
|
مهرجان النحت الدولي يعمل بنظرية التحدي والاستجابة
السمبوزيوم يتحدي مشايخ طالبان فــي حي الشيخ زايد |
 | |
أسوان- سيد محمود حسن تصوير- محمد وسيم تقول الحكمة الشائعة إن الإنسان لا ينزل النهر مرتين, وبهذا المنطق لا يستطيع الكاتب أن يكتب عن حدث واحد مرتين لكن حدثا مثل سمبوزيوم النحت الدولي بأسوان يستحق أن نكسر له هذه القاعدة فهو مثل نهر تتغير مياهه باستمرار ويكتسب مع تكرار دوراته معاني جديدة فهو فضاء جمالي قابل للتأويل ومفتوح علي ساحة للعمل الجاد ترفع فيها رايات الخيال وتتفجر الطاقات لتصبح كل قطعة نحتية فيه علي استعداد لمواجهه القبح وهزيمته لووجدت الفرصة, لكن من أين تأتي الفرص وبيننا من لايزال يعتقد بحرمة الفن ويسعي إلي ملاحقة تجلياته كأنها رجس من عمل الشيطان, بل إن بعض كبار المسئولين في بلادنا مازالوا يعتقدون أن هدم تمثال شكل من أشكال الجهاد. هذه حقيقة أولية ينبغي أن نعترف بها ونستعد لمواجهة' طالبانيين جدد' يحكموننا فعلا ويعيشون معنا ولكي لا تتهمني بالمبالغة عزيزي القاريء أدعوك لقراءة العمود الذي كتبه الكاتب الساخر عاصم حنفي قبيل أيام من ختام السمبوزيوم في جريدة القاهرة(9 مارس الماضي) وهذه الواقعة التي يكتبها أقرب إلي' الكوميديا السوداء' فقد كتب يقول' إن مسئولا جديدا تولي رئاسة حي الشيخ زايد وكانت باكورة أعماله تكسير قطعة من بين قطعتين نحتيتين تم اختيارهما لتجميل المدينة وعندما طلب منه عاصم حنفي تفسير هذا الفعل قال بجرأة يحسد عليها' إننا مسلمون لا نحب وضع هذه الأشياء وكما تعرف ربنا حرم التماثيل وجميع الأشكال الجمالية المماثلة' انتهي كلام رئيس الحي ولم تنته معركتنا مع القبح لأنها معركة تحتاج إلي فنانين يملكون خيالا جديدا وأمثال هؤلاء كانوا هنا في أسوان يستمعون إلي الحكاية ذاتها لكنهم يواجهونها بلا إحباط لأن سر حماسهم للمجيء إلي هنا بدأ من الرغبة في مواجهة هذا المناخ والنحت في الصخر''.
خامة للسحر كان السؤال الأول الذي قفز إلي ذهني وأنا في ساحة النحت الممتدة أمام الفندق الذي نزلنا فيه' ما الذي تحقق للسمبوزيوم بعد تسع سنوات' وجهت السؤال إلي فنان شاب شهد جميع النقاد المتخصصين لأعماله هو الفنان شريف عبد البديع والذي شارك في السمبوزيوم من قبل لكنه قال لي' جئت بحماس الباحث عن مؤشرات التغيير, ولامتحان حدسي القديم بأن الحدث قابل للتطور وأعترف لك صادقا بأن التطور كان أكثر مما توقعت هناك مزيد من الخبرة التي يمكن أن تلمسها في أداء الفنانين وفي عمل النحاتين المساعدين أصبح الآن لدينا جيش من الحرفيين المتدربين وهم فئة كانت علي وشك الانقراض والضياع في سوق العمل المعماري إلي أن أعطاها السمبوزيوم فرصة العمل من جديد. |
 | | من أعمال السمبوزيوم |
المرونة سر النجاح التفسير نفسه تكرر في الحوار القصير الذي دار بيني وبين الفنان الكبير صلاح مرعي وهو أحد الجنود المجهولين في تجربة السمبوزيوم التي يرعاها الفنان آدم حنين بحنان أبوي كما أنه عضو لجنته العليا التي تتولي اختيار الفنانين المشاركين فقد قال لي' من الصعب القول إننا دفعنا الفنانين للعمل لتبني اتجاه معين أو أن تقول إننا فشلنا في شيء وفشلنا في أشياء أخري ولكن من الممكن القول إننا نعمل بمرونة تسمح لنا بالتطوير في اتجاه خدمة الفكرة فقبل سنوات عملنا مع فنانين فطريين ثم تراجعنا لأن الفنان الفطري يحتاج إلي مجهود ضخم وتكاليف كبيرة لتطويع توجهه الواقعي كما تراجعنا عن فكرة ورش العمل لأن ورش السنوات السابقة وفرت لنا مجموعة من الفنانين أصبحوا بحاجة لفرصة كبيرة لإنجاز مشروعاتهم المؤجلة' الفنان ناثان دوس هو أحد أبرز الفنانين المصريين الذين شاركوا في دورة هذا العام وقدم عملا جميلا عنوانه' فرس النهر' مستلهم من الاسم الفرعوني' توريس' أي الخروج من البحيرة' وهو عمل يؤكد المهارات التقنية لصاحبه وقدراته في السيطرة علي الخامة لذلك يعتبر ناثان أن السمبوزيوم حقق له فرصة ذهبية في الاشتغال علي قطع جرانيتية كبيرة حتي إنه قال لي' بعد أن انتهيت من عمل فرس النهر تمنيت لو تحقق الحلم وأصبح السمبوزيوم معني يتجاوز القيمة الاحتفالية فنحن نريده بيتا مفتوحا يمكن أن نطرقه في أي وقت نحتاج فيه لأننا نحرر خيالنا من جمود السوق وفقر الخامات وهذا لن يتحقق إلا بعد أن يظهر المقر الدائم الذي وعدت به المحافظة' أما الفنان الشاب إيهاب اللبان الفائز بجائزة صالون الشباب فأكد لي أن حلمه الآن يتمثل في شيء واحد هو خروج القطعة التي عمل علي إنجازها طوال شهرين إلي النور لكي يراها الناس ويبدو أن وزير الثقافة فاروق حسني كان قد استمع إلي هذا المطلب أكثر من مرة ولذلك اختار أن يعلن في ختام هذه الدورة من أعمال السمبوزيوم أن القطع والأعمال النحتية ستجد طريقها إلي متحف مفتوح آخر يقام بالقاهرة في منطقة عين الصيرة وعلي طريق متحف الحضارة الذي يجري تنفيذه حاليا في منطقة الفسطاط. وقبل أن أساله عن موعد تحقيق حلم' المقر الدائم' قال لي محافظ أسوان اللواء سمير يوسف' في العام القادم إن شاء الله ومع الاحتفال بالعيد العاشر للسمبوزيوم سنفتتح أتيليه الفنانين والمقر الدائم وتم بالفعل تخصيص أرض علي مساحة3 آلاف فدان بجوار خزان أسوان وعلي الطريق المؤدي لمعبد فيلة وقد انتهي المهندس المعماري جمال عامر وهو أحد تلامذة حسن فتحي من التصميم المعماري للمبني بتكليف من وزارة الثقافة التي طرحت عملية تنفيذ العمل في مناقصة إنشائية بين شركات المقاولات كذلك أكد المحافظ أنه اتفق مع وزير السياحة السيد ممدوح البلتاجي علي إدراج المتحف المفتوح الذي يضم أعمال فناني السمبوزيوم علي خطة المزارات السياحية في المستقبل وبذلك يكون المهرجان حقق فكرته علي مستوي التسويق الخارجي. |
 | | وزير الثقافة ومحافظ أسوان يكرمان فنانى السمبوزيوم |
التحدي والاستجابة رحت إلي الناقد صبحي الشاروني وسألته هل حقق السمبوزيوم أهدافه فقال و أتصور أنه نجح في خلق جيل جديد من الفنانين الذين يتعاملون مع الجرانيت والمتمكنين من السيطرة عليه ومطلوب منه الآن وفي السنوات القادمة أن يخلق وظيفة جديدة لهذه الخامة في المجتمع المصري المعاصر الإجابة ذاتها تكررت علي لسان الفنان محمد سطوحي الأستاذ بجامعة الإسكندرية وهو يقول' إن هناك جيلا جديدا من الفنانين يمكن تكليفه بأي عمل ومن الممكن الاعتماد عليه فقد تمثل خبرة فنانين كبار عملوا معه من مختلف دول العالم وأستطيع القول إن التفوق في دورة هذا العام كان من نصيب الفنانين المصريين والمطلوب استثمار جهود هؤلاء الفنانين في الشارع المصري لتغيير وعيه الجمالي فضلا عن ضرورة تحقيق الهدف الأسمي وهو تحول أسوان إلي مدينة عالمية للنحت. وعندما عدت إلي شريف عبد البديع أكد لي أن النجاح الحقيقي للسمبوزيوم بدأ مع رحلة خروج بقية القطع النحتية المنتجة من أسوان إلي مدن مصرية أخري وهنا رجعت إلي الإحصائيات المهمة التي تضمنها الكتيب الأنيق الذي أعدته كتيبة العمل في صندوق التنمية الثقافية برئاسة صلاح شقوير وهي كتيبة تبدأ بإيمان عقيل مسئولة العلاقات العامة والتي يستطيع بها كل مسئول أن يخوض مشروعاته مطمئنا للنجاح بفضل فريق من الشباب المتحمسين ومن الكتيب عرفت أن ميادين أسوان تحتوي علي قطع من أعمال فناني السمبوزيوم علي مدي دوراته الماضية تليها القاهرة وتملك ميادينها8 قطع بخلاف أعمال لم توضع في أماكنها بعد أما الإسكندرية فتملك ميادينها7 قطع وتليها قنا التي حصلت علي عملين من بين أعمال السمبوزيوم وهناك مشروع ضخم تحت الإعداد في مدينة الغردقة لعمل نحتي يزن140 طنا للنحاته اليابانية هاركو ياماشيتا بتكليف من أحد المستثمرين ليوضع في إحدي القري السياحية هناك' من بعيد تبدو هذه الأرقام مطمئنة لكن أرجو أن تلاحظ عزيزي القاريء أنها مازالت ترتبط بالمدن التي تشهد نهضة عمرانية وخططا جمالية مرتبطة بانحيازات محافظيها للجمال ولا ترتبط بخطة عامة للتنسيق الحضاري كما لا تخضع لدراسات دقيقة حول طبيعة المكان ومدي ملائمته لاستقبال القطع الفنية ذاتها مما يجعلها عرضة للتغيير ويجعل حادثة الشيخ زايد قابلة للتكرار. وهنا سألت صلاح مرعي من واقع خبرتك كفنان ديكور كبير ما الذي يوقف عمليات اشاعة البهجة والجمال في الشارع المصري خاصة ما يتعلق بتقبل وجود تماثيل وقطع نحتية في الشارع فقال لي' أعتقد أن السبب هو شيوع ثقافة سائدة تربط التمثال بصورة' الصنم' الموجودة في الموروث الديني لكن البعض بدأ يقبل الفن التجريدي ويتسامح معه ولكن بقدر من الدهشة والمفارقة أن التجريد ذاته أحد أسباب التعطيل فهو إذا كان يسمح للمتلقي بالتعامل مع العمل الفني باعتباره ليس تشخيصا إلا أنه يشعر معه بغربة تمنعه من التآلف معه لأنه اعتاد علي أن العمل الفني لابد وأن تقف وراءه رسالة وأن يقدم معني وتغيير هذا التراث في التلقي يحتاج إلي وقت وأعتقد أننا نجحنا في هزيمة أعداء الخيال كما كتبت أنت العام الماضي علي الأقل لأن الناس لم تعد تعاملنا الآن كصناع لتماثيل' المساخيط' فقد تحول الحدث في أسوان إلي حدث شعبي وهذه هي أولي خطوات النجاح*
وزير الثقافة: لن نسمح بإزالة التماثيل
في تصريحات خاصة لـ الأهرام العربي قال فاروق حسني وزير الثقافة تعليقا عما نشر بشأن قيام رئيس حي مدينة الشيخ زايد الجديد بإزالة واحدة من قطع السمبوزيوم التي تمت إقامتها في المدينة إن الوزارة لن تستسلم لمثل هذه التصرفات وإن خطتها في إشاعة الجمال قائمة وستمضي قدما. وأشار الوزير إلي أن قرارا جمهوريا صدر بإنشاء جهاز التنسيق الحضاري الذي سيوقف مثل هذه الممارسات بقوة القانون الذي سيعرض علي مجلس الشعب في أقرب فرصة. |
|
 |
|
|
 |
|
|