399‏السنة 123-العدد2004نوفمبر13‏30رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

آخر الحكماء المحترمين

سعد محمد


نادرا ما تجد رئيسا أو زعيما يجمع الكل علي حبه حبا حقيقيا نابعا من القلب مثلما حدث مع حكيم العرب الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان‏.‏
فوالله كانت الشوارع والمحال التجارية والبيوت حزينة وكأنها تبكي رحيل هذا الرجل الذي لا يعوض‏,‏ وبات واضحا أن قيمة هذا الإنسان وعظمته جعلت من الصعب تقبل فكرة موته‏.‏
كثيرة هي الألقاب التي اكتسبها الشيخ زايد رحمه الله في حياته لكن أدق وصف أطلق عليه هو حكيم العرب‏.‏
فالإنجازات الداخلية التي حققها لشعبه لم تكن تجعله ينسي انتماءه للعروبة والإسلام وأن انتماءه للعروبة والإسلام لم يكن علي حساب علاقته بالدول الغربية عموما و بالقوي العظمي علي وجه الخصوص‏.‏
فإذا مشيت في أي شارع في أي من الإمارات السبع التي تشكل في مجموعها دولة الإمارات لا بد أن تجد أثرا لزايد هنا أو هناك فالصحراء حولها إلي جنة خضراء والبنايات الشامخة تجدها في كل مكان ومواكبة العصر تستطيع أن تلمسها في كل بقعة بالدولة كما لا تلمسها في دولة أخري‏.‏
الإنجازات التي تحققت في عهده يصعب أن تحصرها فلم يكن الرجل من هواة صناعة التاريخ لنفسه ويعدد إنجازاته للأجيال القادمة ولكنه كان مشغولا بما هو أكبر من ذلك‏..‏ كان مشغولا ببناء الإنسان وتحقيق الرفاهية له‏.‏
فلو تحدثنا عن إنجازات التعليم والصحة والأمن والأمان التي تحققت في عهده سنجدها تفوق مثيلاتها في بعض الدول المتقدمة واستطاع أن يجعل من المواطن الإماراتي صاحب الدخل الأعلي علي مستوي العالم‏.‏
أما الوافدون الذين يعيشون علي أرض الإمارات فجميعهم بلا استثناء يكنون لهذا الرجل حبا جما لعدة أسباب لعل أهمها أنهم كانوا ينعمون في عهده بأمن وأمان لا يحلمولان بهما في بلادهم‏.‏
ولم يفرق الرجل بين مواطن ووافد عند الوقوف أمام العدالة فالكل كانوا سواسية‏..‏
هل كان يستطيع إماراتي مهما علا شأنه أن يظلم موظفا وافدا عنده ولا يعطيه مستحقاته كان ذلك من المستحيلات في عهد زايد رغم أن ذلك كان مألوفا في كثير من الدول ويا ويله من يفتح فمه‏.‏
وأتذكر قبل سنوات عديدة عندما وطأت قدماي أرض الإمارات وكنت أعمل في إحدي الصحف لم أكمل عاما واحدا بسبب عدم حصولي علي راتبي لعدة أشهر فقررت أن ألجأ إلي القضاء فحذرني الكثيرون بسبب أن رئيس التحرير الذي سأقاضيه شقيق وزير العدل الذي يختار القضاة وهو الذي يقوم بتعيينهم وإنهاء خدماتهم أيضا لكن ذلك لم يزدني إلا تصميما علي المضي قدما في رفع الدعوي القضائية‏..‏ فماذا كانت النتيجة؟ حصلت علي كل مستحقاتي كاملة بالطريقة التي حددتها وفي الوقت الذي اخترته ولم تمض عدة أسابيع حتي أقيل وزير العدل في تعديل وزاري لم يشمل أحدا غيره يمكن ليقل لي أحد أين يمكن أن يحدث ذلك في أي بلد عربي أو حتي غير عربي طبعا لو تجرأ أحد وفعل ذلك في بلد عربي‏..‏ كلنا يعرف ماذا سيحدث له‏.‏
لم أكن مجرد حالة ولكنها كانت القاعدة التي يسير عليها الجميع في عهد زايد ولهذا السبب فوجئ الجميع وفي ذهول بامتلاء المساجد عن آخرها عصر يوم تشييع الجنازة لإقامة صلاة الغائب علي روحه الطاهرة حتي أن جميع المساجد في الإمارات في ذلك الوقت أكثر ازدحاما من صلاة الجمعة‏..‏ متي حدث ذلك من قبل؟ المذهل في هذا الموضوع أن ذلك حدث دون اتفاق مسبق أو ترتيب أو تنسيق‏..‏ بل علي العكس فقد ناشدت وزارة الأوقاف الجميع بأن يتوجه كل واحد إلي أقرب مسجد له منعا لازدحام الشوارع بالسيارات أو تكدس بعض المساجد بالمصلين‏.‏
والله لو كان رئيس دولتي هو الذي مات‏..‏ ما حزنت عليه كل هذا الحزن‏!‏
كان الجميع يتبادلون التعازي وكأن كل واحد منهم مات أبوه‏..‏ لقد حدث ذلك بالفعل‏..‏ كانت الأحزان حقيقية‏..‏ والدموع حقيقية وليست رياء أو نفاقا‏.‏
وإذا تجولنا في كل بلد عربي من المغرب إلي اليمن إلي سوريا ومصر والسودان وغيرها ستجد مدن زايد عامرة هنا وهناك فإن لم تجد مدينة زايد‏..‏ ستجد سد زايد أو مسجد زايد‏..‏ المهم أنك ستجد زايد دائما هناك‏.‏
ومواقف زايد العربية ليست خافية علي أحد منها وقفته الشهيرة خلال حرب أكتوبر حينما اتخذ قرارا بقطع النفط عن الدول التي تساعد إسرائيل وقال قولته الشهيرة‏:‏ إن النفط العربي ليس بأغلي من الدم العربي‏.‏
وهنا العديد من المواقف العربية لهذا الرجل منها أيضا وقفته الشهيرة مع مصر وإنهاء المقاطعة العربية وعودة الجامعة العربية إلي القاهرة إلي جانب عطائه الذي كان بلا حدود وكرمه الزائد علي الحد ومساعداته التي كانت لا تنتهي‏.‏
وهذا الكرم والسخاء لم يكن أبدا علي حساب رفاهية أبناء شعبه مثلما يفعل غيره من الرؤساء الذين ينفقون عرق شعوبهم علي مساعدات غير مفهومة أو مبررة و شعوبهم أحوج ما تكون إليها‏.‏
ومواقفه في المصالحات العربية كثيرة ومتعددة خاصة في المنازعات الحدودية كما كانت له مبادرة لو تم تنفيذها لربما تجنبنا ما حدث ويحدث في العراق وهي مبارة استضافة صدام حسين في الإمارات ولكن أيد خفية لم تشأ أن تري هذه المبادرة النور‏.‏
ورغم كل هذه المواقف العربية النبيلة والأصيلة إلا أنها لم تكن علي حساب علاقته بالولايات المتحدة أو القوي العالمية الأخري‏.‏
لقد استطاع زايد أن يحقق المعادلة الصعبة أن يحقق لشعبه الرفاهية وينحاز إلي قضايا أمته دون أن يخسر العالم‏.‏
كان عطاؤه وسخاؤه بلا حدود وكان ذلك واضحا علي الجميع مواطنين ووافدين وعندما تقرر تعطيل المصالح الحكومية لمدة ثمانية أيام حدادا علي فقيد الوطن وكان قد تقرر قبلها عطلة عيد الفطر تسعة أيام ليكون المجموع‏17‏ يوما كان لسان حال الجميع يقول‏:‏ كان كريما في حياته‏..‏ وكريما بعد وفاته‏.‏
لقد كان زايد مثالا للقائد والزعيم صاحب المواقف التي لا تنسي وكان يحظي باحترام الجميع في الداخل والخارج‏..‏ فكان بحق آخر الحكماء المحترمين‏.‏