
|
الأواني المستطرقة |
 | |
ممدوح عدوان ذات يوم قال أحد المسئولين تعليقا علي كثافة الهجرة الداخلية من الريف إلي المدينة, انتظروني عشر سنين وسأتكفل بأن أعيدهم كلهم إلي قراهم. وكان هؤلاء المهاجرون قد انتقلوا إما بسبب مهام وظيفية أو حزبية أو بسبب الرغبة في التوظف والارتياح من العمل في الأرض الزراعية. واستطاع هؤلاء المهاجرون الداخليون أن يستأجروا أفضل الشقق ويسكنوا أفضل الأحياء. وذلك بفضل دخولهم عوالم التجارة, أو بفضل الجمعيات السكنية التعاونية. وكان ذلك مكسبا غير متوقع لهم. بعد فترة أقل من المهلة التي طلبها المسئول, كانت الأسعار قد ارتفعت إلي حيث عجز معظم المهاجرين عن تلبية حاجاتهم اليومية في المدينة, ناهيك عن المواصلات وارتفاع الضرائب, وعن أن الأولاد قد كبروا وزادت متطلباتهم المعيشية والدراسية. ويريدون أن يكونوا مثل أبناء المدن في لباسهم ومصروفهم. وصار المهاجر الموظف يستعين بأهله الذين تركهم في القرية لكي يعينوه ببعض المؤونة والمصروف أحيانا. وقد بدأ بعضهم يؤجر بيته للسياحة في الصيف ويذهب لقضاء العطلة عند أهله في القرية. وحين يكون في المدينة يري نفسه عاجزا عن الجلوس في مقهي أو الذهاب إلي السينما, ويفضل أن ينتقل في المسافات المعقولة علي رجليه, مع الأيام لم يعد الاستمرار ممكنا. فباع معظمهم بيته, أو أخذ خلو رجل علي البيت الذي يستأجره, وسكن في الضواحي, وعاد بعضهم أدراجه إلي قريته ومعه مبلغ معقول يري نفسه به مليونيرا. كما تذكر كثيرون منهم أن لديهم أراضي كانوا قد هجروها أمام إغراء الهجرة. هذا الطرد التدريجي لأبناء الأرياف تم بصمت ودون ضجيج. ولم يستطع أحد أن يحتج علي شئ. وقد حدث الشئ ذاته لأوضاع المثقفين في المدن. كانت هناك مقاه ومنتديات يجلس فيها المثقفون للتسلية وتبادل الأحاديث والمناقشات. وكان الإنفاق اليومي علي هذه المسائل معقولا. مع الأيام بدأت هذه المقاهي تغلق أبوابها. وقبل المثقفون الانتقال إلي المقاهي الأخري التي فيها لعب طاولة زهر وورق. وكانوا قد هجروها لكي يجدوا أجواء أخري ينسجمون فيها بعيدا عن الضجيج. وفي دمشق كان هناك وضع خاص لتلك المقاهي. ففيها كانت تدار أهم الأحداث السياسية. وكان مقهي الهافانا والبرازيل, مثلا, ملتقي السياسيين والأدباء والمثقفين. كما أن مطعما خاصا من هذا النوع كان يستوعب المثقفين مقابل فنجان قهوة أو زجاجة بيرة بسعر معقول ودون إكسسوارات أو مازاوات. لكن موجة التحديث لحقت تلك المقاهي. فتحولت هي الأخري إما إلي بوتيكات أو مطاعم أو سناكات. والمكان الذي لم يتغير تغير جوه. فارتفعت أسعار القهوة والشاي. وأخذ أحد الأثرياء مثلا مقهي الهافانا وتركه مقهي كما كان. لكن بأسعار سياحية. وحجته بسيطة. الذي لا يستطيع أن يدفع لا يحتاج إلي الجلوس هنا. وبالتالي حسب وجهة نظره تحدد هويات الزبائن حسب أوضاعهم المادية. ولنا أن نتصور مقهي في أحد الفنادق يبلغ ثمن فنجان القهوة فيه مائة وخمسون ليرة سورية ثلاثة دولارات لبلد متوسط الدخل فيه خمسة آلاف ليرة مائة دولار. وبدأ المثقفون ينحسرون ويبحثون عن ملاجئ تؤويهم وتستوعب كسلهم ونقاشاتهم. وخلال عامين لم يبق في دمشق مكان تجلس فيه لتبادل الحديث, ناهيك عن الاستماع إلي قصيدة أو مناقشة مقال أو نبأ سياسي. ولا ينفصل هذا التطور بالطبع عن التطورات السياسية التي يشهدها البلد والمنطقة عموما. تذكرت هذا الوضع كله حين كنت في القاهرة وأردت أن أذهب إلي ريش الملتقي التقليدي للأدباء والمثقفين, خاصة بصورة رواده الأحياء أو الموتي, فوجدته وقد تحول إلي مطعم عادي لا أثر فيه لذلك الماضي إلا بقية الصور المعلقة علي جدرانه. وحين قرأت ما كتبه الدكتور خليل نعيمة عن ريش في الحياة منذ أيام شعرت بغصة. وتيقنت مجددا أن نظرية الأواني المستطرقة صحيحة جدا. يبلغ الماء النسبة ذاتها في الأوعية المتصلة مهما اختلفت أشكالها وحجومها. وما جري في مصر هو ذاته الذي جري في سوريا. ولعله جري في بلدان عربية أخري. قلت إن الأواني يجب أن تكون متصلة لكي تنطبق عليها نظرية الأواني المستطرقة ونحن متصلون. ألسنا أمة واحدة؟!
شاعر وكاتب سوري |
|
|
|
 |
|
|
 |
|
|