366‏السنة 123-العدد2004مارس27‏6 صفر 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الإصلاح والقضية الفلسطينية‏...!!‏

د‏.‏ عبدالمنعم سعيد


لم يدهشني كثيرا قول مسئول عربي مهم في واحد من الاجتماعات الحزبية العربية أنه ليس معقولا أن تطالبنا الولايات المتحدة بحماية حقوق الإنسان بينما تنتهك هذه الحقوق يوميا من قبل إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني‏.‏ وبعد أن وضع هذه المقدمة الدرامية راح يؤكد بأسف ظاهر علي أن مثل هذه المعايير المزدوجة التي تتباكي علي المواطنين العرب في بلادهم ولا تذرف دمعة واحدة علي الفلسطينيين هو مصدر الشك والخوف من المبادرات الإصلاحية الغربية وفي مقدمتها ـ بالطبع ـ تلك القادمة من الولايات المتحدة‏.‏ وكان انعدام الدهشة راجعا إلي أن مثل هذا المنطق سائد في المنطقة العربية بطريقة مثيرة‏,‏ فلا ترد جمعا سياسيا أو غير سياسي إلا وجدته ذائعا ومنتشرا‏,‏ وهو يستخدم مرة لتبيان النفاق الغربي‏,‏ ومرة أخري لتبيان عدم الجدية الغربية‏,‏ ومرة ثالثة علي سبيل المساومة فنحن ـ أي العرب ـ علي استعداد لحماية حقوق الإنسان إذا كان الغرب علي استعداد لحماية حقوق الفلسطينيين‏,‏ ومرة رابعة للتباكي علي أحوال العالم التي صارت تتحكم فيها امبراطورية لا تعرف من أمرها أو من أمر العالم شيئا‏.‏
وعندما نتأمل ذلك كله سوف نجد أنفسنا أمام كارثة فكرية وسياسية وأخلاقية لا شك فيها‏,‏ فمعني ذلك أولا أننا جعلنا حقوق المواطنين العرب‏,‏ وعملية الإصلاح العربي‏,‏ رهينة للقضية الفلسطينية‏.‏ ومنذ عام‏1948‏ ـ أي منذ حوالي ستة وخمسين عاما أو ما يزيد علي نصف قرن ـ فإن هذه القضية معلقة لأسباب كثيرة علي جداول الأعمال العربية والعالمية‏,‏ ولا يعرف أحد عما إذا كانت هذه القضية سوف تستمر معنا لنفس المدة أو أكثر‏.‏ وطالما أن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بالموضوع‏,‏ وطالما أن بقية دول العالم لا تري منفذا لحل الصراع دون القيادة الأمريكية‏,‏ وطالما أن الشعب الإسرائيلي يؤيد شارون‏,‏ وطالما أن الشعب الفلسطيني عجز عن إقرار سلطة وطنية فلسطينية واحدة لها إستراتيجية واحدة لا تختلف حول هدف النضال الفلسطيني وإستراتيجيات تحقيقه فمن المرجح أن الصراع سوف يستمر معنا لعقود طويلة قادمة‏.‏ وخلال هذه الفترة فإن رقبة المواطن العربي وحقوقه سوف تظل معلقة علي الحائط الفلسطيني ولن يهتم أحد بمصيره وحياته‏,‏ وهو نوع من الاختطاف والارتهان لم تسبقنا إليه أمة من الأمم‏.‏
وثانيا فإن رهن قضية الإصلاح وحقوق الإنسان بحل القضية الفلسطينية وحصول المواطن الفلسطيني علي حقوقه يؤكد علي ما يقوله الأمريكيون من المحافظين الجدد إن القضية الفلسطينية تستخدم من قبل نظم سياسية تمتهن حقوق الإنسان لصرف الأنظار عن تصرفاتها وسلوكياتها‏,‏ ويعد تجسيدا للمعايير المزدوجة العربية التي تدافع عن حقوق الإنسان في كل مكان في العالم‏,‏ وتشارك في الحفاظ علي نظافة الانتخابات في كل ركن في الدنيا‏,‏ ولكنها ليست علي استعداد لقبول هذا أو ذاك داخل حدودها باعتباره تدخلا أجنبيا واختراقا للسيادة العربية التي لا تستخدم أبدا إلا في هذا الموضوع دون غيره من الموضوعات الاقتصادية والأمنية‏.‏ وهكذا‏,‏ ودون أن ندري‏,‏ ينقلب السحر علي الساحر‏,‏ ولا تبدو القضية الفلسطينية قضية مركزية ومحورية كما نقول وإنما مجرد غطاء لأوضاع إنسانية وسياسية مزرية طالت لسنوات وعقود طويلة‏.‏
وثالثا فإن رهن حقوق الإنسان العربي وعملية الإصلاح السياسي والاقتصادي في الدول العربية بحصول الفلسطينيين علي حقوقهم يعني أننا من ناحية لسنا جادين في عملية الإصلاح التي ندعي أننا نقوم بها بالفعل‏,‏ وفي أحوال أخري تمت بالفعل‏,‏ ومن ناحية أخري فإن الإنسان في كل بلد عربي ليس له قيمة مستقلة بعيدا عن الجمع العربي كله‏.‏ وهذا القول يثير إشكاليات كبري‏,‏ فالأصل في الموضوع أن كل إنسان عربي‏,‏ وكل بلد عربي‏,‏ له كيانه الذاتي الذي ينبغي احترامه والذود عن حقوقه بكل الطرق‏.‏ فحقوق الإنسان وحقه في المشاركة السياسية واتخاذ القرار السياسي من خلال الأساليب الديمقراطية المعروفة هو من الحقوق الأصيلة في المواثيق والعهود الدولية‏,‏ بل إنه جزء لا يتجزأ من الحقوق الطبيعية للإنسان‏,‏ والتي لا يمكن نزعها عنه لأن بلدا عربيا آخر لايزال يرزح تحت نيران الاحتلال‏.‏ ومن هنا فإن قيمة الإنسان العربي توضع في الميزان وعلي محك التجربة العالمية كلها فلا يبدو بالكرامة والأهمية التي يتحدث بها العرب عن أنفسهم‏.‏
ورابعا أنه فضلا علي فساد الحجة من الناحية الأخلاقية فإنها لا تقل فسادا من الناحية السياسية والتفاوضية‏,‏ فعندما نرهن احترام حقوق الإنسان العربي بإرادة شارون فإننا نكون قد سلمنا بورقة مساومة مهمة وأعطيناها مجانا للجانب الإسرائيلي حتي يعترف بهوان المواطنين العرب‏,‏ ويدعي أنه هو الديمقراطية الوحيدة في المنطقة‏,‏ ويزعم أكثر أنه إذا كان العرب يخالفون حقوق الإنسان العربي‏,‏ فماذا سوف يفعلون يوما ما مع حقوق الإنسان اليهودي‏.‏ ولن تجد إسرائيل مشقة كبيرة في البحث في السجلات العربية ليس فقط عن غياب حقوق الإنسان العربي بل القسوة الشديدة في التعامل مع الأقليات العرقية والدينية من أكراد وشيعة وأمازيغ وغيرهم لكي تجعل قسوتها إزاء الشعب الفلسطيني مبررة بتراث غير مشرف للمنطقة‏.‏ وهكذا تنقلب الورقة التفاوضية وتصير عبئا علينا بدلا من أن تكون سندا لنا‏.‏
وربما كان الأهم خامسا ليس فقط أن حقوق الإنسان العربي مهمة في حد ذاتها لأن الذات الإنسانية واجبة الاحترام وحفاظ كرامتها وحقها في الحرية والتقدم‏,‏ وإنما أيضا لأنها هي المصدر الأساسي للقوة في كل بلاد العالم‏.‏ ولو راجعنا سجلات دول العالم جميعا لوجدنا أن أكثرها تقدما‏,‏ وأكثرها غني‏,‏ وأكثرها علما‏,‏ وأكثرها قوة‏,‏ هي تلك الدول التي تعلي من شأن حقوق الإنسان‏,‏ وتتوسع في الحريات العامة‏,‏ وتحقق المشاركة في اتخاذ القرار السياسي‏.‏ ولا توجد هناك مصادفة في أن بلادنا العربية ليست واقعة ضمن هذا الإطار من الدول حتي عندما يتوفر المال‏,‏ فهو لا يصير قوة‏,‏ ولا يصير غني‏,‏ إلا في يد الإنسان الذي يمتلك مصيره‏,‏ والقادر علي المشاركة والتعبير عنها من خلال أساليب وأدوات سياسية منها تشكيل الأحزاب والجمعيات وإصدار الصحف إلي آخر ما هو معروف من أساليب ديمقراطية‏.‏
وربما كان هذا هو لب الموضوع كله في الحوارات الذائعة عن الإصلاح في العالم العربي اليوم‏,‏ فلا ينبغي أن تكون حقوق الإنسان العربي رهنا بقضية مهما كان نبلها وأهميتها ومركزيتها‏.‏ وفي حالة القضية الفلسطينية فإن النضال من أجلها لن يكون أبدا بعدم احترام حقوق الإنسان أو من خلال الاستبداد السياسي‏,‏ وإنما سوف يكون عندما نطلب حقوق الفلسطينيين حتي يكون لديهم نفس الحقوق الموجودة لدينا في البلدان العربية المختلفة‏.‏ أي إن القضية ليست أننا نسعي إلي حصول الفلسطينيين علي حقوقهم ثم نقوم بمساواة مواطنينا بهم‏,‏ بل إن المسألة هي العكس تماما‏!.‏


للرد على المقال أضغط هنا