366‏السنة 123-العدد2004مارس27‏6 صفر 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

يتوقف أمامها الباحثون الأكاديميون طويلا

المذكرات في الغرب‏..‏ من التطهر إلي قمة الإثارة

كلينتون

‏ تقرير ـ أسامة الدليل


يعترف الغربيون بأسرارهم في اليوميات والسير الذاتية‏..‏ ليتطهروا‏,‏ بينما تعذبنا ذكرياتنا فندونها لنعذب بها الآخرين‏..‏ وهنا يكمن السر في أن السير الذاتية في الغرب موضع حفاوة‏..‏ لأنها في النهاية تعطي دروسا في حب الحياة وفي البساطة والثقة‏..‏ حتي وإن تضمنت كل ما يضفي علي الوجوه‏..‏ اللون الأحمر‏!!‏
ولعل إبرز المذكرات التي توقف عندها الرأي العام العالمي طويلا‏..‏ كانت تلك التي صدرت عن مونيكا لوينسكي‏..‏ الفتاة التي ارتبطت بفضيحة أخلاقية مع رئيس أكبر دولة في العالم بيل كلينتون‏,‏ والتي لم تستح أن تذكر أدق التفاصيل‏..‏ إذ قالت في مذكراتها التي صدرت بعنوان قصة مونيكا‏:‏ أعددت له كل شيء‏..‏ أخرجت من الدولاب كل ما سوف أرتديه‏,‏ وذهبت إلي الكوافير لأقص شعري‏.‏ ثم جلست وجلست وجلست‏!!‏
لكن اللافت للانتباه‏..‏ أن الذين يؤثرون في حياة الناس هناك‏..‏ يعتبرون أن كتابة يومياتهم بدقة‏,‏ بصرف النظر عن محتواها‏,‏ واجب قومي‏,‏ ومن ذلك مذكرات القادة والزعماء السياسيين‏..‏ ولعل أشهر السير الذاتية التي حملت كل أوحال النفس البشرية‏,‏ تلك التي كتبها أدولف هتلر بعنوان كفاحي‏,‏ ولم يرتد فيها الزعيم النازي أية أقنعة تستر طموحاته أو تصنع سورا بين نفسه النهمة لجنون العظمة‏,‏ وبين كل من يقرأ هذا الكتاب‏!!‏
الجرسونات والخدم‏,‏ أيضا كان لهم نصيب من بورصة مذكرات الصدمات‏,‏ ولعل أخطرها ما صدر في هذا السياق عن كبير خدم الأميرة السابقة ديانا والذي ضمن كتابه تفاصيل ما شاهده في غرفة نوم الأمير شارلز‏..‏ إذ وجد ولي العهد وخادمه عاريين علي الفراش الملكي‏!!‏
مونيكا
المثير بالفعل‏..‏ أن هناك دائما حدودا تفصل ما بين ما ينبغي أن يعرفه الناس‏..‏ وما بين الفضيحة‏,‏ بكل ما تعنيه تلك الأخيرة من إثارة لمشاعر الاحتقار والامتهان‏,‏ وهي ثقافة تجذرت في الضمير الغربي مع مرور عشرات السنوات من التحرر الفكري والسلوكي‏,‏ وحتي الأخلاقي‏!!‏
مرة أخري نعود إلي قصة مونيكا‏..‏ ربما لأنها قصة الطرف الناعم في أكثر الفضائح خشونة في تاريخ العالم المعاصر‏,‏ وربما أيضا‏,‏ لأنها كشفت عن بعض مما يدور في أخطر مكتب رئاسي في العالم‏..‏ المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض‏,‏ في وقت لا يعلم أغلب سكان العالم ما يدور بالفعل في المكاتب الرئاسية في دولهم‏!!‏
تقول مونيكا عن اللقاء الجنسي الأول بينها وبين رئيس أكبر دولة العالم‏,‏ كنت منفعلة لأن أراه علي مستوي لقاء ذكر وأنثي‏..‏ ثم سألها كلينتون إن كان تحب أن تشرب شيئا‏,‏ وهو ما كان يعني أن ينتقلا إلي الثلاجة في المكتب الداخلي ومن هناك إلي الحمام وهناك كانا لصيقين لمدة نصف ساعة‏,‏ وتقول مونيكا بالنص‏:‏ كنا متلهفين‏..‏ حميمين‏..‏ غارقين في العواطف بشدة‏,‏ بعد ذلك جلسنا نتحدث في البيت الأبيض لنصف ساعة‏..‏ أخري‏!!‏
هذه القصة‏,‏ وهذه المشاهد‏,‏ لم يقابلها الغرب بالزفة التقليدية للفضيحة‏,‏ لكن أمكن أن تخرج عنها دراسة أكاديمية‏!‏
ديانا
ففي كتابه الذي صدر أخيرا عن أنماط الشخصية‏,‏ تمكن الباحث ستيفن وايتهيد من رصد هذه القصة ليدرس نمطا من الرجال يسميه نمط أخيل بطل ملحمة الإلياذة التي كتبها هوميروس‏,‏ وقال في كتابه الوجوه المتعددة للرجل إن الرئيس السابق بيل كلينتون يعد نموذجا شائعا لطراز من الرجال يستمتع بمواقعة شريكته الغرام في مواقع ومواقف الخطر‏,‏ وانتهي إلي أن كلينتون كنموذج رجالي هو رجل متميز لو أنه فقط استطاع التغلب علي عيبه الوحيد‏!!‏ هذا‏!‏
لكن‏..‏ هل كان ما يندرج تحت بند الاعترافات وتأريخ الحياة الشخصية يصلح كمادة للفحص والدرس؟‏!,‏ وهل كان ما يصدر عن الغرب من أدب السيرة الذاتية هو محض حقائق لابد من التسليم بها؟‏!‏ وهل تكفي عين واحدة لاختزال تجربة العالم؟‏!‏ وأين ما هو إنساني وما هو لا أخلاقي في تلك السير التي تكتب في الغرب ويطرحونها علي العالم؟‏!‏ ثم وهو الأخطر‏,‏ ما هو ذلك السحر الذي يجذبنا للتفتيش في حياة الناس واستعراضها هل هو الإعجاب بمن كتب سيرته‏,‏ أم رغبتنا في التعرف إلي عالم تحكمه قوانين أخري؟‏!‏
المؤكد أن كل تجربة يعيشها الإنسان تصلح لأن تمثل مادة ثرية للدراسة في السلوك والدوافع والتفاعل‏,‏ كما أنها تصلح لتوثيق تاريخ الإنسانية‏,‏ فحتي أكثر الأقدار قسوة وأشدها تفاهة تشكل في دراميتها مادة للكشف عن مدي ثراء الحياة البشرية‏,‏ لكن أن يكرس الإنسان يومياته لدورة المياه والمراحيض وذكرياتها في جميع أنحاء العالم‏,‏ فهو أمر يحار الكثيرون في فهمه‏!!‏
هذه التجربة متاحة علي الإنترنت‏..‏ إنها نوع من السيرة الذاتية الجماعية‏,‏ سيرة ممتدة ومتواصلة زمنيا‏,‏ حتي الآن‏,‏ وتعد واحدة من أكثر أنواع السير شذوذا في التاريخ البشري‏,‏ وهي متوفرة في موقع‏BATHROOMDIARY‏ بدأتها موظفة تعمل في البنك الدولي بكتابة تجربة ذاتية تافهة عن ورطتها في قضاء الحاجة وهي حامل مع ابنتها ذات الأعوام الثلاثة‏..‏ في شوارع باريس وبعد ذلك قررت أن تنشر تجربتها علي الإنترنت وأن تطالب كل من تعرض لهذه التجربة الإنسانية المخجلة لمشاركتها هذه المذكرات‏!!‏
الأدهي أن صاحبة هذه المذكرات انطلقت منها لتؤكد أن مسألة قضاء ا لحاجة‏,‏ هي قضية إنسانية وأنها مسألة تتعلق بالحضارة وتاريخها‏..‏ وحتي بالثقافة‏!‏
المشكلة الحقيقية‏..‏ أن صاحبة هذه المذكرات لم تعدم عشرات من الناس ينتمون لعشرات الثقافات ومختلف الحضارات‏,‏ شاركوها في كتابة هذه اليوميات‏,‏ لعل أبرزها ما كتبته سيدة ألمانية حكت عن رحلة لها لتايلاند‏,‏ وأنها أثناء ركوبها أحد القطارات‏,‏ تقدم منها مواطن تايلاندي كان يجلس غير بعيد عن مقعدها بالقطار‏,‏ وطلب منها صفحة من الجريدة الألمانية التي كانت تطالعها‏,‏ قالت إنها أعطته صفحات الرياضة لما فيها من صور يمكنها أن تعينه علي قضاء الوقت خصوصا وأن أغلب التايلانديين لا يعرفون الألمانية‏,‏ لكن للدهشة‏,‏ فتح الرجل الصفحات وافترشها علي أرضية القطار‏..‏ وقضي حاجته‏..‏ هكذا‏..‏ ببساطة‏..‏ ودون أي خجل‏!!*‏