
|
أول الكلام عرفات الرمز والرئيس والأسطورة.. فمن خليفته؟ |
 | |
أسامة سرايا
أصبح للفلسطينيين رمز يجسد كفاحهم, ذلكم هو عرفات, الذي يراوح مكانه بين الرمز والأسطورة والرئيس, حتي إن هذه الأوصاف الثلاثة قيدت حركته, فهو لا يستطيع الفكاك من الرجل الذي يلهب الخيال, فهو الزعيم, الذي يثير الشعب ويجمع الفلسطينيين الموزعين شتي, بين تيارات تقليدية ما بين عشيرة وقبيلة وأبناء منطقة, وفلسطيني سوريا, والعراق والأردن, ولبنان وتونس, والخليج, أو في المشترك الذي يجمع الفلسطينيين وهو مصر, ولذلك وصف الكثيرون عرفات بأنه صاحب الهوي المصري.لأن الرجل كان يعرف أن مصر هي الحاضنة للقضية الفلسطينية.. فالمصريون لم ولن يلعبوا بقضية العرب الكبري, قضية فلسطين, وذلك لأسباب موضوعية, أولها أن الهم الأكبر لهم هو انتصار الشعب بقيام الدولة, ولا مصلحة غير ذلك, وعرفات الزعيم والرئيس والأسطورة, وضع قضية الفلسطينيين علي الخريطة الإقليمية والعالمية, فهو زعيم ورئيس وأسطورة بالفعل جعل للقضية الفلسطينية ماضيا. ولكنها اليوم في حاجة إلي مستقبل.. فالفلسطينيون لن يكتفوا بالرمز والأسطورة الرئيس عرفات, ولكنهم يتطلعون إلي شخصية جديدة تتجاوز إثارة المشاعر, وتكون قادرة علي اتخاذ القرارات الصعبة, فالزعيم الذي صنع الماضي وشكل الأسطورة, وجمع الأمة, أصبح غير قادر علي اتخاذ قرار قد يرضي البعض, وقد يغضب الكثيرين, لأن قضية الفلسطينيين معقدة, وصعبة ومتشابكة ودقيقة, وموغلة في الدين والتاريخ, ومتضاربة مع الجغرافيا وحقائق السياسة. والفلسطينيون يشعرون اليوم بالفراغ والخوف, فلن يستطيع قائد أو خليفة أن يحل مكان عرفات, فهذا الفراغ الموحش ناتج من أن الإمكانات والزمن والظروف جميعا لن تسعف الخليفة المنتظر, فما الحل؟ أعتقد أن الحل سيأتي بالحوار الحر والخلاق بين الفصائل الفلسطينية كلها, وليس داخل فتح, فصيل عرفات وحده, فالقائد الذي يكاد يغيب اليوم, بدأ من فتح ثم كبر عليها, وأصبح أبا لكل الفلسطينيين, وكل الفصائل تعرف ذلك, كما يعرفه عدو عرفات قبل صديقه, فلكي تتم المحافظة علي الاستقرار وملء الفراغ, يجب أن يتفق الجميع علي تجنب الصراع, ليؤمنوا مستقبل بلدهم المرتقب, وشعبهم الذي يعاني, تحت قيادة جماعية مؤقتة. لكن المشكلة في مثل هذا النوع من الحلول أو الترتيبات, أنها تملأ فراغ القيادة, ولكنها لا تحل محلها, ولا توفر أي شرعية لاتخاذ قرارات صعبة, تهم الجميع وتبني المستقبل للدولة, حتي لا تعيش علي الماضي, أو تستمر الأسطورة فتضيع الحقيقة ويغيب المستقبل. الظروف صعبة, والكل يتصور أنه صاحب المستقبل وحده, فكيف يمكن لقيادة قائمة علي التفاهم غير المعلن أن تدير المسئوليات الفلسطينية؟ وكيف تقدر معني الانسحاب من غزة؟ وكيف لها أن تكون مفوضة بوقف إطلاق نار حقيقي بحيث يمكن أن يلجم إسرائيل, ويفرض عليها الانسحاب في جو هاديء؟ قد تتردد حماس أو تخاف, من مسايرة أي قرار يضع حدا للعنف ويتجه إلي الاعتراف بإسرائيل مع قيام دولة فلسطينية علي الضفة والقطاع, وباحترام إسرائيل لقدسية القدس الشرقية للعرب المسلمين, وتعترف بسيادتهم عليها. كل ذلك التخوف حقيقي, فالمستقبل غير مضمون لا فلسطينيا, ولا إسرائيليا, في ظل سيطرة العنف وتسليم القرارات للمتطرفين علي الجانبين, فالبعض يعيش أسيرا للخوف, والكثيرون يعيشون في زمن الأساطير وتحكمهم الكتب المقدسة والتاريخ غير المتحقق واقعيا. ولكن إذا ظهرت قيادة منتخبة من قلب الشعب, فقد تكون هناك فرصة.. لنختبر أنفسنا. فلندرك أن الانتخابات هي المفتاح, بل هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يفوز بها أي خليفة لعرفات بشرعية وسلطة طويلة المدي؟ ولماذا لا نختبر أنفسنا جميعا في منطقة الشرق الأوسط, بانتخابات فلسطينية تفرز الرئيس القادر علي اتخاذ القرارات المصيرية والصعبة للأمة ككل؟ وهو اختبار للشعب وللسياسيين تحديدا, وللعالم أجمع, ليري هل نحن قادرون علي اختيار قيادة لإدارة صراع سياسي, يبني دولة ولا يهدمها, أم نحن غير قادرين ولا نستطيع أن نعيش إلا في ظل الرئيس الرمز والأسطورة, الذي قد يكون له ماض, ولكن ليس لنا وله مستقبل, أو في ظل قيادات احتلال تمارس القمع والعدوانية وضرب الفصائل وإلغاء الشرعية وفتح المخيمات والمجازر للشعب, وهل نحن قادرون علي إفراز قيادة قادرة علي احترام الواقع بكل براجماتيته وصعوبته لقيادة الشعب والتعبير بما تحت يدينا من إمكانات حتي لو كانت محدودة, لبناء دولة لها مستقبل يتطور بقدرة شعبها وقياداتها علي البناء لا الهدم, وعلي العيش وليس الانتحار, وعلي التطور وليس كما نحن محلك سر؟ دعونا نأمل بأننا قادرون علي أن نوظف التنوع الفكري والسياسي والديني والأيديولوجي في نسيج دولة واحدة, فنحن قادرون علي إفراز نخب وقيادات تؤمن بأن القيادة عطاء, وليس أخذا, قيادات نزيهة وقوية تقف ضد التراجع والخوف, وتعمل بكفاءة واقتدار, وتغير الواقع بإرادتها وقدرتها علي القراءة السياسية الواعية والتبصر والتجرد والشفافية. قيادة قادرة علي منافسة إسرائيل ساسيا واقتصاديا واجتماعيا وديمقراطيا ومؤسساتيا ببناء خلاق, يهزم الفقر وينقل الفلسطينيين من المجتمعات العشوائية إلي مدن حديثة, فنري فلسطينيين يعملون وينتجون وينافسون إسرائيل في إنتاج التكنولوجيا, ويزاحمونها في كل أسواق العالم. أعتقد أننا قادرون علي أن نبني الشرق الأوسط المتطور والحديث اقتصاديا وديمقراطيا من قلب الأزمة أو الكارثة, من فلسطين الأمل والعمل والتغيير والثورة البناءة.. والله الموفق.
|
|
|
|
 |
|
للرد على المقال أضغط هنا
|
 |
|
|