366‏السنة 123-العدد2004مارس27‏6 صفر 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

كل سنة وأنت طيبة

عاطف حزين


ضحكت كثيرا عندما سألني زميل تونسي علي الهاتف‏:‏ ماذا تطلب من قادة القمة العربية التي ستنعقد في تونس‏,‏ وما التوصيات التي تتمني أن يتبناها القادة العرب؟
فهل يصدق حقا زميلي التونسي أن ما سيعقد في بلده قمة عربية بجدول أعمال تم وضعه بعناية شديدة‏,‏ وأن أصحاب المعالي والفخامة سيتفقون علي توصيات نافذة علي أتخن تخين في العالم؟‏!‏
وحياة رأس سيدي منصور يابابا وكمان سيدي بوسعيد ياماما‏,‏ لا شيء يمكن أن يقال بعد أن ضاعت بغداد مثلما ضاعت القدس‏,‏ وهذا لن ينفي أن قمة تونس رغم أنها قمة عادية دورية ستدخل التاريخ من أوسع أبوابه لدرجة أن التوانسة كانوا سيندمون كثيرا لو عقدت في مكان آخر‏,‏ فهذه القمة ـ بالذات ـ هي التي ستشهد اتفاق زعماء العرب جميعا ولأول مرة علي قلب رجل واحد‏,‏ فلا خلاف اليوم بين زعيم وزعيم‏,‏ أو بين دولة وشقيقتها‏,‏ فكلنا بالصلاة علي النبي أصبح لدينا أم واحدة قلنا لها يوم‏21‏ مارس‏:‏ كل سنة وأنت طيبة يا ماما‏,‏ وعقبال مليون سنة وأنت كاتمة علي أنفاسنا‏,‏ وقاتلة حاضرنا‏,‏ ومدمرة مستقبلنا وأكلانا لحم ومقرقشانا عظم‏,‏ وحين جاءت لحظة تقديم هدايا عيد الأم حرص كل منا علي تقديمها سرا بعيدا عن عيون شقيقه‏,‏ فلابد أن الذي سيقدم هدية أكبر وأعظم سيفوز بكام دعوة زيادة‏,‏ وطبعا ليس هناك حجاب بين السماء وبين دعوات الأم‏,‏ خصوصا لو كانت أما عفية مفترية وقوية‏(‏ في الحق طبعا‏)‏ زي مامتنا‏.‏
لكن هناك نكتة لم أقلها إلي زميلي التونسي‏:‏
زمان كنا نسمع أن الزعماء العرب حين كانوا يغلقون عليهم الأبواب بعيدا عن الصحافة والإذاعة والتليفزيون هاتك يا شتيمة وسب ولعن في بعض‏.‏ وكانت الشتيمة المعتمدة أيامها بينهم هي‏:‏ يا خاين‏..‏ يا عميل الأمريكان فهل يجرؤ زعيم من الزعماء علي التفوه بمثل هذه الألفاظ الأبيحة في تونس؟ مستحيل طبعا‏,‏ فاللعب أصبح علي المكشوف‏,‏ ومن كان يحتفظ في الماضي بقناة اتصال سرية مع ماما ثم يأتي إلي مؤتمرات القمة مزايدا مدعيا الشرف والكرامة والقومية والاستقلالية والملوخية‏,‏ أصبح محروما الآن من الكلام الحنجوري لذلك أظن أن الزعماء العرب سينشغلون بما هو أهم من الاحتلال الأمريكي للعراق بما يرتكبه من قتل الأطفال والعواجيز والصحفيين دون أن يهتز جفن الحاج كوفي عنان قائد عموم الأمم المتحدة‏.‏ سينشغلون ـ بالتأكد ـ بما هو أهم من جدار شارون العازل الذي بناه بمباركة منا جميعا ليصبح أمرا واقعا غير قابل للمناقشة‏,‏ تماما مثل احتلال إسرائيل لفلسطين عام‏.1948‏ سينشغل القادة بشيء آخر يدعو بالفعل إلي الانشغال وسهر الليالي‏(‏ ليس له علاقة بالفيلم الجميل أو بأغنية فيروز‏)‏ فبقدر طاعة الزعماء لأمريكا وعدم اقتراف أي فعل ينطوي علي نوع من التمرد أو يفهم منه ـ لا سمح الله ـ أنه مجرد اعتراض‏,‏ رغم كل ذلك وبدلا من الشكر والإشادة فوجئوا بحكاية الإصلاح وفرض الديمقراطية والحرية وضرورة إجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة‏,‏ يعني بالمفتشر كده‏:‏ شرفتونا الشوية دول وسمعونا السلام عليكم‏.‏
ولابد أنهم سيسألون بعضهم‏:‏ كيف نرضي الست الحاجة ولا نغضبها‏,‏ لأن غضبها من غضب ربنا‏,‏ ولكن المشكلة في إصرارها علي حكاية الإصلاح والانتخابات والديمقراطية والتي تحتاج إلي إعداد طويل لشعوبنا حتي لا تتحول الديمقراطية إلي بندقية تصيب الذي يمسك بها ولا يجيد استعمالها‏,‏ ياريت ماما تسمح لنا بفرصة عشر سنين قولوا عشرين حتي تصبح الناس مهيأة لحكم الديمقراطية‏,‏ الشعوب بتاعتنا وأنتم سيد العارفين ليست هي الشعوب الأوروبية المتحضرة‏,‏ كما أن ماما أمريكا لا تعرف أن شعوبنا جاهلة لا تفرق بين مظاهرات التعبير عن الرأي وبين النهب والسرقة والتدمير‏,‏ والا إيه يا جماعة؟
لن يختلف الزعماء كثيرا حول هذا المفهوم‏,‏ وستكون أول توصية تحظي بالإجماع ـ لكنها لن تكتب أو تعلن ـ هي توجيه الشكر لماما أمريكا لأنها لا تنام الليل من أجل حرية وديمقراطية ورفاهية رعاياها العرب الذين يحتلون جزءا كبيرا من شرقها الأوسط الكبير‏,‏ ونعاهدكم علي بدء مشروع الإصلاح باعتباره السبيل الأوحد لنهضة شعوبنا ولحاقنا بركب التقدم‏,‏ وحتي يؤتي هذا المشروع ثماره حبذا لو سبقناه بمشروع محو الأمية السياسية لدي شعوبنا حتي يتهيأوا تماما للتجربة الديمقراطية والانتخابات الحرة النزيهة بعد عشرين سنة‏..‏ قولوا إن شاء الله ويابخت من يعيش‏.‏