399‏السنة 123-العدد2004نوفمبر13‏30رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

د‏.‏ أسامة الباز يقدم رؤية موضوعية‏:‏

مستقبل التعاون الخليجي بعد رحيل شيخ العرب

أجري الحديث ـ عادل أبوطالب


لم تكن تجربة الوحدة التي تحققت في دولة الإمارات العربية المتحدة في عهد الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان‏,‏ حالة فريدة فحسب في محيطها الإقليمي‏,‏ بل كانت نموذجا تبرهن دراسته علي نمط فريد من الثقافة السياسية‏,‏ نبت في بيئه خليجية وارتبط بها ارتباطا وثيقا لينم عن رؤية تجذرت في فكر زايد وأصلت لها ممارساته السياسية علي سنوات حكمة‏.'‏ إن أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية‏,‏ كما هو معروف عنها عضو واحد وذات مصير واحد‏,‏ فما علينا إلا أن نتماسك وأن نصون بناءنا‏''‏ إننا نري في الوحدة التي يجب أن تقوم بين دول شعوب المنطقة أن تكون وحدة بين شعوب المنطقة‏,‏ لا بين حكامها لأن الشعوب أخلد وأبقي‏,‏ إننا نؤمن إيمانا مطلقا بأهمية الوحدة بين دول المنطقة كأساس للوحدة العربية الشاملة‏'.‏
عبارات زايد السابقة ترجمت في مضمونها معاني عدة نمت عن ثقافة سياسية لعبت فيها عوامل عدة قل أن تتكرر فقد كانت لنشأة زايد‏-‏ رحمه الله‏-‏ تأثيرها القوي علي فكرة العروبي ومواقفه القومية التي جعلت رحيله بالفعل صدمة للجميع‏.‏
يقول الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس محمد حسني مبارك‏,‏ لقد خسرت الأمة العربية شخصية عظيمة لها توجهاتها السياسية القومية التي عرف بها الزعيم الراحل طيلة حياته‏,‏ وكان قوميا بكل معني الكلمة بفطرته‏,‏ التي نشأ عليها واكتسب خلالها معاني عديدة وعظيمة‏,‏ فكان يفعل الخير في سياساته وتوجهاته بين العرب ولا أقصد الخير المادي فقط وإنما الخير الأخلاقي والمعنوي الذي يجمع العرب‏.‏
لقد كان لحضور الشيخ زايد ومنذ السابعة من عمره في مجلس والده أثرا آخر صنع شخصية الرجل الذي عايش مجالس كبار الدولة وشيوخها منذ نعومة أظفارة‏,‏ فكان يتحدث ولا يتوقف عن طرح الأسئلة والاستفسارات وحين توفي والده في العام‏1927‏ انتقل الشيخ زايد من أبوظبي إلي واحة العين‏,‏ التي قضي فيها السنوات الأولي من فجر شبابه ومن جبالها وتلالها استمد خلقه وفكره وطموحه‏.‏
كما كان لتلقيه في سنواته المبكرة تعليما دينيا دورا كبيرا أيضا حيث بدأ بحفظ القرآن الكريم وهو في الثامنة من عمره وفي العام‏1946‏ عين حاكما للمنطقة الشرقية في إمارة أبو ظبي حيث عمل طوال‏20‏ عاما علي البحث عن حلول عاجلة وحاسمة لمشاكل الناس وفي السادس من أغسطس عام‏1966‏ م تولي رحمه الله مقاليد الحكم في إمارة أبو ظبي‏.‏
ولعبت طبيعة تلك النشأة دورا كبيرا في رسم معالم الفكر السياسي لدي زايد بشكل ما فعندما يذكر مصطلح التضامن العربي‏,‏ فلابد أن يقترن باسم زايد‏,‏ فقد لعب الدور الأبرز في تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام‏1981‏ خلال قمة أبوظبي‏,‏ وفي كل خلاف عربي‏-‏ عربي كان اسم زايد كوسيط للصلح هو أول من يتردد‏,‏ لم يتوقف عن المناداة بوحدة الصف والهدف‏.‏
وعلي المستوي الثنائي‏,‏ فسوف تذكر له الكويت أنه عندما وقعت كارثة غزو العراق عام‏1990‏ كانت الإمارات في مقدمة الدول التي دعت لاحتواء الكارثة بأقل قدر من الخسائر‏,‏ فحينها قال‏'‏ إذا وقعت أي واقعة علي الكويت فنحن أعضاء المجلس الخليجي للتعاون ككل لا نجد من الوقوف معها بدا مهما حدث فهذا الشيء نعتبره فرضا علينا يمليه واقعنا وتقاربنا وأخوتنا نحن جسم واحد ما يصيب أحد أعضائه من ضرر يصيب الآخر‏'.‏
وقال أيضا إن دولة الكويت ستعود حرة كما كانت قبل الاحتلال الغاشم لأن قضية تحرير الكويت تعد موقفا مصيريا للمجتمع الدولي وتأكيدا للمبدأ الذي يقضي بحرمان المعتدي من الاستفادة من عدوانه وحرصا علي استقرار المنطقة والشرعية الدولية‏.‏
وعندما لاحت نذر الغزو الأمريكي للعراق في العام قبل الماضي‏,‏ كانت المبادرة الوحيدة التي تحمل أملا للخروج من النفق المظلم تحمل اسم‏'‏ زايد‏'.‏
كذلك موقفه إزاء إعلان العديد من زعماء الخليج مقاطعة قمة مجلس التعاون الخليجي في قطر التي كان مقررا عقدها في الدوحة منذ عدة أعوام حين اختار عدد من قادة الدول الخليجية مقاطعة القمة السنوية لمجلس التعاون الخليجي مقتفين في ذلك إثر السعودية التي قاطعت تلك القمة احتجاجا علي اللهجة الانتقادية الحادة لقناة الجزيرة القطرية الفضائية التي بثت برنامجا حواريا اعتبرته الرياض مسيئا لها‏.‏
ثم جهود الوساطة التي بذلها زايد بين السعودية وقطر بعد ذلك لتجاوز ذلك الخلاف الذي نشب بين البلدين ومساعيه التي بذلها في تلك الآونة لاستيعاب الخلاف الخليجي القطري بسبب قناه الجزيرة وإعلان الإمارات أن الشيخ مكتوم بن راشد نائب رئيس الدولة الإمارات وحاكم دبي سيرأس وفد بلاده إلي هذه القمة في وقت كان زايد بالطبع لا يحضر القمم الخليجية لظروفة الصحية‏.‏
في عهد زايد لم تدخل الإمارات طرفا في خصومة مع دولة عربية‏,‏ بل كانت طرفا فقط في كل ما هو خير للعرب والمسلمين‏,‏ كانت الموئل الذي يقصده الجميع بحثا عن المصالحة‏.‏
وهنا يقول الدكتور أسامة الباز‏'‏ لقد كا ن زايد دائما ما يلعب دورا مهمها في رأب الصدع العربي وترميم أي خلافات قد تنشأ وله في ذلك باع طويل في تقريب وجهات النظر المبنية علي أساس رؤية تلقائية وكان دائما ما يعكس في علاقاته العربية والإسلامية نظرة واقعية تقول إن الأمة العربية والإسلامية لن تستطيع أن تواجه التحديات التي تواجهها بقوة وعزيمة إلا إذا اتحدت قواها‏'.‏
وقد يكون زايد‏'‏ فارس الصحراء‏'‏ كما أطلق عليه الكثيرون ترجل عن صهوة جواده لكنة يترك تاريخا حافلا بالانتصارات والانجازات علي جميع المستويات سواء علي مستوي دولة الإمارات العربية أم علي المستوي الخليجي والعربي والدولي‏.‏
وفي هذا الصدد يقول الباز‏'‏ أنا لست قلقا علي التراث السياسي الذي خلفه الشيخ زايد لأنه رحمه الله أسس بفكره وممارساته وعيا سياسيا قويا لبلاده‏,‏ لم يكن زايد بعيدا عن الشعب الإماراتي والخليجي بصفة عامة وكان قريبا من قلوبهم لذلك فقد نجح في غرس قيم ثقافية سياسية تكرس الوحدة والتماسك بين أبناء دول الخليج ونحن مطمئنون إلي أن الطريقة السلمية التي تم بها انتقال السلطة في الإمارات سوف تجعلها قوية ومتماسكة وسيواصل قادتها مسيرة زايد في ترسيخ الوحدة الخليجية‏.‏
وعلي المستوي الخارجي‏-‏ ومازال الكلام للباز‏-‏ أنا أتوقع أن تقوم الإمارات بدور مرموق في داخل الأسرة العربية ككل ولا نخشي إطلاقا من زوال الرؤي التي أوجدها زايد في نفوس الشعب الإماراتي ككل‏*‏