وسط الجدل السائد في مصر والذي يمتد بطول الشارع المصري علي اختلاف فئاته وشرائحه حول قضايا سياسية عديدة يأتي في مقدمتها مطالب بالإصلاح والتغيير وتداول السلطة وفي ظل تساؤلات نخبويه وشعبية تدور حول توقع تولي جمال مبارك رئيسا للجمهورية خلفا لوالدة الرئيس مبارك يأتي كتاب د. جهاد عودة' جمال مبارك تجديد الليبرالية الوطنية'هو محاولة جريئة لتحليل واقع الحياة السياسية في مصر من زاوية أكاديمية ترتكز علي تشريح منهجي لمعالم النظام السياسي الحالي في مصر وظروف نشأته وتطوره الأمر الذي يستدعي ضرورة التغيير السلمي للسلطة بحلول تقوم علي العقلانية والاتساق والليبرالية في المشاعر والاعتماد علي حلول تنبع من الداخل فلا هي حلول جاهزة ولا هي حلول مستوردة, حلول تطرح من داخل النظام السياسي الحاكم نفسه انطلاقا من قاعدة التطوير الذاتي لأداء النظام تماشيا مع الظروف والمتغيرات الجديدة. قصة التطوير يرصدها المؤلف من خلال تحليل بنية النظام السياسي المصري منذ عام1952 والي الآن سعيا وراء تحديد عدد من المؤشرات التي علي أساسها يمكن تقييم الأداء الديمقراطي للنظام من زاوية العلاقة بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية والأطر القانونية والدستورية الحاكمة للعملية السياسية. وينتهي المؤلف من عملية الرصد إلي القول بأن الشعور الديمقراطي فضلا علي التشريعات المقيدة للحريات والتي تؤدي إلي عزوف المواطنين عن العمل السياسي قد أدي إلي حالة من الجمود السياسي انعدم فيه التنافس بين المؤسسات السياسية للوصول للسلطة فضلا عن عدم تجديد النخبة الحاكمة سواء في مستوي أحزاب المعارضة التي توقفت عن إنتاج قيادات جماهيرية جديدة بل علي العكس أصبحت تفتقد قيادتها الفاعلة تدريجيا نتيجة اعتزالها العمل العام أو التحول إلي العمل الاقتصادي أو الاجتماعي أو الحكومة وحزبها والتي ظلت النخبة الحاكمة فيها لا يتغير بعضها لأكثر من عشرين عاما. وهنا يبدومدخل التغيير بمشروع إصلاحي بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية أمرا يقتضيه الواقع الذي أصبحت معالم نطاقه السياسي الحالي بظروفه ونشأته وتطوره تضيق علي احتياجات البلاد. ومن هذا المنطلق يعترف الكتاب بأهمية الدعوة التي ينظمها الحزب الوطني لتوسيع المشاركة السياسية المنظمة طالما تأتي بإسهام في نهضة الأمة ويقودها تيار عمل وطني هدفه الإسهام في هذا الخضم الكبير من العمل والحلم في سياق نظام سياسي قادر علي استخلاص أثمن ما تقدمه القوي السياسية من مقترحات والواقع من فرص وليس استلابا للسلطة. ويقدم الؤلف قرادة كاشفة ومعمقة لتاريخ نظام الحكم في مصر بدأ بتحليل هيكل السلطة والنظام السياسي حيث رأي أن الدولة المصرية تعاني من حالة عدم انسجام بنائي. ويقصد بذلك أن أبنية الدولة الرئيسية تميل إلي إفراز مخرجات متناقضة الأمر الذي يجعلها في عملية التغذية تقوم بإمداد النظام بمدخلات سالبة تشويهية فلا يكون من دور لرئيس الدولة بحكم كونه وفق نص الدستور حكما بين السلطات إلا أن يقوم بفرض نوع من الانسجام التوفيقي الموقفي ولكن هذا الانسجام الموقفي المصنوع والوقتي لا يلغي حقيقة المدخلات السالبة التشويهية بل إن فرض هذا الانسجام الموقفي في الأغلب الأعم يعظم من التشوه البنائي عند تطبيقه. وفي ضوء هذه الرؤية يؤكد الكاتب علي أن هناك تفتيتا للأشكال المؤسسية في المجتمع.. ومن هيكل السلطة إلي فعاليات هذا الهيكل يحلل الكاتب القيود التشريعية علي ممارسة الحقوق في المشاركة بدءا بالانتخابات في ظل قانون الطوارئ والقيود علي حرية التجمع السلمي والقيود العامة علي حرية التعبير وحرية التنظيم وفي هذا التحليل نتعرف إلي قانون الطوارئ والتجمهر وغيرهما من القوانين التي تهيمن علي حق حرية التعبير وتسلبه حتي أن الكاتب يري استحالة استعراض كل الترسانة القانونية المقيدة للحقوق العامة في مصر.. وهنا يؤكد الكاتب علي أن أولي خطوات الإصلاح السياسي والدستوري هي توجيه العمل القانوني والسياسي والدستوري نحوإلغاء القيود والعوائق وله أهمية كذلك في توجيه الاهتمام إلي المطالبة بإصدار نصوص تقرر ضمانات دستورية وقانونية من أجل تعزيز قيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. ويواصل اقراءته التاريخية الكاشفة للنظام السياسي المصري فيتوقف في الفصل الثاني من الكتاب عند تطور أيديولوجية الدولة للنظام السياسي المصري منذ1952 وذلك بتحليل أربع وثائق أصدرتها الدولة باسمها تعبر عن تصوراتها السياسية والإستراتيجية وتمتد هذه الوثائق من الرئيس عبد الناصر حتي الرئيس مبارك وهي أولا الميثاق وثانيا بيان مارس1968 وثالثا ورقة أكتوبر1974 ورابعا وثيقة مصر والقرن الحادي والعشرين عام1997.. وينطلق الكاتب في دراسته لهذه الوثائق من منطلق نظامي بنائي يقوم علي افتراض أن الدولة المصرية كان واحدا من أهدافها ليس مجرد إقامة نظام سياسي بل الأهم هوإقامة دولة عصرية الذي قد لا يعني في الوقت نفسه مضمون الدولة الحديثة فالدولة الحديثة نجد نموذجها الرئيسي هوالنموذج الأوروبي الأمريكي أما الدولة العصرية فتقوم فرضيتها الأساسية علي متابعة إنجازات العصر المادية مع خلق المجهود الفعال من أجل تقليل آثار الحداثة علي البناء النفسي والقيمي للأفراد والجماعات في الدولة. علي ضوء التحليلات التي شهدها الفصلان الأول والثاني من الكتاب ترتكز فصوله التالية بدءا من الفصل الثالث وحتي الفصل الثامن والأخير حيث نري في الفصل الثالث التغيير والإصلاح في الحزب الوطني الحاكم والتي جري معظمها مجري التنفيذ الفعلي وهنا يظهر صوت جمال مبارك أمين لجنة السياسات في الحزب والذي نتعرف إليه عن قرب في فصل كامل يفرده له الكاتب ويكشف فيه عن العناصر المكونة لشخصيته سواء كانت علمية أم فكرية أوإنسانية حيث يستعرض الكاتب رؤاه وآراءه السياسية والاقتصادية والإصلاحية الداخلية. والواقع أن أفكار جمال مبارك الإصلاحية كما عرضها الكتاب تتوافق مع الدعوات المتعالية حاليا بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا سيما فيما يتعلق بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية في مصر وأهمية المكاشفة والمصارحة للشعب بالحقائق والوقائع ومراعاة البعد الاجتماعي في عملية التنمية دون أن يكون ذلك مدعاة لشل حركة التنمية وتخفيض الضرائب علي أرباح المشروعات الصغيرة بنسبة%50 والارتفاع بمعدل الدخل القومي إلي%6 مع التأكيد علي أنه لا عودة للاقتصاد الموجه وأهمية اعتماد أسلوب انتخابات يراعي حقوق المرأة وإعطاءها دورا أكبر للترشيح في الانتخابات والتواصل مع الشباب والاستماع لوجهة نظرهم وقبول الرأي الآخر باعتبار أنه لا توجد قوة سياسية تمتلك كل الحلول. ويلاحظ أن الكاتب يحلل' البروفيل' الشخصي والفكري لجمال مبارك بموضوعية شديدة كاشفا عن ثرائها وعمق رؤيتها للمستقبل تاركا للقارئ تحديد موقفه في هذه الشخصية محور جدل الرأي العام والخاص في مصر. وهكذا تبدو الدعوة التي أشرنا إليها في مقدمة هذه السطور وحملها الغلاف ووثقها فصل كامل أفرده المؤلف لشخصية جمال مبارك العلمية والفكرية والإنسانية والأدوار المختلفة التي لعبتها حتي الآن وكان خلالها قائدا لتيار التغيير والإصلاح وإعطاء مساحات أكبر للشباب المصري في السلطة في سياق تاريخي وواقعي جديد يبقي مصدرا لبناء شرعية سياسية مرتكزه علي خيار التجديد الليبرالي الوطني المطلوب في المرحلة الراهنة..