366‏السنة 123-العدد2004مارس27‏6 صفر 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

راية الحجاب

سهام ذهني


مصرية أنا‏,‏ نعم‏.‏
عربية‏,‏ طبعا‏.‏
في وجداني حضارة سبعة آلاف عام‏,‏ بالتأكيد‏.‏
في شراييني تسري الحضارة الإسلامية‏,‏ بدون شك‏.‏
بالإضافة إلي قبس من الحضارة الغربية قد انغرس في روحي‏,‏ يحمل غلاف أحد أهم فصوله عنوان‏:‏ باريس‏.‏
بين باريس ولندن ياما عشت في الخيال خلال سنوات تكوين المفاهيم الرئيسية عندي عبر قلم الروائي الإنجليزي الرائع تشارلز ديكنز عندما كنا ندرس روايته العظيمة قصة مدينتين في مرحلة الدراسة الثانوية‏.‏ وظلت باريس في خيالي رمزا للحرية‏,‏ وانغرس إسقاط سجن الباستيل في وجداني كراية للمناضلين من أجل النور والمساواة والديمقراطية‏,‏ فصرت أستلهم صوت فيروز وهي تغني باريس يا زهرة الحرية وأردد مثل الجمهور العربي من ورائها يا وهج التاريخ يا باريس‏.‏ لتصبح العاصمة الأوروبية الوحيدة التي غني لها العرب كرمز للحلم الإنساني في الحرية والإخاء والمساواة‏.‏
وعندما جاء موقف فرنسا أخيرا المختلف مع أمريكا حول احتلال العراق كان الأمر منسجما تماما مع مكانة فرنسا في عيوننا‏,‏ إلي أن كان القرار الخاص بالحجاب الذي انفجر عبر المدارس الفرنسية بمنع الرموز الدينية من المدارس‏,‏ وكأن فرنسا تضع بذلك من ناحية إشارة العد التنازلي عكس ما عرفته الدنيا عنها من إعلاء للديمقراطية وحرية العبادة‏,‏ وبالتالي ضرورة عدم خلط الأوراق تحت ستار العلمانية وعدم تفصيل القوانين علي طريقة دول العالم الثالث بإدخال رمز من الدين المسيحي هو الصليب مع رمز من الديانة اليهودية وهو الطاقية والتسوية بينهما وبين الحجاب في الإسلام‏,‏ في حين أن الحجاب في الإسلام فرض وليس رمزا‏,‏ بالتالي فإن منع المسلمة من ارتدائه هو بمقاييس الديمقراطية يعتبر تدخلا في حرية ممارسة الطقوس الدينية في فرنسا المؤمنة بحرية العبادة‏.‏
أما علي الجانب الآخر الخاص بنا نحن فعند التعامل مع قضية الحجاب بوضعها في السياق العام الذي ظهرت فيه يجعلنا لا يجب أن نتعامل معها كما يردد البعض باعتبارها قضية ليست أساسية ولا يجب أن تلهينا عن قضايا جوهرية‏,‏ فالمشهد البانورامي الذي تدور فيه الأحداث هو في نظرة شاملة عليه يبدو كمشهد جديد لهواننا علي الآخر‏,‏ أو هو حلقة في سلسلة لن تتوقف إذا ابتلعنا الهوان الذي يتضمنه وتركناه يمر‏.‏ أليس صدام حسين شخصا مكروها مني ومن الكثيرين‏.‏ مع ذلك فقد بدت صورته تحت يدي القوات الأمريكية باعثا علي هواننا علي أنفسنا وعلي الآخرين‏.‏
فما بالنا بإجبار الفتيات المسلمات في المدارس الفرنسية علي خلع الحجاب وكأنه اختبار جديد للدرجة التي وصل إليها هواننا علي أنفسنا‏.‏ فصحيح أن تصرفات بعض المتشددين من المسلمين المهاجرين في فرنسا ممن يسيء بعضهم فهم الإسلام قد استفزت بعض الفرنسيين في مجالات عديدة مثل المستشفيات والشواطيء‏,‏ إنما الأمر يختلف بالنسبة لمن تحرص علي الالتزام بالزي الذي يأمر الإسلام به‏.‏ لقد تصورت عند بداية إثارة القضية أن علي المسلمين المتشددين أن يكفوا عن تشددهم من ناحية وأن علي المعتدلين من ناحية أخري توضيح الاختلاط في الأوراق واختلاف الحجاب عن الرموز في الديانات الأخري‏.‏ لكن ما إن أعلن شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي أن الحجاب أمر ديني في الإسلام‏,‏ مع ذلك فإن قرار فرنسا بمنعه هو شأن داخلي فرنسي عندما تقبل به المسلمة في فرنسا فإن قبولها به يكون باعتباره من الضروريات التي تبيح المحظورات حتي انبرت جوقة من المتغربين في مصر فاقتطعوا كلام شيخ الأزهر‏,‏ بأن تجاهلوا تماما قوله إن الحجاب أمر في الدين الإسلامي واكتفوا من كلامه فقط بأن منع الحجاب شأن فرنسي داخلي واحتموا باستشهادهم بجملة مقتطعة من كلام فضيلة شيخ الأزهر ليهاجموا الحجاب أو الزي الإسلامي جملة وتفصيلا ليس في فرنسا فقط‏,‏ وإنما في مصر وفي حياة كل امرأة مسلمة‏.‏ منهم من ادعي أن ارتداء المصرية للحجاب يسبب القهر‏,‏ حيث هناك علي حد زعمهم من يجبرها علي الحجاب‏,‏ متجاهلين أن الكثير من المحجبات ترتدي الحجاب في أسر معارضة أصلا للحجاب وفي مهن تمنع ارتداءه‏.‏
ثم منهم من يخلط بجسارة الحجاب بأشياء أخري‏,‏ في حين أن كلمة الحجاب هي التسمية الشائعة للزي الإسلامي الذي من المفروض ألا يظهر فيه من المرأة سوي الوجه والكفين‏,‏ وأن له شروطا بألا يصف الجسم وألا يشف‏.‏ مع ذلك فإننا نجد من يقول كيف تختصرون الدين في قطعة قماش علي الرأس‏.‏ ليست قطعة قماش يا سادة بل إن تغطية الشعر هي استكمال لارتداء الملابس التي لا تصف الجسم ولا تكون شفافة‏,‏ وهو مظهر لجوهر يتضمن الالتزام بآداب الدين المختلفة‏.‏ فيقولون هناك من تغطي شعرها بينما ملابسها ضيقة ومثيرة‏.‏ يا عالم من تغطي شعرها فقط بهذه الطريقة ليست ملتزمة بالزي الإسلامي كاملا‏,‏ إنما هي في طريقها للالتزام إن شاء الله‏,‏ مع مراعاة الصراع الذي تعاني منه بعض اللاتي يحرصن علي الالتزام بينما يحيط بهن كل ما يبهر ويزين ما تأتينا به الحضارة الغربية من أزياء‏.‏
وهناك من تجرأ ولم يكتف بالطعن في المحجبات وإنما تجرأ إلي الطعن في الحجاب نفسه بأن قالوا إن الحجاب لم يأمر به الإسلام أصلا ـ وأنا أستخدم هنا كلمة الحجاب باعتباره التسمية الشائعة للزي الإسلامي ـ وتعاملوا مع تصريحات فضيلة شيخ الأزهر عقب لقائه بوزير الداخلية الفرنسية علي طريقة لا تقربوا الصلاة أو بأسلوب نؤمن ببعض ونكفر ببعض‏,‏ بينما فضيلة شيخ الأزهر لم يبن رأيه حول إمكانية خلع المسلمة الحجاب في المدارس الفرنسية‏,‏ لم يبن هذا الرأي علي أساس أن الحجاب ليس فرضا‏.‏ بل أكد وفي بداية تصريحاته أن الحجاب فرض وأمر علي المرأة المسلمة الالتزام به‏,‏ ثم أضاف أن للمسلمة أن تخلعه في المدارس الحكومية الفرنسية بناء علي القاعدة الفقهية التي تتضمن أن الضرورات تبيح المحظورات‏,‏ وأن تنفيذ المسلمة لقوانين دول غير إسلامية هو ضرورة تبيح المحظور‏,‏ أي أنه محظور علي المرأة المسلمة في الظروف العادية ألا ترتدي الحجاب مؤكدا أن الحجاب أمر وارد في القرآن الكريم‏.‏
لكن بعض المتغربين المصريين يقتطعون كلام شيخ الأزهر ليبدو وكأن عدم معارضته لقرار الحكومة الفرنسية ينبع من أن الحجاب ليس فرضا‏.‏
لذلك فإننا نطالب شيخ الأزهر بأن يكرر بوضوح ما سبق أن أعلنه من أن الحجاب هو أمر ديني علي المسلمة الالتزام به‏,‏ وأن علي الذين يستشهدون بتصريحاته أن يأخذوا بها مثل باكيدج أو حزمة كلها علي بعضها‏,‏ دون اقتطاع كلامه حيث يوصي الاقتطاع بما لم يقل‏,‏ وحيث يستفيدون بهذا الاقتطاع في تدعيم ما يقومون به من لوي لعنق النصوص الدينية فيصيحون علي شاشات بعض الفضائيات أن الحجاب ليس فرضا‏,‏ وأن هناك خلافا بين الفقهاء حول الحجاب بما يؤدي إليه إذاعة مثل هذا الكلام من تشويش علي بعض الفتيات ووضعهن في حيرة ما بين ارتداء الزي الملتزم وبين تقليد ما يصدره إلينا الغرب من أزياء وعري‏.‏