399‏السنة 123-العدد2004نوفمبر13‏30رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

أبو جهاد كان الرجل المناسب للحظــة الراهنة

هكذا اغتال الموســــاد وريث السلطة

محمد جلال عناية


كانت فكرة أن يصبح أبو جهاد قائدا عاما للثورة الفلسطينية تشكل كابوسا لا يستطيع أي قائد إسرائيلي أن يحتمله‏.‏ يجب قتله‏,‏ حيث لا يوجد في الأفق وريث‏(‏ لقيادة الثورة الفلسطينية‏)‏ له ذكاء أبو جهاد وفطنته‏.‏ إلي جانب خبرته الميدانية علي امتداد ثلاث وعشرين سنة‏.‏كان هذا تعليق الكابتن نيل لفنجستون ودافيد ليفي‏1990‏ م علي القرار الذي اتخذته القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية في شهر مارس‏1988,‏ باغتيال أبو جهاد‏.‏
وكان من بين من شاركوا في اتخاذ القرار‏,‏ اسحق شامير‏(‏ رئيس الوزارة في ذلك الوقت‏),‏ وكل من شمعون بيريز وزير الخارجية‏,‏ واسحق رابين وزير الحرب‏,‏ ورئيس الأركان دان شومرون ونائبه إيهود باراك رئيس العمليات‏,‏ وناجوم أدموني رئيس الموساد‏.‏
القوة العسكرية هي الوثنية الجديدة التي اعتنقها من أقاموا إسرائيل‏,‏ ومن يعملون علي استمرار تفوقها العسكري‏,‏ ولقد كان فلاديمير‏(‏ رئيف‏)‏ جابوتنسكي نبي هذه الوثنية الجديدة‏,‏ فقد رأي جابوتنسكي أنه لا يمكن إقامة وطن قومي يهودي يتجسد في دولة يهودية مستقلة وذات سيادة علي أرض فلسطين بموافقة أصحابها العرب ورأي أنه من المستحيل أن يتنازل العرب عن بلادهم عن طريق التفاوض والإقناع‏.‏ وكان أمام جابوتنسكي عقبتان هما تفوق العرب السكاني‏,‏ وموقفهم السياسي لذلك رأي جابوتنسكي أنه حتي تنجح الحركة الصهيونية في إقامة دولة يهودية لابد من اللجوء إلي العنف والإكراه‏,‏ وهذا يحتاج إلي بناء قوة عسكرية قادرة علي تحقيق هذا الإكراه‏,‏ وأطلق علي هذه القوة اسم السور الحديدي‏.‏
من الشائع أن ميراث جابوتنسكي ينحصر في مناحيم بيجين ومنظمة أركون زفائي ليؤمي‏(‏ اتسل‏)‏ قد يكون هذا صحيحا من ناحية الفرز التنظيمي فلو بقي الأمر محصورا في هذه الحدود لما كان للوثنية العسكرية الإسرائيلية كل ذلك الخطر‏,‏ ولكن الكارثة جاءت من اعتناق بن جوريون لوثنية جابوتنسكي‏,‏ فقد مارس بن جوريون وثنية جابوتنسكي وبني حزب العمل إستراتيجيته علي نظرية جابوتنسكي وطبقها في حروبه الكبري ضد العرب في الأعوام‏1948‏ و‏1956‏ و‏1967‏ ومن الشواهد أننا لم نلمس في السنوات الأخيرة ذلك التباين في ممارسة العنف بين كل من آرئيل شارون وإيهود باراك‏.‏من أبرز ما نقل عن أبو نضال‏(‏ صبري البنا‏)‏ قوله يوما‏(‏ وهو المنشق عن فتح‏)‏ بأن أبو جهاد هو أكثر من وجه ضربات إلي إسرائيل‏,‏ فلقد اكتشف أبو جهاد مبكرا أن القوة العسكرية هي السحر الإسرائيلي فانطلق خليل الوزير‏(‏ قبل أن يصبح أبو جهاد‏)‏ يعمل منفردا من خلال هذه الرؤية‏.‏ والحكاية تقول إن أحد راكبي الهجن من حرس الحدود المصريين في قطاع غزة‏,‏ كان يتجول أثناء دوريته علي ظهر هجينه‏,‏ في خمسينيات القرن الماضي‏,‏ عندما داس الهجن بخفه لغما أرضيا بدائيا فانفجر وأصاب الجمل وعندما تفحص خبراء المتفجرات المصريون بقايا اللغم‏,‏ اكتشفوا أنه بدائي ومن صنع محلي‏.‏
وكان خليل الوزير هو الذي صمم اللغم وزرعه قرب الحدود حتي إذا ما تخطت دورية إسرائيلية تلك الحدود انفجر بها اللغم‏,‏ وقد اعتقل الفتي الثائر خليل الوزير بعد التوصل إلي معلومات من الحداد اليدوي الذي نفذ تصميم اللغم‏.‏
كان أبو جهاد وطنيا نقيا‏,‏ وجنديا محترفا‏,‏ ومجتهدا مثابرا علي تطوير خبراته ودفع أعوانه للعمل‏,‏ وعندما تتولد الفكرة في ذهنه سرعان ما يسعي إلي تنفيذها وكان أبو جهاد لا يطلب المستحيل‏,‏ بل ينفذ مشروعه بما يتوافر لديه من وسائل وعندما يعرض عليه أحد مساعديه مشكلة‏,‏ فإن أبو جهاد كان يحرجه عندما يرشده إلي أنه إذا وضع يده في جيبه أو نظر بين قدميه لوجد الحل بنفسه‏.‏
ولقد تمتع أبو جهاد بالاحترام والتقدير في الدوائر الفلسطينية والعربية علي اختلاف انتماءاتها واجتهاداتها‏.‏ فقد كان يعيش حياة عادية بسيطة‏,‏ لا يدخن التبغ ولا يتناول الخمر‏.‏
في مجال العلاقات العربية‏,‏ لم يعرف له علاقات عميقة مع دول الطوق العربية تحرجه وتحد من حركته‏.‏ بل كانت علاقات أبو جهاد مع كل من ينمي القوة العسكرية من الأصدقاء البعيدين من عرب وغير عرب‏.‏ وكان أبو جهاد قارئا نهما بالعربية والإنجليزية ويتابع كل ما يصل إليه من معلومات عسكرية وسياسية عن إسرائيل بحكم مسئوليته عن الغربي الجهاز المسئول عن النضال الفلسطيني في الضفة وغزة والذي اشتهر بهذا الاسم‏.‏
تمكن أبو جهاد من كسر احتكار إسرائيل للقوة العسكرية من حيث المبدأ‏,‏ مع وضوح الفرق الهائل في توازن القوي‏.‏ ولقد حاول أبو جهاد توجيه ضربات عسكرية في حدود وسائله المحدودة عبر المنافذ البرية والبحرية التي يمكن اختراقها إلي داخل إسرائيل‏,‏ وكان بعض هذه العمليات ينجح وبعضها ينتهي باستشهاد منفذيها أو وقوعهم في الأسر‏.‏
ربما كان كسر احتكار القوة الإسرائيلي أهم الأسباب التي أدت إلي اغتيال أبو جهاد ولعل أكثر الضربات خطورة من وجهة نظر إسرائيل‏,‏ هي محاولة الاستيلاء علي وزارة الحرب الإسرائيلية في إبريل‏1985,‏ وكذلك ضرب حافلة في حادث منفصل‏,‏ علي مقربة من مفاعل ديمونة النووي‏.‏ كما تسبب تكتيك أبو جهاد بعدم استخدام السلاح في مواجهة جنود الاحتلال الإسرائيليين خلال الانتفاضة الأولي‏,‏ تسبب في هزيمة سياسية لإسرائيل في المجتمع الدولي وأمام الرأي العام العالمي عندما شاهد العالم جنودها يطلقون النار علي الأطفال الفلسطينيين الذين يرشقونهم بالحجارة والخطر الأهم من كل ذلك هو أن يصبح أبو جهاد‏,‏ يوما ما‏,‏ قائد الثورة الفلسطينية‏.‏
لم تكن الرصاصات السبعون التي اخترقت جسد خليل الوزير أبو جهاد ليلة‏15/16‏ إبريل‏1988‏ في سيدي بوسعيد في تونس هي أول ما أطلقه الإسرائيليون علي خليل الوزير من رصاص فقد كان صبيا في الثانية عشرة عندما أطلق عليه جندي إسرائيلي الرصاص في الرملة عام‏1948,‏ عندما حاول خليل تناول ربطة ملابسه قبل أن يصعد إلي الحافلة خلال ترحيله مع أهالي البلدة بعد احتلالها من قبل الإسرائيليين ولكن الرصاصات أصابت فلسطينيا آخر‏,‏ ونجا خليل الوزير من القتل في تلك الحادثة‏.‏
كان يجب أن يتم تنفيذ القرار الإسرائيلي باغتيال أبو جهاد ولم يكن من المسموح به فشل هذه العملية لذلك لم يكلف الإسرائيليون أحد الأشباح بتنفيذها بمسدس مكتوم الصوت‏.‏ فلقد تم تكليف الجنرال إيهود باراك بقيادة عملية الاغتيال‏,‏ أما فريق التنفيذ فكان يتكون من أفراد من سييريت ماتكال‏,‏ وهي وحدة عسكرية معده للقيام بالعمليات الخاصة جدا‏,‏ وتتبع رئيس الأركان مباشرة‏,‏ ولم يكن هؤلاء لوحدهم‏,‏ بل تم حشد مئات الأشخاص من مختلف التخصصات ومن جميع أسلحة الجيش‏,‏ إلي جانب فرق الموساد للقيام بجميع المهمات المتعلقة بالعملية‏.‏ وقد تم تحريك هؤلاء إلي تونس في أسطول مكون من سفن حربية صغيرة عالية التجهيز‏,‏ بالإضافة إلي غطاء جوي مكون من ثماني طائرات‏:‏ أربع ف‏16,‏ واثنتين سمتيتين‏,‏ واثنتين بوينج‏.707‏
لم تكن مهمة الإسرائيليين عملية اغتيال فرد في الظلام‏,‏ بل كانت حربا شاملة في التخطيط والتنفيذ‏.‏ فلقد قتلت إسرائيل أبو جهاد سبعين مرة حتي تغتال المستقبل الفلسطيني‏*‏