366‏السنة 123-العدد2004مارس27‏6 صفر 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

الأواني المستطرقة

ممدوح عدوان


ذات يوم قال أحد المسئولين تعليقا علي كثافة الهجرة الداخلية من الريف إلي المدينة‏,‏ انتظروني عشر سنين وسأتكفل بأن أعيدهم كلهم إلي قراهم‏.‏ وكان هؤلاء المهاجرون قد انتقلوا إما بسبب مهام وظيفية أو حزبية أو بسبب الرغبة في التوظف والارتياح من العمل في الأرض الزراعية‏.‏
واستطاع هؤلاء المهاجرون الداخليون أن يستأجروا أفضل الشقق ويسكنوا أفضل الأحياء‏.‏ وذلك بفضل دخولهم عوالم التجارة‏,‏ أو بفضل الجمعيات السكنية التعاونية‏.‏ وكان ذلك مكسبا غير متوقع لهم‏.‏
بعد فترة أقل من المهلة التي طلبها المسئول‏,‏ كانت الأسعار قد ارتفعت إلي حيث عجز معظم المهاجرين عن تلبية حاجاتهم اليومية في المدينة‏,‏ ناهيك عن المواصلات وارتفاع الضرائب‏,‏ وعن أن الأولاد قد كبروا وزادت متطلباتهم المعيشية والدراسية‏.‏ ويريدون أن يكونوا مثل أبناء المدن في لباسهم ومصروفهم‏.‏ وصار المهاجر الموظف يستعين بأهله الذين تركهم في القرية لكي يعينوه ببعض المؤونة والمصروف أحيانا‏.‏ وقد بدأ بعضهم يؤجر بيته للسياحة في الصيف ويذهب لقضاء العطلة عند أهله في القرية‏.‏ وحين يكون في المدينة يري نفسه عاجزا عن الجلوس في مقهي أو الذهاب إلي السينما‏,‏ ويفضل أن ينتقل في المسافات المعقولة علي رجليه‏,‏ مع الأيام لم يعد الاستمرار ممكنا‏.‏ فباع معظمهم بيته‏,‏ أو أخذ خلو رجل علي البيت الذي يستأجره‏,‏ وسكن في الضواحي‏,‏ وعاد بعضهم أدراجه إلي قريته ومعه مبلغ معقول يري نفسه به مليونيرا‏.‏ كما تذكر كثيرون منهم أن لديهم أراضي كانوا قد هجروها أمام إغراء الهجرة‏.‏
هذا الطرد التدريجي لأبناء الأرياف تم بصمت ودون ضجيج‏.‏ ولم يستطع أحد أن يحتج علي شئ‏.‏
وقد حدث الشئ ذاته لأوضاع المثقفين في المدن‏.‏
كانت هناك مقاه ومنتديات يجلس فيها المثقفون للتسلية وتبادل الأحاديث والمناقشات‏.‏ وكان الإنفاق اليومي علي هذه المسائل معقولا‏.‏
مع الأيام بدأت هذه المقاهي تغلق أبوابها‏.‏ وقبل المثقفون الانتقال إلي المقاهي الأخري التي فيها لعب طاولة زهر وورق‏.‏ وكانوا قد هجروها لكي يجدوا أجواء أخري ينسجمون فيها بعيدا عن الضجيج‏.‏
وفي دمشق كان هناك وضع خاص لتلك المقاهي‏.‏ ففيها كانت تدار أهم الأحداث السياسية‏.‏ وكان مقهي الهافانا والبرازيل‏,‏ مثلا‏,‏ ملتقي السياسيين والأدباء والمثقفين‏.‏ كما أن مطعما خاصا من هذا النوع كان يستوعب المثقفين مقابل فنجان قهوة أو زجاجة بيرة بسعر معقول ودون إكسسوارات أو مازاوات‏.‏
لكن موجة التحديث لحقت تلك المقاهي‏.‏ فتحولت هي الأخري إما إلي بوتيكات أو مطاعم أو سناكات‏.‏ والمكان الذي لم يتغير تغير جوه‏.‏ فارتفعت أسعار القهوة والشاي‏.‏ وأخذ أحد الأثرياء مثلا مقهي الهافانا وتركه مقهي كما كان‏.‏ لكن بأسعار سياحية‏.‏ وحجته بسيطة‏.‏ الذي لا يستطيع أن يدفع لا يحتاج إلي الجلوس هنا‏.‏ وبالتالي حسب وجهة نظره تحدد هويات الزبائن حسب أوضاعهم المادية‏.‏ ولنا أن نتصور مقهي في أحد الفنادق يبلغ ثمن فنجان القهوة فيه مائة وخمسون ليرة سورية ثلاثة دولارات لبلد متوسط الدخل فيه خمسة آلاف ليرة مائة دولار‏.‏
وبدأ المثقفون ينحسرون ويبحثون عن ملاجئ تؤويهم وتستوعب كسلهم ونقاشاتهم‏.‏
وخلال عامين لم يبق في دمشق مكان تجلس فيه لتبادل الحديث‏,‏ ناهيك عن الاستماع إلي قصيدة أو مناقشة مقال أو نبأ سياسي‏.‏
ولا ينفصل هذا التطور بالطبع عن التطورات السياسية التي يشهدها البلد والمنطقة عموما‏.‏
تذكرت هذا الوضع كله حين كنت في القاهرة وأردت أن أذهب إلي ريش الملتقي التقليدي للأدباء والمثقفين‏,‏ خاصة بصورة رواده الأحياء أو الموتي‏,‏ فوجدته وقد تحول إلي مطعم عادي لا أثر فيه لذلك الماضي إلا بقية الصور المعلقة علي جدرانه‏.‏
وحين قرأت ما كتبه الدكتور خليل نعيمة عن ريش في الحياة منذ أيام شعرت بغصة‏.‏ وتيقنت مجددا أن نظرية الأواني المستطرقة صحيحة جدا‏.‏ يبلغ الماء النسبة ذاتها في الأوعية المتصلة مهما اختلفت أشكالها وحجومها‏.‏ وما جري في مصر هو ذاته الذي جري في سوريا‏.‏ ولعله جري في بلدان عربية أخري‏.‏
قلت إن الأواني يجب أن تكون متصلة لكي تنطبق عليها نظرية الأواني المستطرقة ونحن متصلون‏.‏
ألسنا أمة واحدة؟‏!‏
شاعر وكاتب سوري