 | |
نبيل عبد الفتاح وسط زحام الوجوه النحاسية, والخشبية, والأخري التي رحلت عنها ملامحها ـ بتعبير بلند الحيدري ـ لا تكاد تعثر إلا بالكاد علي لحظات, حتي تستطيع تبادل الصفاء والمحبة والمودة مع الوجوه الحميمة والصديقة التي تعطي مشروعية لمعاني الحياة النبيلة, في ظل صخب الأصوات الزاعقة حيث الأدعياء, والدجالين ومحترفي الكذب, والوطنية المدعاة, والمهرجين, حيث لعب بعضهم أدوار الموهوبين, وارتداء أقنعة المعرفة والحكمة, والإبداع! في ظل أجواء خمسة عقود مضت من السلطوية, والديكتاتورية, ونفاق حشود من الأدعياء ومحدودي المعرفة من قتلة المواهب والكفاءات والأجنة, برز عم إبراهيم منصور نسيجا وحده, متفردا وسط متفردين, ومناضلا بكل ما في هذا الوصف من عمق وبهاء داخلي وألم, مثقفا متميزا, وقارئا موهوبا وعظيما, لديه قدرة فذة علي التقويم النقدي, والفرز بين النصوص الإبداعية, والأعمال الفكرية, بمهارة, لأنه امتلك حسا نقديا رصينا, وقدرة علي استيعاب التجديدات, والتجريب, في البني الروائية والقصصية والشعرية من الأجيال الجديدة من الروائيين والشعراء والقصاصين, ملكة نقدية مؤسسة علي قراءات عميقة, وعلي بصيرة نقدية ارتفعت فوق حدود النقد المدرسي, وخطاباته البائسة لدي بعضهم من قبيلة المدرسين القتلة, المسكونين بكراهية الموهبة والتجديد الإبداعي, هؤلاء المدرسون البلداء الذين حولوا حياتنا إلي جحيم من رطانات اللغة الخشبية التي ولدت من أرحام الموت, وإلي خطاباتهم التافهة في مديح النص النفطي لأغراض تتسم وتتصل بالوضاعة في منابتها القبيحة. عم إبراهيم منصور, مثل لنا ذائقة لامعة ومفتوحة علي أبواب الجديد وغير المألوف, لم لا؟ وقصته الذائعة اليوم أربع وعشرون ساعة, كانت تعبيرا عن موهبة حجبها عن الإبداع, فيما يبدو عامدا! ثمة مواهب تدور حول فكرة ما, بناء ما, تجديد ما في اللغة والشيق والمثير في هذا النص اللامع, أنه جاء حاملا لتجديدات في السرد واللغة والتقطيع والبنية, من هنا ليس غريبا ولا مثيرا أن يمتلك الأستاذ إبراهيم منصور, أسرار الذائقة الموهوبة والمتجددة والمواكبة لتجديدات الأجيال الجديدة من المبدعين والباحثين والكتاب في مصر والعالم العربي, ركز أصدقاء ومحبو العم إبراهيم منصور علي تاريخه النضالي والسياسي, وهو أمر جدير بالاحتفاء في زمن لم يعد هناك من يسأل عن تواريخ أحد, وما هي مشروعية حضورهم وصخبهم العام, ولا يوجد من يسأل كثيرا في هذا البلد من أنت؟ سؤال جوهري لرجال سياسة, وسلطة, ومؤسسة, وآخرين زبائن لهؤلاء, وآخرين يخدمون علي خطابات هؤلاء وأولئك؟ خطابات التفاهة والجهالة والوضاعة في السياسة والثقافة والأخلاق, وأوصياء كثر علي الضمائر, ولا أحد يسأل من أنتم؟ ومن أين جئتم؟ ومن ولاكم علي ضمائرنا وأفكارنا, ولماذا تكتمون علي أنفاسنا؟ ماذا قدمتهم في الفكر والبحث والإبداع والتشكيل وا....., وا......إلخ؟ من هنا كانت أهمية استعادة نضالية إبراهيم منصور الجسور رغما عن الاختلافات في الرؤي والتحيزات والأيديولوجيات والتقويمات السياسية, بل والمواقف. الاستعادة هنا, بمثابة تحيين للذاكرة الجمعية للجماعة الثقافية المصرية, لأدوار وتضحيات قام بها عم إبراهيم وصحبة من مدارس سياسية, وملل ونحلل داخلها, استعادة ليست لزمن ضائع ـ إذا شئنا استعارة بروست ـ وإنما لزمن من الكفاح من أجل غالبية أبناء الأمة المصرية, الغالبية الشعبية, المنسية والصامتة في ظل عصور النهب المنظم للمال العام, والفساد, والتدهور في كل تفاصيل حياتها, من هنا تناول الزملاء والأصدقاء للتاريخ الكفاحي الوطني والإنساني لعم إبراهيم في زنازين الطغيان السلطوي, هو تجديد لمصادر المقاومة الروحية للأمة, ومن قدموا لها من حرياتهم ومستقبلهم الشخصي, دفاعا عن تطورها, وعدالة توزيع ثرواتها علي أبنائها جميعا, دافع عم إبراهيم عن حريات المصريين, واستقلالهم ودورهم الإنساني في المنطقة كقوة إبداع وكرامة وحرية, رجل عاش بين الناس, صانع مودة ومحبة مع الموهوبين, والبسطاء مستكفيا عن سؤال أحد, لأنه لا مطالب له من أحد, لا علاقة له بشبكات مصالح المؤسسة, ولا زمر المصالح أيا كانت من ذوي نفوذ, أو رعاع يوزعون الزيف والالتواء بين الناس, متمردا متميزا شأن كل مبدع حقيقي, حياته وإبداعه صرخة دائمة إزاء الكذب والادعاءات وغياب الموهبة, وقلة القيمة الإبداعية أو الفكرية, ممن تمتليء بهم الأماكن المزدحمة بالوجوه اللامعة بالتفاهة والخديعة والتواطؤ, من أين جاءت سخريته اللاذعة, وتعليقاته الحريفة, وخفة الظل الشفافة, رجل صادق المودة, قادر ببراعة علي تقدير قيمة المواهب والبشر وفق موازين ومعايير جواهرجي ألماس نادرة, أحبه الموهوبون لامعو الموهبة, وقدروا موهبته النادرة كقاريء وكاتب مقل, عاش الحياة متماهيا معها من هامشها, وداخله صاغ هامشه الخاص, يمكنك أن تتعرف إلي ترجماته السياسية لمؤلف عام الحمامة, وتوثيقاته وتعليقاته المهمة, كي تصفه بأنه مترجم رصين, وترجماته لكفافي لتتعرف إلي حسه الشعري, وذائقته المتميزة, وترجمته الدقيقة إذا ما وضعت مع ترجمات أخري, لسعدي يوسف, وأحمد مرسي عن الإنجليزية, ونعيم عطية عن اليونانية, ثمة قصص للعم إبراهيم منصور يا أخي ـ بتعبير الشاعر إبراهيم داود ـ تؤكد علي موهبة حولها من مجال الإبداع إلي الحياة والقراءة للكتب والروايات والفنون التشكيلية, والأهم الأهم قراءة علامات وأرواح وسلوكيات الناس, كانت مصر الموهوبة, مصر الحقيقة, تكشف عن آلامها وجروحها في سرادق عزاء عم إبراهيم منصور. وكان الحزن شفافا, وعميقا علي وجوه محبيه وأصدقائه وعارفي فضله في كتابات صافية, ودود, ومكلومة من الأصدقاء, إبراهيم فتحي, وخيري شلبي, ووائل عبدالفتاح, ومحمود الورداني, وصلاح عيسي, وإبراهيم داود وإبراهيم منصور( الصغير) وآخرين, ثم شيء يكاد يكون موضع اتفاق أحباء إبراهيم منصور, وهو أن الجميع يكاد يراه بطلته الصاخبة, والساخرة, صاعدا إلي ميريت فاتحا الباب زاعقا في محمد هاشم, رواية مهمة وجميلة تنشر فورا! أو زفت, كلام فارغ!, أو حديثه الموصول, الرائق, والساخر, دوما والمحمول باللطافة كلها, والعذوبة, عن إبراهيم أصلان, أو عم خيري شلبي, وحينا آخر مع أبوالسيد ـ الراحل الصديق العزيز سيد خميس ـ كان قلقه علي سيد خميس كبيرا عندما مرض, حارس لهامش الموهبة والإبداع والفكر المصري الجديد دوما برموزه علي اختلافها, من الأمانة أن يقال إن أعمالا إبداعية مهمة ـ تشكل أبرز مكونات الإبداعات التسعينية, وما بعدها ـ كان إبراهيم منصور, وراءها, أعمال متميزة, كان يشجع, ويشير إليها في كل مكان, كتابات حمدي أبوجليل, وياسر عبداللطيف, ومصطفي ذكري, وخالد إسماعيل, وأحمد العايدي, وآخرين من الكتاب الموهوبين, الذين أنتجوا حالة روائيةمصرية متفردة, كشفت عن أن هامش الثقافة المصرية, أكثر أهمية, وحضورا وإنتاجا من المؤسسة الرسمية, وكروشها الكبيرة, وتحالفاتها الإقليمية والنفطية, وضيوفها الدائمين من المال العام المصري, الذي يسدد لهم من نظرائهم في المؤسسات الأخري, لن يستمروا, وستفتح ملفاتهم, مهما طال الوقت, لأنهم موتي في الحياة, جثث فوق مقاعد وثيرة, لا نقول مع السلامة يا عم إبراهيم يا جميل, وإنما عم صباحا أيها الفارس الطيب النبيل, البقاء لله وحده, تعالي, سبحانه, له الملك.
|