366‏السنة 123-العدد2004مارس27‏6 صفر 1425هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

إبراهيم منصور
عم صباحا أيها الفارس الطيب النبيل

نبيل عبد الفتاح


وسط زحام الوجوه النحاسية‏,‏ والخشبية‏,‏ والأخري التي رحلت عنها ملامحها ـ بتعبير بلند الحيدري ـ لا تكاد تعثر إلا بالكاد علي لحظات‏,‏ حتي تستطيع تبادل الصفاء والمحبة والمودة مع الوجوه الحميمة والصديقة التي تعطي مشروعية لمعاني الحياة النبيلة‏,‏ في ظل صخب الأصوات الزاعقة حيث الأدعياء‏,‏ والدجالين ومحترفي الكذب‏,‏ والوطنية المدعاة‏,‏ والمهرجين‏,‏ حيث لعب بعضهم أدوار الموهوبين‏,‏ وارتداء أقنعة المعرفة والحكمة‏,‏ والإبداع‏!‏
في ظل أجواء خمسة عقود مضت من السلطوية‏,‏ والديكتاتورية‏,‏ ونفاق حشود من الأدعياء ومحدودي المعرفة من قتلة المواهب والكفاءات والأجنة‏,‏ برز عم إبراهيم منصور نسيجا وحده‏,‏ متفردا وسط متفردين‏,‏ ومناضلا بكل ما في هذا الوصف من عمق وبهاء داخلي وألم‏,‏ مثقفا متميزا‏,‏ وقارئا موهوبا وعظيما‏,‏ لديه قدرة فذة علي التقويم النقدي‏,‏ والفرز بين النصوص الإبداعية‏,‏ والأعمال الفكرية‏,‏ بمهارة‏,‏ لأنه امتلك حسا نقديا رصينا‏,‏ وقدرة علي استيعاب التجديدات‏,‏ والتجريب‏,‏ في البني الروائية والقصصية والشعرية من الأجيال الجديدة من الروائيين والشعراء والقصاصين‏,‏ ملكة نقدية مؤسسة علي قراءات عميقة‏,‏ وعلي بصيرة نقدية ارتفعت فوق حدود النقد المدرسي‏,‏ وخطاباته البائسة لدي بعضهم من قبيلة المدرسين القتلة‏,‏ المسكونين بكراهية الموهبة والتجديد الإبداعي‏,‏ هؤلاء المدرسون البلداء الذين حولوا حياتنا إلي جحيم من رطانات اللغة الخشبية التي ولدت من أرحام الموت‏,‏ وإلي خطاباتهم التافهة في مديح النص النفطي لأغراض تتسم وتتصل بالوضاعة في منابتها القبيحة‏.‏
عم إبراهيم منصور‏,‏ مثل لنا ذائقة لامعة ومفتوحة علي أبواب الجديد وغير المألوف‏,‏ لم لا؟ وقصته الذائعة اليوم أربع وعشرون ساعة‏,‏ كانت تعبيرا عن موهبة حجبها عن الإبداع‏,‏ فيما يبدو عامدا‏!‏ ثمة مواهب تدور حول فكرة ما‏,‏ بناء ما‏,‏ تجديد ما في اللغة والشيق والمثير في هذا النص اللامع‏,‏ أنه جاء حاملا لتجديدات في السرد واللغة والتقطيع والبنية‏,‏ من هنا ليس غريبا ولا مثيرا أن يمتلك الأستاذ إبراهيم منصور‏,‏ أسرار الذائقة الموهوبة والمتجددة والمواكبة لتجديدات الأجيال الجديدة من المبدعين والباحثين والكتاب في مصر والعالم العربي‏,‏ ركز أصدقاء ومحبو العم إبراهيم منصور علي تاريخه النضالي والسياسي‏,‏ وهو أمر جدير بالاحتفاء في زمن لم يعد هناك من يسأل عن تواريخ أحد‏,‏ وما هي مشروعية حضورهم وصخبهم العام‏,‏ ولا يوجد من يسأل كثيرا في هذا البلد من أنت؟ سؤال جوهري لرجال سياسة‏,‏ وسلطة‏,‏ ومؤسسة‏,‏ وآخرين زبائن لهؤلاء‏,‏ وآخرين يخدمون علي خطابات هؤلاء وأولئك؟ خطابات التفاهة والجهالة والوضاعة في السياسة والثقافة والأخلاق‏,‏ وأوصياء كثر علي الضمائر‏,‏ ولا أحد يسأل من أنتم؟ ومن أين جئتم؟ ومن ولاكم علي ضمائرنا وأفكارنا‏,‏ ولماذا تكتمون علي أنفاسنا؟ ماذا قدمتهم في الفكر والبحث والإبداع والتشكيل وا‏.....,‏ وا‏......‏إلخ؟ من هنا كانت أهمية استعادة نضالية إبراهيم منصور الجسور رغما عن الاختلافات في الرؤي والتحيزات والأيديولوجيات والتقويمات السياسية‏,‏ بل والمواقف‏.‏
الاستعادة هنا‏,‏ بمثابة تحيين للذاكرة الجمعية للجماعة الثقافية المصرية‏,‏ لأدوار وتضحيات قام بها عم إبراهيم وصحبة من مدارس سياسية‏,‏ وملل ونحلل داخلها‏,‏ استعادة ليست لزمن ضائع ـ إذا شئنا استعارة بروست ـ وإنما لزمن من الكفاح من أجل غالبية أبناء الأمة المصرية‏,‏ الغالبية الشعبية‏,‏ المنسية والصامتة في ظل عصور النهب المنظم للمال العام‏,‏ والفساد‏,‏ والتدهور في كل تفاصيل حياتها‏,‏ من هنا تناول الزملاء والأصدقاء للتاريخ الكفاحي الوطني والإنساني لعم إبراهيم في زنازين الطغيان السلطوي‏,‏ هو تجديد لمصادر المقاومة الروحية للأمة‏,‏ ومن قدموا لها من حرياتهم ومستقبلهم الشخصي‏,‏ دفاعا عن تطورها‏,‏ وعدالة توزيع ثرواتها علي أبنائها جميعا‏,‏ دافع عم إبراهيم عن حريات المصريين‏,‏ واستقلالهم ودورهم الإنساني في المنطقة كقوة إبداع وكرامة وحرية‏,‏ رجل عاش بين الناس‏,‏ صانع مودة ومحبة مع الموهوبين‏,‏ والبسطاء مستكفيا عن سؤال أحد‏,‏ لأنه لا مطالب له من أحد‏,‏ لا علاقة له بشبكات مصالح المؤسسة‏,‏ ولا زمر المصالح أيا كانت من ذوي نفوذ‏,‏ أو رعاع يوزعون الزيف والالتواء بين الناس‏,‏ متمردا متميزا شأن كل مبدع حقيقي‏,‏ حياته وإبداعه صرخة دائمة إزاء الكذب والادعاءات وغياب الموهبة‏,‏ وقلة القيمة الإبداعية أو الفكرية‏,‏ ممن تمتليء بهم الأماكن المزدحمة بالوجوه اللامعة بالتفاهة والخديعة والتواطؤ‏,‏ من أين جاءت سخريته اللاذعة‏,‏ وتعليقاته الحريفة‏,‏ وخفة الظل الشفافة‏,‏ رجل صادق المودة‏,‏ قادر ببراعة علي تقدير قيمة المواهب والبشر وفق موازين ومعايير جواهرجي ألماس نادرة‏,‏ أحبه الموهوبون لامعو الموهبة‏,‏ وقدروا موهبته النادرة كقاريء وكاتب مقل‏,‏ عاش الحياة متماهيا معها من هامشها‏,‏ وداخله صاغ هامشه الخاص‏,‏ يمكنك أن تتعرف إلي ترجماته السياسية لمؤلف عام الحمامة‏,‏ وتوثيقاته وتعليقاته المهمة‏,‏ كي تصفه بأنه مترجم رصين‏,‏ وترجماته لكفافي لتتعرف إلي حسه الشعري‏,‏ وذائقته المتميزة‏,‏ وترجمته الدقيقة إذا ما وضعت مع ترجمات أخري‏,‏ لسعدي يوسف‏,‏ وأحمد مرسي عن الإنجليزية‏,‏ ونعيم عطية عن اليونانية‏,‏ ثمة قصص للعم إبراهيم منصور يا أخي ـ بتعبير الشاعر إبراهيم داود ـ تؤكد علي موهبة حولها من مجال الإبداع إلي الحياة والقراءة للكتب والروايات والفنون التشكيلية‏,‏ والأهم الأهم قراءة علامات وأرواح وسلوكيات الناس‏,‏ كانت مصر الموهوبة‏,‏ مصر الحقيقة‏,‏ تكشف عن آلامها وجروحها في سرادق عزاء عم إبراهيم منصور‏.‏ وكان الحزن شفافا‏,‏ وعميقا علي وجوه محبيه وأصدقائه وعارفي فضله في كتابات صافية‏,‏ ودود‏,‏ ومكلومة من الأصدقاء‏,‏ إبراهيم فتحي‏,‏ وخيري شلبي‏,‏ ووائل عبدالفتاح‏,‏ ومحمود الورداني‏,‏ وصلاح عيسي‏,‏ وإبراهيم داود وإبراهيم منصور‏(‏ الصغير‏)‏ وآخرين‏,‏ ثم شيء يكاد يكون موضع اتفاق أحباء إبراهيم منصور‏,‏ وهو أن الجميع يكاد يراه بطلته الصاخبة‏,‏ والساخرة‏,‏ صاعدا إلي ميريت فاتحا الباب زاعقا في محمد هاشم‏,‏ رواية مهمة وجميلة تنشر فورا‏!‏ أو زفت‏,‏ كلام فارغ‏!,‏ أو حديثه الموصول‏,‏ الرائق‏,‏ والساخر‏,‏ دوما والمحمول باللطافة كلها‏,‏ والعذوبة‏,‏ عن إبراهيم أصلان‏,‏ أو عم خيري شلبي‏,‏ وحينا آخر مع أبوالسيد ـ الراحل الصديق العزيز سيد خميس ـ كان قلقه علي سيد خميس كبيرا عندما مرض‏,‏ حارس لهامش الموهبة والإبداع والفكر المصري الجديد دوما برموزه علي اختلافها‏,‏ من الأمانة أن يقال إن أعمالا إبداعية مهمة ـ تشكل أبرز مكونات الإبداعات التسعينية‏,‏ وما بعدها ـ كان إبراهيم منصور‏,‏ وراءها‏,‏ أعمال متميزة‏,‏ كان يشجع‏,‏ ويشير إليها في كل مكان‏,‏ كتابات حمدي أبوجليل‏,‏ وياسر عبداللطيف‏,‏ ومصطفي ذكري‏,‏ وخالد إسماعيل‏,‏ وأحمد العايدي‏,‏ وآخرين من الكتاب الموهوبين‏,‏ الذين أنتجوا حالة روائيةمصرية متفردة‏,‏ كشفت عن أن هامش الثقافة المصرية‏,‏ أكثر أهمية‏,‏ وحضورا وإنتاجا من المؤسسة الرسمية‏,‏ وكروشها الكبيرة‏,‏ وتحالفاتها الإقليمية والنفطية‏,‏ وضيوفها الدائمين من المال العام المصري‏,‏ الذي يسدد لهم من نظرائهم في المؤسسات الأخري‏,‏ لن يستمروا‏,‏ وستفتح ملفاتهم‏,‏ مهما طال الوقت‏,‏ لأنهم موتي في الحياة‏,‏ جثث فوق مقاعد وثيرة‏,‏ لا نقول مع السلامة يا عم إبراهيم يا جميل‏,‏ وإنما عم صباحا أيها الفارس الطيب النبيل‏,‏ البقاء لله وحده‏,‏ تعالي‏,‏ سبحانه‏,‏ له الملك‏.‏


للرد على المقال أضغط هنا