف‏,‏ أو ما يمكن رصده من ظلال هذا الخوف داخل المجتمع الأمريكي حتي اليوم‏,‏ووفق تلك النتيحة فإن التوقعات بشأن سلوك إدارة بوش في الفترة المقبلة تثير مخاوف أقاليم عديدة في العالم وعلي رأسها الشرق الأوسط وحسب توقعات الأمريكيين أنفسهم والكوادر الفكرية للحزب الديمقراطي التي خاضت المواجهة ضد بوش في الانتخابات الرئاسية الماضية فإن صور العنف والمواجهات العسكرية قد تتسع‏,‏ كما أن السياسات العسكرية قد تلقي بظلالها علي بلدان أخري في العالم‏,‏ ويتوقع هؤلاء الخبراء عدة تطورات أهمها‏:1‏ ـ الإفراط في العنف لوقف العمليات المسلحة في العراق والانطلاق من الفلوجة التي تشكل من وجهة نظر البيت الأبيض بؤرة للإرهاب ومركزا لعمل جماعة الزرقاوي‏,‏ ولعل الاستعدادات التي كانت تجري خلال فترة الانتخابات تكشف هذا التوجه حيث حشدت واشنطن أعدادا هائلة من الجنود لمحاصرة الفلوجة وبدأت عملية الإعداد لاجتياح شامل للمدينة وسط تقارير إعلامية أمريكية تشير إلي وجود ما بين ألفين وخمسة آلاف مقاتل علي أراضيها‏.2‏ ـ إلي جانب الإفراط في العنف داخل العراق فإن بوش قد يتجه أيضا إلي توسيع دائرة العنف لتطال بلدانا أخري‏,‏ ومن الملفات المرشحة لكي تخرج إلي النور في هذا الإطار هو الملف السوري الذي يشهد توافقا أوروبيا أمريكيا بعد موقف فرنسا من الوجود السوري في لبنان والهجمة المشتركة التي استهدفت سوريا خلال عملية التمديد للرئيس إميل لحود‏.3‏ ـ من غير المتوقع أن يمتد العنف إلي إيران غير أن الضغوط السياسية قد تتواصل علي طهران وسط توقعات بتدخل أمريكي مباشر في الأوضاع السياسية الداخلية في إيران خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة‏.4‏ ـ استمرار الضغوط علي السودان فيما يتعلق بملفين‏,‏ الأول هو تنفيذ الاتفاق مع الجبهة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون جارانج‏,‏ والثاني يرتبط بمساندة المتمردين في دارفور لحين الوصول إلي اتفاق علي غرار ما تم التوصل إليه مع الجبهة الشعبية في الجنوب‏.‏
‏5‏ـ لا يتوقع الخبراء الأمريكيون الديمقراطيون تحريك الملف الفلسطيني بصورة فاعلة خلال الولاية الثانية لبوش‏,‏ رغم التفاؤل الذي يبديه السياسيون العرب بهذا الشأن‏,‏ والراجح أن يتمسك جورج بوش بخطه الثابت فيما يتعلق بضرورة تنفيذ الفلسطينيين لالتزاماتهم الأمنية‏,‏ وقد يستمر هذا المنهج أيضا حال غياب الرئيس الفلسطيني‏,‏ وتتصور بعض الدوائر السياسية الأمريكية أن الأمر قد يزداد تعقيدا حال غياب أبو عمار‏.‏
‏6‏ـ تعتزم الولايات المتحدة في الولاية الثانية لجورج بوش تصعيد الضغوط السياسية والاقتصادية فيما يتعلق بتنفيذ توصيات قمة جورجيا حول مشروع الشرق الأوسط الكبير خاصة ما يتعلق بالإصلاحات السياسية والتعليمية في العالم العربي‏.‏
ولعل الاستمرار وفق هذا المنهج قد يدفع العلاقات الأمريكية العربية إلي منحنيات جديدة تفرضها ردود الفعل العربي علي هذه السياسات‏,‏ فالتصعيد ضد سوريا علي سبيل المثال سيؤدي إلي تداعيات مختلفة علي الصعيد العربي‏.‏
ويبقي الرهان الوحيد أن يجري جورج بوش وقفة نقدية‏,‏ لا وقفة تعبوية‏,‏ لتعديل مفردات المعادلة ومحاربة الخوف بقلوب لا تخاف‏*‏