
|
قذائف تشويه السينما المصرية
|
 | | يوسف أدريس |
محمـد بـركـة هند رستم تقلد ريتا هيوارث في صبغة الشعر وطريقة المشي وناهد الشريف تحتسي الويسكي وتغوي المخرج! شكري سرحان يتظاهر بأنه مثقف ويوسف إدريس يسطو علي سيناريو كتبه غيره! تقديس المال خطأ محمود ياسين التراجيدي! لا تكاد تلتقط أنفاسك وأنت تقرأ هذه المذكرات! ففي كل ركن تختبيء فضحية أو تنفجر قنبلة أو يسقط رمز كان كبيرا مضرجا في دمائه قبل أن تتجلي صورة المؤلف بين السطور واثقا مبتسما في انتظار أن يصفق له الجمهور علي لكماته الخطافية التي يوجهها لخصومه في كل الاتجاهات حين أراد أن يسترجع من الذاكرة أربعين عاما عاشها في مطبخ السينما والفن فإذا باتهامات الجنس والفساد والسطحية تطال الجميع! ولا أريد في هذا المقام الاستطراد أكثر من ذلك. فقط تعالوا نقرأ عينة مما ورد بالكتاب... والحكم لكم.. ربما كان ما ذكره محرم عن هند رستم هو الأهون في هذا السياق, فقد اكتفي بالتأكيد علي أنها كانت تتفنن في تقليد ريتا هيوارث, الممثلة الأمريكية, ولم ينس الإشارة إلي أنها بدأت كومبارس, ففي صفحة188 يحكي مصطفي محرم عن أول ممثلة رآها بعد أن انضم إلي شركة الإنتاج السينمائي التي تولي رئاستها صلاح أبو سيف ويقول: أول من رأيتها من الممثلات كانت هند رستم كانت قادمة إلي الشركة من أجل توقيع عقد فيلم اعترافات زوج من إخراج فطين عبدالوهاب, كانت تصبغ شعرها باللون البلاتيني, وترتدي ثوبا ضيقا.. كانت تشع فتنة وأنوثة, ولاحظت وهي تسير أنها تقلد مشية الممثلة الأمريكية الشهيرة ريتا هيوارث حتي في تسريحة شعرها, تأملتها عن قرب, فاكتشفت من ملامحها وعينيها أنها ليست شقراء أصيلة بل شقراء مصبوغة. ولا يكتفي محرم بذلك فلابد أن يضيف شيئا من البهارات للموقف فيتابع قائلا: تذكرتها عندما كانت تركب جوادا مع مجموعة البنات اللاتي كن يحطن بليلي مراد في فيلم غزل البنات ـ كانت سوداء الشعر, أدركت في لحظة رؤيتي لها في تلك الهالة والحفاوة التي قوبلت بها في الشركة أنها قطعت طريقا شاقا لتصل إلي هذه النجومية! بدأت صعود السلم من أوله واستغرقت وقتا حتي وصلت إلي ما وصلت إليه, ولم تولد نجمة مثل شادية وسعاد حسني ونادية لطفي ولكنها بدأت كومبارسا ثم تدرجت في أدوار صغيرة كبرت بمرور الوقت.
زجاجة ويسكي ولا يتذكر محرم لمخرج مهم له تاريخه مثل نور الدمرداش سوي أنه كان ينتمي إلي القاعدة العريضة من الممثلين البخلاء, لكن هذا يمكن التغاضي عنه, تماما مثلما يمكننا أن نتجاوز عما قاله عن صديقته المخرجة إنعام محمد علي وكيف أنها انحازت إلي محمد فاضل ليأخذ فرصته كمخرج علي حساب مخرجة أخري اسمها علية ياسين لا لشيء سوي أن إنعام كانت واقعة في غرام فاضل! ولكنك لا يمكن أن تتغاضي أبدا عما قاله حول ناهد شريف فهي حسب المؤلف لم تكن ممثلة عظيمة بل كانت متوسطة القيمة.. تسعي إلي الحصول علي أدوارها بأية طريقة وكانت تحرص دائما علي ارتداء الثياب التي يمكن أن تكشف عن جزء كبير من جسدها ولم تكن تتحفظ في حركاتها أو جلساتها وتضحك في انطلاق. ويبدو أن هذا لم يكن كافيا, فقد عاد في صفحة248 ليقول: كانت الرغبة في النوم قد أثقلت جفوني وكدت أغلق عيني لولا أني تنبهت علي صوت من يحاول أن يفتح باب إحدي الحجرات غصبا, ظننت في البداية أنه باب حجرتي ولكن ما لبثت أن أدركت أنه باب حجرة قريبة, سمعت صوت ناهد شريف وهي تصيح في دلال واستنكار: عيب يا حسن.. روح نام.. وبعدين معاك بقي!. |
 | | شكرى سرحان |
وخلفية هذا الموقف الذي يرويه محرم هو تصوير بعض مشاهد فيلم وداعا أيها الليل في مدينة المنصورة وذهاب فريق العمل للنوم بأحد الفنادق بعد أن جمعت البطلة ناهد شريف والمخرج حسن رضا زجاجة ويسكي أتيا عليها قبل أن يذهب كل منهما إلي فراشه ليلا! ولأن شكري سرحان كان البطل في هذا الفيلم الذي كان محرم ـ كما يقول ـ يعمل فيه مساعد مخرج, فكان لابد أن يناله من الحب جانب فهو رغم تواضع ثقافته ورغم أنه من الدفعة الأولي التي تخرجت من معهد التمثيل, إلا أن ثقافته علي ما يبدو لم تتجاوز ما درسه في المعهد, فقد كان يحاول أن يبدو مثقفا فتضطر إلي مجاملته في رثاء وإشفاق!.
ولع بالنساء وسرقة ورغم أن مصطفي محرم يصف توفيق الدقن بأنه كان إنسانا ودودا يتميز بخفة الدم وسرعة البديهة, إلا ويسارع بالتأكيد علي أن الممثل العبقري كان يتساهل في أدواره ولا يناقش ما يملي عليه.. وكان يعتبر التمثيل مصدر رزق ويخشي أن يعترض أو يناقش حتي لا يحرم من مصدر رزقه هذا! أما الوصف السريع العابر لعبدالمنعم إبراهيم بأنه كان له ولع شديد بالنساء فلا يبدو بريئا, فحتي إذا كان مصطفي محرم شخصا ليبراليا يعتبر أن الولع بالنساء ليس سبة فهو بالتأكيد يعلم أن هذا الوصف كارثة أخلاقية وفق المعايير الاجتماعية السائدة, وتشويه لذكري فنان جميل بلا داع أو ضرورة فنية ملحة. ومن الولع بالنساء إلي الفساد والسرقة حيث تحركت فوهة القذائف هذه المرة نحو اسم شهير في تاريخ السينما هو حلمي رفلة الذي عمل مديرا عاما للشئون الفنية بشركة الإنتاج السينمائي فلمنتاج وكانت القذيفة هذه المرة تتعلق بالفساد المالي! يقول محرم: لم يكن أحمد المصري راضيا عن سلوك حلمي رفلة واستطاع أن يكون فريقا من الجستابو يأتي له بكل ما يفعله رفلة من تجاوزات.. واستطاع المصري أن يحصل علي وثائق تفيد بأن منير رفلة ـ ابن حلمي رفلة ـ تحايل وقدم سراكي كثيرة علي أنها تخص بعض الكومبارس في فيلم الحرام الذي يقوم بإدارة إنتاجه وتبين أنها مجرد سراكي وهمية قبض هو قيمتها! الاتهامات التي لا تستند إلي دليل وتتعلق بالسرقة لم تقتصر علي الفساد المالي وإنما تجاوزت ذلك في السطو المباشر, الفج علي الإبداع, والمتهم هو عملاق الأدب المصري يوسف إدريس! فطبقا للمذكرات, قام محرم بكتابة سيناريو لقصة إدريس القصيرة حادثة شرف إلا أن يوسف إدريس لم يعجبه وقام بوضع عدد من التعديلات ثم وضع اسمه علي السيناريو وأصر علي شطب اسم محرم الذي كان آنذاك مجرد سيناريست مبتديء. وعلي فكرة ليس هذا الاتهام الوحيد الموجه لإدريس, فهو متهم في هذه المذكرات بالغيرة الشديدة بل والحقد علي زملائه من نجوم الإبداع لا سيما إحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ, وعبدالرحمن الشرقاوي, لكن الأهم من ذلك هو اتهامه بالبخل وأنه لا ينفق في شراء الكتب بقدر ما يهتم بإنفاق الفلوس علي مظهره! ولنقرأ معا ما قاله محرم في هذه الجزئية صفحة119 ذهبت إلي يوسف إدريس حيث كان يسكن في عمارة الهلالية التي تطل علي النيل, دخلت حجرة مكتبة التي تتكون من مكتب كبير أمامه مقعدان ومكتبة علي الحائط الذي يواجه المكتب, كانت مكتبة متواضعة, وكان من عادته كلما انتهي من قراءة كتاب أن يضعه بالمقلوب وكأنه يخشي أن ينسي الكتب التي قرأها, لم يستلفت نظري كتاب علي درجة كبيرة من الأهمية, وكانت معظم الكتب عبارة عن قصص وروايات باللغة العربية وقليل منها بالإنجليزية, لم تكن مثل مكتبة المخرج أحمد كامل مرسي أو صلاح أبو سيف أو حتي مكتبتي المتواضعة في ذلك الوقت.. أكره دائما الكاتب أو الفنان الذي لا ينفق كثيرا في شراء الكتب ويهتم بإنفاق الفلوس علي مظهره!
ديكتاتورية واستعلاء وتبدو ملامح صورة سعد الدين وهبة في المذكرات باعتباره ديكتاتورا لا يتعامل بموضوعية مع الواقع وإنما وفق هواه الشخصي خصوصا في الفترة التي خلف فيها صلاح أبو سيف في تولي مسئولية شركة فلمنتاج فقد أطاح ـ حسب رواية محرم ـ بمجموعة قسم الإعداد والسيناريو التي كونها صلاح أبو سيف وأطلق عليهم وصف عيال صلاح علما بأن مصطفي محرم نفسه كان أحد هؤلاء العيال! ونمضي مع صفحات المذكرات المثيرة ونتوقف قليلا مع محطة فيلم اسمه واحد في المليون والذي يستطرد بمناسبته المؤلف فيقول عن نبيلة عبيد: كانت تقوم بأداء دور صغير في الفيلم مع يوسف شعبان, لم تبد اهتماما بي, كان كل اهتمامها ينصب علي أشرف فهمي, فهي دائما تهتم بالمخرج... لم أكن مرتاحا إليها.. أحسست أنها مجرد امرأة لاهية ليس التمثيل هدفها الأول. وعلي ذكر نجمات تلك الفترة يوجه محرم ضربة مزدوجة إلي كل من ماجدة الخطيب وحسن الإمام بمناسبة فيلم امتثال قائلا: أثناء هذه الفترة جري عرض الفيلم الذي يدور عن حياة الراقصة امتثال فوزي ونهايتها المأساوية علي يد عماد الدين فؤاد الشامي, كتب هذا الفيلم علي حسب العناوين ممدوح الليثي ـ لاحظ أن محرم طوال الوقت يشكك في فكرة أن ممدوح الليثي هو الذي يكتب السيناريوهات التي تحمل اسمه ـ وأخرجه حسن الإمام لحساب ماجدة الخطيب التي كانت تسعي إلي النجومية بفلوسها أو علي الأصح بفلوس أحد المعجبين الأثرياء. وحين تأتي سيرة وحيد حامد تتلون نبرة محرم بالاستعلاء في صفحة127 إذ يقول: أخبرني أحد أصحاب المكتبات التي كنت أتردد عليها بأن هناك شابا يسكن في الحارة المقابلة للمكتبة يريد أن يتعرف إلي فقد شاهد بعض أعمالي في التليفزيون ويعلم أني أعمل في مجال الكتابة للسينما, رحبت بمقابلة هذا الشاب الذي وجدته شابا ضامرا رقيق الحال, كان يسكن في حجرة في أحد البيوت القديمة في إحدي الحواري... وفي صفحة129 يقول: كنت أقوم بتشجيع وحيد حامد علي الكتابة. كان يتمني أن أعد له قصة أدبية للتليفزيون. لكن الاتهام الصريح لوحيد حامد بالسرقة سرعان ما يأتي في صفحة199 حين يقول محرم: وأحيانا يقوم اثنان من الكتاب بسرقة فيلم واحد كما حدث علي سبيل المثال بالنسبة لفيلم المحادثة الذي أخرجه كوبولا فقد قام بسرقة هذا الفيلم كل من محمد الباسوسي سيناريست وذلك في فيلم السقوط من إخراج عادل الأعسر, ووحيد حامد في فيلم اللعب مع الكبار إخراج شريف عرفة.. لم يذكر أحد من النقاد هذه الواقعة. وأذكر أنهم هللوا لفيلم وحيد حامد وتجاهلوا فيلم الأعسر فقد كان الذي يقوم ببطولته اللعب مع الكبار النجم الكبير عادل إمام. وهي نفس التهمة التي وجهها مصطفي محرم لزميله السيناريست بشير الديك في فيلم ضربة معلم أما الهجوم علي هاني شاكر فيبدأ في صفحة208 هكذا: لم يكف هاني شاكر عن تملق ونفاق حسن الإمام, فقد كان هاني يريد أن يقوم ببطولة فيلم من إخراج حسن الإمام الذي كان مخرج الشباك آنذاك, ويعود محرم ليروي كيف أنه التقي هاني بعد ذلك في استوديو النحاس وكانا بمثابة صديقين حيث كان محرم يتردد عليه في منزله ويوقظه بنفسه من النوم قبل أن يصبح هاني نجما أما ما حدث بعد ذلك في الإستوديو حيث كان هاني بطل فيلم هذا أريده وهذا أحبه المأخوذ عن قصة لإحسان عبدالقدوس ويخرجه حسن الإمام فيرويه مصطفي محرم قائلا: اقتربت من هاني شاكر في حرارة الصديق الذي لم يقابل صديقه منذ مدة لأهنئه علي دخول الفيلم الجديد, قابلني ببرود وكأنه لا يعرفني وكأنه نجم النجوم وقال لي: أهلا يا فندم, فاضطررت أن أصافحه ببرود وأنا أنظر إليه نظرة ساخرة مشفقة. لقد أدار اسم إحسان عبدالقدوس واسم رمسيس نجيب المنتج واسم حسن الإمام رأسه الصغير وظن أنه سيصبح نجما ومطربا سينمائيا مثل محمد عبدالوهاب وفريد شوقي ومحمد فوزي وعبدالحليم حافظ ولكنه للأسف استطاع أن يكون مطربا فقط.. فشل فيلم هذا أحبه وهذا أريده فشلا ذرعا بحيث لم يفكر أي مخرج بعد ذلك أن يسند إلي هاني شاكر أي عمل سينمائي! ولأن قذائف الهجوم تناثرت في اتجاهات عديدة, أحيانا تصيب الهدف فتأتي عليه من الشظية الأولي, وأحيانا تنفجر بالقرب منه, نختم بمحمود ياسين الذي جمعه بمحرم فيلم ليل وقضبان ووصفه صاحب المذكرات بأنه ممثل شديد الطموح, ولكن للأسف حبه للمال كان أقدس من حبه للفن, وكان هذا خطأه التراجيدي بالنسبة لنجوميته. ويبقي في النهاية التأكيد علي أن ما أوردته هنا يظل مجرد عينة ـ وإن كانت الأبرز والأكثر دلالة ـ لهجوم صريح حينا, وخفي أحيانا تمتليء به صفحات الكتاب!* |
|
|
 |
|
|
 |
|
|