
|
النبي يسأل الله الزيادة من كل خير |
 | |
د. مبروك عطية أستاذ ورئيس قسم اللغويات كلية الدراسات الإسلامية ـ جامعة الأزهر حمد الله علي نعمة الإسلام.. واجب علي كل مسلم أسوة برسول اللهدراسة جديدة تقوم علي استقراء السنة الصحيحة والسيرة النبوية المعتمدة لبيان أسئلة الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ التي سألها هو, حيث إن الشائع المعروف أن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا يسألون رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فيجيبهم ويفتيهم بالوحي, ولكن هل كان رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ يسأل؟ وما تلك الأسئلة التي سألها؟ وإلي من كان صلي الله عليه وسلم يتوجه بالسؤال؟ وهل كان يسأل ليعلم شيئا غاب عنه ـ صلي الله عليه وسلم ـ حتي يعلم جوابه ممن سألهم؟ إن الدراسة تقول: نعم, فهل هذا يتعارض ومقام النبوة العالي؟ وهل سأل ـ الرسول صلي الله عليه وسلم ـ ليعلم أصحابه, وما ثمرة التعليم بالسؤال؟ وإذا كان صلي الله عليه وسلم ـ سأل رجالا كثيرين وقال: من أنت؟ فهل يكون ذلك دليلا كافيا للذين يزعمون أن من البشر من تدخل عليه فيعرف: من أنت دون أن يسألك؟ ألا يستحي هؤلاء من إفساد عقيدة الناس, والتخلف عن ركب الحضارة التي وضع الإسلام أسسها بتطبيق المعصوم ـ صلي الله عليه وسلم ـ وعمله وقوله الذي كان السؤال من مبادئها, حيث إنه مفتاح العلم ولنا أن نقف عند سؤال النبي صلي الله عليه وسلم ربه الزيادة من كل خير في ضوء سنته الصحيحة المستمدة من نور القرآن الكريم الذي أمره ـ تعالي ـ فيه أن يسأله الزيادة من العلم, ومدخل الصدق, ومخرج الصدق, والسلطان النصير من لدنه ـ سبحانه وتعالي. روي الترمذي عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول:أفضل الذكر لا إله إلا الله, وأفضل الدعاء الحمد لله. وهنا نقف عند قوله عليه الصلاة والسلام:الحمد لله باعتباره أفضل الدعاء وأحسن السؤال, وذلك لأن المرء قد يسأل نفسه قائلا: كيف يكون الحمد لله دعاء, ومعلوم أن الدعاء: يارب أسألك الخير والعافية, والزيادة من كل خير, والغنيمة من كل بر, ونحو ذلك من الدعاء الوارد في أحاديثه صلي الله عليه وسلم؟ والجواب أن الحمد لله إنما كان أفضل الدعاء لأنه شكر لله علي النعمة, وشكر النعمة يحدث أمرين: بقاءها وعدم زوالها والاستكثار منها, قال الله ـ تعالي ـ في سورة إبراهيم:وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد, وقد أمر الحق ـ تعالي ـ رسوله صلي الله عليه وسلم أن يحمده, فقال عز وجلا وقل الحمد لله في آخر سورة الإسراء, وسمي الله ـ عز وعلا ـ رسوله صلي الله عليه وسلم, محمدا, وهو بصيغة اسم المفعول, الذي يحمده الخلق, فالحمد واقع عليه لما جاء به من خيري الدنيا والآخرة, ولأنه الهادي بإذن ربه إلي صراط الله المستقيم, ولأنه من علمنا الحمد, وجاء بالحمد, ولأنه صلي الله عليه وسلم ـ آخر النبيين وخاتمهم, والحمد يكون في الختام, ألا تري أن السنة أن يحمد المسلم ربه في خاتمة كل عمل, وقول, يبدأ باسم الله ويختم بحمد الله, فلما كان عليه الصلاة والسلام خاتما, ورسالته خاتمة الرسالات كان محمدا, وجاء اسمه في الذكر الحكيم محمدا وذلك معناه, وجاء في الذكر الحكيم أحمد وأحمد اسم تفضيل, ومعناه أنه أكثر الخلق جميعا حمدا لله عز وجل, وهو ـ عليه الصلاة والسلام ـ محمود الخصال والصفات, فالحمد ملازم له اسما وملازم له مسمي, والحمد لله ملازم لمن سبح ربه, فيقول:وسبحان الله وبحمده أمر بها الحق ـ سبحانه وتعالي ـ رسوله وأمته, فقال عز وعلا:وسبح بحمد ربك حين تقوم, وروي مسلم في صحيحه عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: ألا أخبرك بأحب الكلام إلي الله؟ قلت: أخبرني يا رسول الله, قال: إن أحب الكلام إلي الله سبحان الله وبحمده. ومن يتدبر القرآن الكريم يجد لحمد لله مواضع, منها قوله ـ عز وعلا:الحمد لله رب العالمين أول فاتحة الكتاب, وربما سأل المتدبر للآيات قائلا: ما النعمة التي اشتملت عليها آية الفاتحة؟ والجواب من جهات متعددة, فالحمد لله علي نعمة القرآن الكريم الذي هي فاتحته, والحمد لله علي نعمة التيسير والتخفيف ورفع العبء عن عباده, فهو رب العالمين الذي رزقهم وآواهم, ولو تصور الإنسان أنه رب العالمين مسئول عنهم, إفطارا وغذاء وعشاء وسعيا وريا وكساء لما استطاع تحمل الفكرة فضلا علي القيام بها وتحقيقها, فإن رب الأسرة المكونة من ثلاثة أفراد يئن من مسئوليتها, ومن تكن عنده مناسبة يدعو فيها مائة فرد علي عشاء يرهقه ذلك مدة من الزمن, مع أنه قدم لهم وجبة واحدة, فليحمدوا الله الذي رزقهم عمرهم, وآواهم في بيوتهم, وجعل لهم منها سكنا, لا يستريحون إلا فيه, ولك أن تشعر بجمال تلك النعمة وسرها حين تسمع من يقول:الإنسان لا يتذوق طعاما, ولا يشبع إلا في بيته, والإنسان إذا غير موضع نومه يؤرق, ولا ينام ولا يشعر براحة, وهب أنك سمعت العشرات والمئات يقولون لك: لا نتذوق طعاما ولا نشبع منه, ولا نحس راحة لنوم إلا في بيتك أنت, فهل يتسع بيتك لهؤلاء, وإن قلت بلسانك: يا مرحبا؟ وهل تتسع نفسك لهؤلاء جميعا وإن قلت بلسانك: أهلا؟ فقل الحمد لله الذي جعل لهم من بيوتهم سكنا, فرفع عنك الحرج, ورزقك ورزقهم, بل إنه تعالي رزق أولادك الذين هم في حضنك وحضانتك, فقال عز وعلا:ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا آية الإسراء, وقال سبحانه وتعالي:قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم آية الأنعام, وعلي الجملة يقول الحق ـ تعالي:وما من دابة في الأرض إلا علي الله رزقها آية هود فالحمد لله رب العالمين, ونجد قول الله تعالي من سورة الأنعام:فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتي إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين وموضع الحمد هنا قطع دابر الظالمين وهو نعمة, حتي يأمن العامل والساعي, وينام المجهد المتعب, ويتجر الأمين الصادق, الذي يبتغي الرزق الحلال, فيأمن علي تجارته وماله, ونري جميعا الحياة وقد صارت بعد قطع دابر الظالمين واحة أمان للصالحين, والمجتهدين, والمتعاونين علي البر والتقوي ونجد من مواضع الحمد في القرآن الكريم قوله عز من قائل:وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ومن هذه الآية الأخيرة من سورة الإسراء ندرك أن التوحيد نعمة, لأننا ندعو معبودنا ـ سبحانه وتعالي الذي لا يشرك في حكمه أحدا, وأننا جميعا في قبضته وحده, أمة واحدة, إلاهنا واحد, ألا تري قوله عز وجل في سورة( المؤمنون):ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم علي بعض, سبحان الله عما يصفون. ونجد الآية الأولي من سورة الكهف:الحمد لله الذي أنزل علي عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا فالقرآن الكريم من النعم الكبري, لأنه الهدي والرحمة والبشري, وقد يسره الله تعالي للذكر:ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وأنزله بلسان عربي مبين, لا غموض فيه ولا التواء في أساليبه ولا غموض في معانيه, يأمر بالمعروف, ويدعو إلي الحياة, وينهي عن المنكر والتهلكة, تلاوته عبادة, ونور, يثاب قارئه وسامعه, ولا تمل النفس من تكرار تلاوته, لا تنتهي أسراره, ولا يخلق جديده, ولا يجف نبعه, وصفه من استمع إليه من الكافرين فقال منصفا: إن له لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإن أعلاه لمثمر, وإن أدناه لمغدق, وأنه يعلو ولا يعلي عليه ومن مواضع الحمد في القرآن الكريم الحمد علي نعمة الدين, اقرأ في سورة الأعراف قول الله عز وجل:وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق. وقد عرف عن سادتنا من الصحابة أن أحدهم كان إذا أصيب بشيء قال:الحمد لله الذي لم يجعل مصيبتي في ديني فكل مصيبة تهون إن لم تأت في الدين, لأن كل شيء خلا الدين يعوض, ونجد بديلا له, ربما يكون أفضل منه, قال النبي صلي الله عليه وسلم للتي أخبرته بأن رجلين من الصحابة خطباها ورغبت أن يختار لها أحدهما رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال لها: انكحي أسامة بن زيد, ولم يكن أسامة أحدهما, قالت: فكرهته, فقال صلي الله عليه وسلم تزوجي أسامة بن زيد, فتزوجته فوجدت فيه خيرا, والحق تعالي يقول:وعسي أن تحبوا شيئا وهو شر لكم, ومن سافر من بلد يحبها إلي بلد بعيد فلربما وجد في البلد البعيد رزقا أوسع وعيشا أرغد, ووجد فيه أوسا وخزرجا ومن عمود إلي عمود تجد لله فرجا, وقد تنتهي العلاقة الزوجية بالطلاق, والقرآن الكريم لم يصور الطلاق خراب بيوت كما يصوره الناس, وإنما قال سبحانه وتعالي في سورة النساء:وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته قال المفسرون:يبدله خيرا منها, ويبدلها خيرا منه, وهكذا تجد كل شيء له عوض وبديل, وربما كان العوض خيرا من المعوض عنه, لكنك إذا فارقت الدين فلن تجد له عوضا, وصدق الشاعر حيث قال: لكل شيء إذا فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض هكذا, ويأتي الحمد علي النعمة الخاصة في القرآن الكريم, جاء في سورة إبراهيم:الحمد لله الذي وهب لي علي الكبر إسماعيل وإسحق إن ربي لسميع الدعاء, فقد حمد خليل الله ـ ربه الذي وهب له علي الكبر إسماعيل وإسحق, فتحققت دعوته واستجيب له, إذن فالحمد لله في كتاب الله مصدرنا الأول وملاذنا الأول ومرجعنا الأول متعدد النواحي. وهذا يجعلنا نخاطب أنفسنا قائلين: ألم يأن لنا أن نحمد الله ـ عز وعلا ـ علي جميع ما وجهنا إليه من هذه المواضع وغيرها, وأن نقول لكثيرين: احذروا وانتبهوا يا من تظنون أن نعم الله كلها مجسدة في المال, فأنتم لا تحمدون الله ربكم إلا علي تلك النعمة, تري الإنسان ذكرا كان أو أنثي إذا أمسك الأوراق المالية في يده قال: الحمد لله, وإن غابت عنه قليلا أرغي وأزبد, وتبرم وتذمر, وتناسي سائر النعم وأنكر, أفلا يذكر مثل هذا المسيء إلي نفسه أن في عينيه بصرا, وفي أذنيه سمعا, وفي لسانه نطقا وبيانا, وفي ساقه قدرة وطاقة وحركة, أليست هذه من النعم التي يلوم فيها الخلاق العظيم سبحانه وتعالي من ينكرها, فلا يشكره عليها, فقال سبحانه وتعالي:قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون وأن نعمة من هذه النعم إذا ابتلي فيها الإنسان صرخ ونادي, ودعا ورجا وتمني, وقال: الدنيا جميعا فداء عيني, ألا يري من فقد تلك النعمة ووفقه الله تعالي فصبر وهو لا يري نفسه ولا أبناءه ولا زوجه, ولا يمشي إلا ومعه مرافق يصحبه, أما زار يوما مريضا له في مستشفي فوجد المرضي نائمين علي الأسرة والأنين صوتهم, والتوجع موسيقاهم, والألم فراشهم, هذا مكسور, وهذا مبطون( يشكو بطنه), وهذا يشكو تليف كبده, أو فشل وظيفته, ألا يحمد الله علي أنه زائر حتي إذا ما جاء يوم كان فيه مزورا مثلهم لطف الله بحاله, أليس منا معشر الحامدين علي المال فقط من رزق زوجة صالحة تسر عند النظر بابتسامة, وتبر عند القسم بطاعة, وتحفظ زمن المغيب بطهارة, ويرضيها القليل مع حسن العشرة, ولين الكلام, أليست من النعم التي تستوجب الحمد والشكر لتعم البركة, ويهدأ السكن, وتتحقق المودة والرحمة! أليس منا من رزق نعمة الولد الصالح, سليم الجسم والنفس, والمتفوق في طلب العلم, البار بوالديه, الذي فيه قرة العين حين تراه يصلي ويذكر الله, وينكب علي كتابه, لا يرهق والديه طغيانا وكفرا ثم إن بعض هؤلاء إذا عد المال فلم يجد عدته مشبعة لنفسه ونهمه, وضعه في جيبه علي هون, فإن قال له قائل: احمد الله قال بوحي من شيطانه( علي إيه؟... دول كم؟) وصاح: هذا ليس مالا, وهذه ليست أجرة, أتعد الملاليم أجرا وحقا! فلو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء, لأنه سبحانه وتعالي بعباده خبير بصير, وقليل يكفيك خير من كثير يطغيك, فاحمد الله, فإن حمد الله أفضل الدعاء*
|
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|