
|
البهاء حسين يري أن الكثير من النصوص الجديدة تافه:
قصائدنا تشبه التزحلق علي الجليد |
أجري الحديث ـ مصطفي عبادة تصوير- موسي محمود حتي وقت قريب, لم يكن البهاء حسين مقتنعا بقصيدة النثر, وكان أنت قلت أن الحوار حول قصيدة النثر ثنائي, ذميم, ضد أو مع.. ألهذا لم تشارك في هذا الجدل؟ أي حوار, حتي لا يكون حوار طرشان ينبغي أن يقوم علي احترام الاختلاف واحترام النيات, لكن الحاصل أن أغلب الكتابات والحوارات التي تناقش قصيدة النثر متوترة, تطلق فيها الاتهامات دون وجهة, والنتيجة هي غياب الهدف في غربة التراشق المفتوح, والنفي يمارسه الجميع ضد الجميع. في مثل هذه الأجواء, فإنني أفضل كتابة القصيدة أو الصمت أو الدعاء علي المجلس الأعلي للثقافة الذي لم يكلف خاطره ـ إلي الآن ـ ويخصص واحدا من المؤتمرات الكثيرة التي يعقدها لمناقشة هذه القضية, ودعوة أطرافها إلي كلمة سواء. ** مع ذلك أنت مسئول عن توضيح مرجعية اختيارك.. وعيك بما تكتب بين القصدية والعفوية؟ تعرف أنه لا يوجد اختيار بريء. وأنا بهذا الصمت ـ عن عمد ـ أتجاهل غبار المعارك التي يجد فيها كثيرون من عديمي الموهبة فرصة للوجود بالقوة لا بالضرورة, تحت زعم الدفاع عن المشروع. اختياري أن أكرس وقتي لما يبقي.. للكتابة, لاعتقادي بأن دور الشاعر ينتهي بانتهاء القصيدة, أما مهمة الحكم فأتركها للزمن. هذه المحكمة من الصعب أن تخطيء. ** كنت متعصبا للقصيدة العمودية وهجرتها مباشرة إلي قصيدة النثر, هل تتذكر تلك اللحظة, ما ملابساتها.. كيف تم هذا الانتزاع؟ سؤالك يعود بي إلي مرحلة صعبة في حياتي. كنت متعصبا فيها أكثر من اللازم, هذه هي طبيعة المراهقة, كنت قلقا ولي طموحات صعبة من بينها شهوة إصلاح العالم بالقصيدة, ولكن علي طريقتي.. طريقة شاب في سنة أولي جامعة يشق طريقه بقراءة المتنبي. لم أكن أفهمه أو أفهم ألمه الممض, لكنني كنت مصرا علي الجري وراء فتنة القول. لقد بهرتني لغة المتنبي وموسيقاه الحادة الكتيمة, وأخذتني قراءات أخري لتشيد بداخلي الرعشة الأولي في عالم القراءة السحري, وتشيد الإيقاع, أما الضرورة التي حرضتني علي كتابة القصيدة العمودية فهي ذاتها التي حولتني عنها بعد ذلك. أذكر تعصبي الأعمي لهذه القصيدة. لدرجة أنني لم أكن أعترف بصلاح عبدالصبور وحجازي والسياب.. هل كنت أقلد العقاد.. هذا العملاق المتطرف الذي كنت مفتونا به في تلك الفترة, لقد شغفت بشخصه وكتابته, وكانت آراؤه عن قصيدة التفعيلة تغذي دوافعي للرفض.. رفض الجديد الذي يقوض قناعاتي من الأساس. أما كيف انتزعت من هذا العالم, فلا أستطيع رصد اللحظة التي تحولت فيها, ليس هذا سهلا, لأن عملية التحول لا تتم علي نحو محسوس, مؤكد أن وراءها أشياء كثيرة, غير أن يضيق المرء بالصنعة الكاذبة. أشياء تقوده إلي نفسه, وإلي ألمه وظرفه التاريخي والنفسي والمجتمعي. إلي حاضره لا إلي الماضي الذي لم يعشه. ما الذي يقود الشاعر إلي ذلك. هل هو القلق؟ الرغبة في أن تفقد نفسك لتجدها. لا أعرف, لكن قصيدة النثر ضرورة تاريخية, إنني أحب أن أعيش واقعي, أحب أن أتغير معه وأعبر عنه بالفن, علي أن قصيدة النثر ليست سهلة علي الإطلاق, إنها تشبه التزحلق علي الجليد.. سهل, لكنه خطر, إنها بناء ضخم وعلي الشاعر أن يقيمه بدون سقالات, لكن من المؤسف أن الكثير من النصوص النثرية تافه وبمثابة فعل فاضح في الطريق العام!! ** تمتزج قصيدتك بحس درامي واضح, هل أنت واع بتأثير الفنون الأخري عليك؟ هناك أشياء, لأنها واضحة, نراها, لكن مسألة الوعي بما له تأثير علي كتابتك, مسألة ملتبسة أيضا. لا يمكنك رؤيتها أو إدراكها بدقة, أنا مهموم بأن تكون قصيدتي مركبة, أتصور الشعر علي أنه رؤية الأشياء بشكل غير عادي, إنه حالة تأمل واستبطان دائم للعالم, النفاذ إلي جوهره الخالص والتعبير عنه في سياق مركب من التعالق أو التراسل بين عوالم شتي.. الموسيقي, الرسم, السينما, العمارة, السرد.. إلخ. وقد بقيت لي من تجربة القصيدة العمودية خبرة الخروج بالقصيدة من الإيقاع الجهري إلي الدراما. ** فيما تأتي أغلب قصائد النثر مهتمة بالقصر الشديد, تصر أنت علي أن يكون الديوان قصيدة واحدة, إنها طريقة في الكتابة, أعرف, لكن لها عيوبها أيضا؟ أنا لا أحدد لون شعر القصيدة, قبل أو بعد كتابتها, ولا لون عينيها أو طول قامتها. أنا أحرص فقط علي أن يربط الديوان ـ في النهاية ـ وحدة من نوع ما. ففعلت ذلك منذ البداية, ففي أول ديوان فرض الشكل القصير الأبيجرام نفسه. لم تكن القصيدة تزيد علي بضع كلمات.. مثلا لماذا علامة الاستفهام تحني رأسها, لم يكن ممكنا أن تزيد هذه القصيدة حرافا واحدا علي ذلك, حتي لو حاولت. في الديوان الثاني مشيت علي المنوال نفسه, جعلت القصائد غفلا من العناوين, وحملت ـ بدلا من ذلك ـ أرقاما. هكذا أحاول أن أكتب كتابا شعريا ينزع بعضه إلي بعض. لا ما يشبه الألبوم الغنائي.. بضع قصائد لا رابط بينها سوي أنها مجموعة في كتاب! في الديوانين الثالث والرابع تجد قصيدة واحدة. وفي كل ذلك لا أدعي أن هذا هو الأفضل, إنما هي طريقة ـ كما قلت ـ أو بالأحري مشروع أريد أن أثبت له ملامح تؤكد الوحدة العضوية للقصائد دون أن تتجافي مع روحها. أما ما ذكرته أنت من عيوب, فلا أحفل به, مع احترامي لك, ولا أراه عيبا. ** في كل ما قرأته عنك لمحت تناقضا في كلامك بين أنك تعترف بفضل الآباء ولا تنكر دورهم, وفي مكان آخر تقول نحن بلا آباء! وحول غائية القصيدة تقول: إنني أكتب نفسي.. ثم تقول أريد أن أكتب عن عورة الواقع! في أي الموقعين أنت؟ عندما قلت ـ في أحد الحوارات ـ ليس لنا آباء لكي نقتلهم, كنت أتحدث عن دعوي أو موضة قتل الأب, وفي ذهني الفترة الحالية الخالية من الأبوة, أرجع للوراء وتذكر الدور العظيم الذي لعبه يحيي حقي وعبدالفتاح الجمل وغيرهما في تبني جيل الستينيات وغير جيل الستينيات, كان يحيي حقي ـ رحمه الله ـ يقعد أمام أي كاتب ناشيء وكأنه هو هذا الكاتب, وصاحب الحاجة هو يحيي حقي! من من الكتاب الآن يلعب هذا الدور في تشجيع الكتابة الجديدة والأخذ بيدها للنشر والتواجد. وأذكر أن الأب والصديق بهاء طاهر عاتبني لما قرأ ما قلت, مع أنه يعرف رأيي في أبوته, ولكن من غيره يقرأ للكتاب الجدد ويعترف بمواهبهم, للأسف من يفترض فيهم أن يملأوا الأبوة الشاغرة يستعملون جيلنا في الكتابة, عنهم أو في توضيب قعدات المزاج لهم! عن نفسي لا أستطيع نفي آبائي أو قتلهم, فقد كانوا جسرا ودودا عبرت عليه قصائدنا إلي ما هي عليه. فلماذا نقتلهم وقد وقفنا علي أكتافهم فرأينا الأبعد, كل ما أتمناه أن أتجاوزهم, كما يسعدني ذلك, أو أتجاور معهم دون أن أحسب عليهم أو علي جيل أو تيار, بل علي شيء كبير اسمه القصيدة. ** ذائقتك الجمالية تكونت بين ثنايا الشعر القديم بكل عصوره.. ما الذي بقي من هذا الشعر داخلك؟ أرواح أصحابه وتجاربهم. كل شاعر قرأته من المؤكد أنه ترك أثرا, كل قصيدة. ومازال يطربني سماع أو قراءة قصيدة عمودية جيدة. سواء أكانت قديمة أم حديثة. واستشهد في كثير من المواقف بهذا الشعر. والرعشة الأولي التي حدثتك عنها, كونتها القراءات الباكرة للمتنبي وحزنه وطموحه وغروره العريض. وبعض أبي تمام وابن الرومي وقليل من البحتري بقي بداخلي. ولا أنسي الشريف الرضي ومهيار وأبا العلاء. كما أن محمود حسن إسماعيل والبردوني وبعض قصائد نزار قباني لايزال عالقا بي. ** أغلب شعراء قصيدة النثر يتنكرون ا لتراث الشعري. ما السبب من وجهة نظرك؟ الإنسان عدو ما يجهل, كما يقولون, وأنا لا أتصور الأدب, أي أدب, بدون تراث, يا أخي طوال عمري لا أجيد التعامل مع الثنائيات المفتعلة, لا أطيقها. الأصالة والمعاصرة, الأدب الحريمي والأدب الرجالي, الحداثة في مواجهة التراث. إلخ. هناك أدب أولا أدب. أعتقد أن مثل هذه القضايا تلح في أوقات الفراغ والبلبة. التراث ليس بقرة مقدسة, ولا هو كخة فيه نماذج جيدة وأخري رديئة كما هو الحال الآن. لكن هناك شعراء, في كل العصور, بلا موهبة, وهؤلاء يوجدون ـ كما قلت لك ـ بقوة ما غير قوة الفن, لديهم شهوة النجومية وأغلب من يكتبون, ولا أريد أن أنزلق إلي هاوية التقييم أو التعميم, لكن غالبيتهم ليسوا شعراء, وهم سواء في نظري مع التقليديين الذين تجاوزهم الزمن. لا فرق بين الحداثة والتقليد, إذا قام الأمر علي الادعاء والكذب. الشعر لا يحتمل الكذب والهموم المستعارة. ** هل تشعر بالقهر الشعري إزاء هيمنة الرواية؟ علي الإطلاق, لأنني قاريء ومحب للرواية, وأغلب الروائيين من كل الأجيال أصدقاء, وقد تمنيت أن أكون روائيا في وقت من الأوقات. لكن دعني أسألك. هل هناك بالفعل انفجار روائي كما يقولون.. من حيث الكم قد يكون هذا صحيحا, أما القيمة فمثلها مثل الشعر محدودة* ري الشاعرية في الوزن, خاصة في الكتابة علي البحور الصعبة, وفجأة وفي ديوانيه البحر كالعادة ونص الكلاب انقلب علي تاريخه وذوقه الشخصي وكتب مثل أبناء جيله عموما قصيدة النثر, وفي الوقت الذي يصر فيه شعراء هذه القصيدة علي كتابة القصائد القصيرة جاءت أغلب قصائده طويلة جدا حتي أن آخر ديوانين كانا عبارة عن قصيدتين طويلتين, وهو إلي جانب ذلك لا يشارك في الجدل الدائر حول تلك القصيدة لأنه يراه ثنائي وذميم وأشبه بحوار الطرشان, حول مرجعيته الشعرية وكل هذه القضايا كان هذا الحوار..
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|