399‏السنة 123-العدد2004نوفمبر13‏30رمضان 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

البهاء حسين يري أن الكثير من النصوص الجديدة تافه‏:‏

قصائدنا تشبه التزحلق علي الجليد

أجري الحديث ـ مصطفي عبادة
تصوير‏-‏ موسي محمود


حتي وقت قريب‏,‏ لم يكن البهاء حسين مقتنعا بقصيدة النثر‏,‏ وكان‏ أنت قلت أن الحوار حول قصيدة النثر ثنائي‏,‏ ذميم‏,‏ ضد أو مع‏..‏ ألهذا لم تشارك في هذا الجدل؟
أي حوار‏,‏ حتي لا يكون حوار طرشان ينبغي أن يقوم علي احترام الاختلاف واحترام النيات‏,‏ لكن الحاصل أن أغلب الكتابات والحوارات التي تناقش قصيدة النثر متوترة‏,‏ تطلق فيها الاتهامات دون وجهة‏,‏ والنتيجة هي غياب الهدف في غربة التراشق المفتوح‏,‏ والنفي يمارسه الجميع ضد الجميع‏.‏
في مثل هذه الأجواء‏,‏ فإنني أفضل كتابة القصيدة أو الصمت أو الدعاء علي المجلس الأعلي للثقافة الذي لم يكلف خاطره ـ إلي الآن ـ ويخصص واحدا من المؤتمرات الكثيرة التي يعقدها لمناقشة هذه القضية‏,‏ ودعوة أطرافها إلي كلمة سواء‏.‏
‏**‏ مع ذلك أنت مسئول عن توضيح مرجعية اختيارك‏..‏ وعيك بما تكتب بين القصدية والعفوية؟
تعرف أنه لا يوجد اختيار بريء‏.‏ وأنا بهذا الصمت ـ عن عمد ـ أتجاهل غبار المعارك التي يجد فيها كثيرون من عديمي الموهبة فرصة للوجود بالقوة لا بالضرورة‏,‏ تحت زعم الدفاع عن المشروع‏.‏ اختياري أن أكرس وقتي لما يبقي‏..‏ للكتابة‏,‏ لاعتقادي بأن دور الشاعر ينتهي بانتهاء القصيدة‏,‏ أما مهمة الحكم فأتركها للزمن‏.‏ هذه المحكمة من الصعب أن تخطيء‏.‏
‏**‏ كنت متعصبا للقصيدة العمودية وهجرتها مباشرة إلي قصيدة النثر‏,‏ هل تتذكر تلك اللحظة‏,‏ ما ملابساتها‏..‏ كيف تم هذا الانتزاع؟
سؤالك يعود بي إلي مرحلة صعبة في حياتي‏.‏ كنت متعصبا فيها أكثر من اللازم‏,‏ هذه هي طبيعة المراهقة‏,‏ كنت قلقا ولي طموحات صعبة من بينها شهوة إصلاح العالم بالقصيدة‏,‏ ولكن علي طريقتي‏..‏ طريقة شاب في سنة أولي جامعة يشق طريقه بقراءة المتنبي‏.‏ لم أكن أفهمه أو أفهم ألمه الممض‏,‏ لكنني كنت مصرا علي الجري وراء فتنة القول‏.‏
لقد بهرتني لغة المتنبي وموسيقاه الحادة الكتيمة‏,‏ وأخذتني قراءات أخري لتشيد بداخلي الرعشة الأولي في عالم القراءة السحري‏,‏ وتشيد الإيقاع‏,‏ أما الضرورة التي حرضتني علي كتابة القصيدة العمودية فهي ذاتها التي حولتني عنها بعد ذلك‏.‏
أذكر تعصبي الأعمي لهذه القصيدة‏.‏ لدرجة أنني لم أكن أعترف بصلاح عبدالصبور وحجازي والسياب‏..‏ هل كنت أقلد العقاد‏..‏ هذا العملاق المتطرف الذي كنت مفتونا به في تلك الفترة‏,‏ لقد شغفت بشخصه وكتابته‏,‏ وكانت آراؤه عن قصيدة التفعيلة تغذي دوافعي للرفض‏..‏ رفض الجديد الذي يقوض قناعاتي من الأساس‏.‏
أما كيف انتزعت من هذا العالم‏,‏ فلا أستطيع رصد اللحظة التي تحولت فيها‏,‏ ليس هذا سهلا‏,‏ لأن عملية التحول لا تتم علي نحو محسوس‏,‏ مؤكد أن وراءها أشياء كثيرة‏,‏ غير أن يضيق المرء بالصنعة الكاذبة‏.‏ أشياء تقوده إلي نفسه‏,‏ وإلي ألمه وظرفه التاريخي والنفسي والمجتمعي‏.‏ إلي حاضره لا إلي الماضي الذي لم يعشه‏.‏ ما الذي يقود الشاعر إلي ذلك‏.‏ هل هو القلق؟ الرغبة في أن تفقد نفسك لتجدها‏.‏ لا أعرف‏,‏ لكن قصيدة النثر ضرورة تاريخية‏,‏ إنني أحب أن أعيش واقعي‏,‏ أحب أن أتغير معه وأعبر عنه بالفن‏,‏ علي أن قصيدة النثر ليست سهلة علي الإطلاق‏,‏ إنها تشبه التزحلق علي الجليد‏..‏ سهل‏,‏ لكنه خطر‏,‏ إنها بناء ضخم وعلي الشاعر أن يقيمه بدون سقالات‏,‏ لكن من المؤسف أن الكثير من النصوص النثرية تافه وبمثابة فعل فاضح في الطريق العام‏!!‏
‏**‏ تمتزج قصيدتك بحس درامي واضح‏,‏ هل أنت واع بتأثير الفنون الأخري عليك؟
هناك أشياء‏,‏ لأنها واضحة‏,‏ نراها‏,‏ لكن مسألة الوعي بما له تأثير علي كتابتك‏,‏ مسألة ملتبسة أيضا‏.‏ لا يمكنك رؤيتها أو إدراكها بدقة‏,‏ أنا مهموم بأن تكون قصيدتي مركبة‏,‏ أتصور الشعر علي أنه رؤية الأشياء بشكل غير عادي‏,‏ إنه حالة تأمل واستبطان دائم للعالم‏,‏ النفاذ إلي جوهره الخالص والتعبير عنه في سياق مركب من التعالق أو التراسل بين عوالم شتي‏..‏ الموسيقي‏,‏ الرسم‏,‏ السينما‏,‏ العمارة‏,‏ السرد‏..‏ إلخ‏.‏
وقد بقيت لي من تجربة القصيدة العمودية خبرة الخروج بالقصيدة من الإيقاع الجهري إلي الدراما‏.‏
‏**‏ فيما تأتي أغلب قصائد النثر مهتمة بالقصر الشديد‏,‏ تصر أنت علي أن يكون الديوان قصيدة واحدة‏,‏ إنها طريقة في الكتابة‏,‏ أعرف‏,‏ لكن لها عيوبها أيضا؟
أنا لا أحدد لون شعر القصيدة‏,‏ قبل أو بعد كتابتها‏,‏ ولا لون عينيها أو طول قامتها‏.‏ أنا أحرص فقط علي أن يربط الديوان ـ في النهاية ـ وحدة من نوع ما‏.‏ ففعلت ذلك منذ البداية‏,‏ ففي أول ديوان فرض الشكل القصير الأبيجرام نفسه‏.‏ لم تكن القصيدة تزيد علي بضع كلمات‏..‏ مثلا لماذا علامة الاستفهام تحني رأسها‏,‏ لم يكن ممكنا أن تزيد هذه القصيدة حرافا واحدا علي ذلك‏,‏ حتي لو حاولت‏.‏
في الديوان الثاني مشيت علي المنوال نفسه‏,‏ جعلت القصائد غفلا من العناوين‏,‏ وحملت ـ بدلا من ذلك ـ أرقاما‏.‏ هكذا أحاول أن أكتب كتابا شعريا ينزع بعضه إلي بعض‏.‏ لا ما يشبه الألبوم الغنائي‏..‏ بضع قصائد لا رابط بينها سوي أنها مجموعة في كتاب‏!‏
في الديوانين الثالث والرابع تجد قصيدة واحدة‏.‏ وفي كل ذلك لا أدعي أن هذا هو الأفضل‏,‏ إنما هي طريقة ـ كما قلت ـ أو بالأحري مشروع أريد أن أثبت له ملامح تؤكد الوحدة العضوية للقصائد دون أن تتجافي مع روحها‏.‏ أما ما ذكرته أنت من عيوب‏,‏ فلا أحفل به‏,‏ مع احترامي لك‏,‏ ولا أراه عيبا‏.‏
‏**‏ في كل ما قرأته عنك لمحت تناقضا في كلامك بين أنك تعترف بفضل الآباء ولا تنكر دورهم‏,‏ وفي مكان آخر تقول نحن بلا آباء‏!‏ وحول غائية القصيدة تقول‏:‏ إنني أكتب نفسي‏..‏ ثم تقول أريد أن أكتب عن عورة الواقع‏!‏ في أي الموقعين أنت؟
عندما قلت ـ في أحد الحوارات ـ ليس لنا آباء لكي نقتلهم‏,‏ كنت أتحدث عن دعوي أو موضة قتل الأب‏,‏ وفي ذهني الفترة الحالية الخالية من الأبوة‏,‏ أرجع للوراء وتذكر الدور العظيم الذي لعبه يحيي حقي وعبدالفتاح الجمل وغيرهما في تبني جيل الستينيات وغير جيل الستينيات‏,‏ كان يحيي حقي ـ رحمه الله ـ يقعد أمام أي كاتب ناشيء وكأنه هو هذا الكاتب‏,‏ وصاحب الحاجة هو يحيي حقي‏!‏ من من الكتاب الآن يلعب هذا الدور في تشجيع الكتابة الجديدة والأخذ بيدها للنشر والتواجد‏.‏
وأذكر أن الأب والصديق بهاء طاهر عاتبني لما قرأ ما قلت‏,‏ مع أنه يعرف رأيي في أبوته‏,‏ ولكن من غيره يقرأ للكتاب الجدد ويعترف بمواهبهم‏,‏ للأسف من يفترض فيهم أن يملأوا الأبوة الشاغرة يستعملون جيلنا في الكتابة‏,‏ عنهم أو في توضيب قعدات المزاج لهم‏!‏
عن نفسي لا أستطيع نفي آبائي أو قتلهم‏,‏ فقد كانوا جسرا ودودا عبرت عليه قصائدنا إلي ما هي عليه‏.‏ فلماذا نقتلهم وقد وقفنا علي أكتافهم فرأينا الأبعد‏,‏ كل ما أتمناه أن أتجاوزهم‏,‏ كما يسعدني ذلك‏,‏ أو أتجاور معهم دون أن أحسب عليهم أو علي جيل أو تيار‏,‏ بل علي شيء كبير اسمه القصيدة‏.‏
‏**‏ ذائقتك الجمالية تكونت بين ثنايا الشعر القديم بكل عصوره‏..‏ ما الذي بقي من هذا الشعر داخلك؟
أرواح أصحابه وتجاربهم‏.‏ كل شاعر قرأته من المؤكد أنه ترك أثرا‏,‏ كل قصيدة‏.‏ ومازال يطربني سماع أو قراءة قصيدة عمودية جيدة‏.‏ سواء أكانت قديمة أم حديثة‏.‏ واستشهد في كثير من المواقف بهذا الشعر‏.‏ والرعشة الأولي التي حدثتك عنها‏,‏ كونتها القراءات الباكرة للمتنبي وحزنه وطموحه وغروره العريض‏.‏ وبعض أبي تمام وابن الرومي وقليل من البحتري بقي بداخلي‏.‏ ولا أنسي الشريف الرضي ومهيار وأبا العلاء‏.‏ كما أن محمود حسن إسماعيل والبردوني وبعض قصائد نزار قباني لايزال عالقا بي‏.‏
‏**‏ أغلب شعراء قصيدة النثر يتنكرون ا لتراث الشعري‏.‏ ما السبب من وجهة نظرك؟
الإنسان عدو ما يجهل‏,‏ كما يقولون‏,‏ وأنا لا أتصور الأدب‏,‏ أي أدب‏,‏ بدون تراث‏,‏ يا أخي طوال عمري لا أجيد التعامل مع الثنائيات المفتعلة‏,‏ لا أطيقها‏.‏ الأصالة والمعاصرة‏,‏ الأدب الحريمي والأدب الرجالي‏,‏ الحداثة في مواجهة التراث‏.‏ إلخ‏.‏ هناك أدب أولا أدب‏.‏ أعتقد أن مثل هذه القضايا تلح في أوقات الفراغ والبلبة‏.‏
التراث ليس بقرة مقدسة‏,‏ ولا هو كخة فيه نماذج جيدة وأخري رديئة كما هو الحال الآن‏.‏ لكن هناك شعراء‏,‏ في كل العصور‏,‏ بلا موهبة‏,‏ وهؤلاء يوجدون ـ كما قلت لك ـ بقوة ما غير قوة الفن‏,‏ لديهم شهوة النجومية وأغلب من يكتبون‏,‏ ولا أريد أن أنزلق إلي هاوية التقييم أو التعميم‏,‏ لكن غالبيتهم ليسوا شعراء‏,‏ وهم سواء في نظري مع التقليديين الذين تجاوزهم الزمن‏.‏ لا فرق بين الحداثة والتقليد‏,‏ إذا قام الأمر علي الادعاء والكذب‏.‏ الشعر لا يحتمل الكذب والهموم المستعارة‏.‏
‏**‏ هل تشعر بالقهر الشعري إزاء هيمنة الرواية؟
علي الإطلاق‏,‏ لأنني قاريء ومحب للرواية‏,‏ وأغلب الروائيين من كل الأجيال أصدقاء‏,‏ وقد تمنيت أن أكون روائيا في وقت من الأوقات‏.‏ لكن دعني أسألك‏.‏ هل هناك بالفعل انفجار روائي كما يقولون‏..‏ من حيث الكم قد يكون هذا صحيحا‏,‏ أما القيمة فمثلها مثل الشعر محدودة‏*‏
ري الشاعرية في الوزن‏,‏ خاصة في الكتابة علي البحور الصعبة‏,‏ وفجأة وفي ديوانيه البحر كالعادة ونص الكلاب انقلب علي تاريخه وذوقه الشخصي وكتب مثل أبناء جيله عموما قصيدة النثر‏,‏ وفي الوقت الذي يصر فيه شعراء هذه القصيدة علي كتابة القصائد القصيرة جاءت أغلب قصائده طويلة جدا حتي أن آخر ديوانين كانا عبارة عن قصيدتين طويلتين‏,‏ وهو إلي جانب ذلك لا يشارك في الجدل الدائر حول تلك القصيدة لأنه يراه ثنائي وذميم وأشبه بحوار الطرشان‏,‏ حول مرجعيته الشعرية وكل هذه القضايا كان هذا الحوار‏..‏